الحوار المتمدن - موبايل


هل الصين دولة نامية؟

عبد الحسين شعبان

2010 / 10 / 6
مواضيع وابحاث سياسية


علينا أن نعترف سلفاً بأن صين العام 1949 التي انتصرت فيها ثورة ماوتسي تونغ الزعيم الكبير الذي بدأ مسيرة الألف ميل بخطوة واحدة، هي غيرها صين الثورة الثقافية التي استمرت نحو عشر سنوات، وبخاصة سنوات ما بين 1965-،1975 وهي تختلف إلى درجة كبيرة عن صين ما بعد العام 1978-،1979 التي شهدت حركة إصلاح واسعة وانفتاحاً كبيراً ترافقه نهضة ملموسة، ما أدى إلى وفرة في الإنتاج وتحقيق تنمية هائلة على جميع الصعد، لاسيما في إطار تحديث نمط الإدارة والإنتاج، من خلال إدخال التكنولوجيا والعلوم الحديثة إليها، وهذا ما جعلها تنتمي إلى العصر بكل ما فيه من عولمة وحداثة وتناقض .

وبحسب لغة الأرقام، فإن الصين تُعد ثاني دولة اقتصادية في العالم، حيث بلغت نسبة النمو الاقتصادي فيها خلال السنوات العشر الأخيرة نحو 10% وهذه النسبة تكاد تكون أعلى نسبة سجلت في العالم، كما استطاعت أن تحقق فائضاً احتياطياً بلغ (4 .2 تريليون دولار) ولم تتأثر بالأزمة الاقتصادية والمالية الكبرى التي شهدها العالم خلال السنتين الأخيرتين، بل ويؤكد بعض الخبراء أنها ازدادت قوة .

ومن المتوقع أن تحتل الصين في غضون العشر سنوات المقبلة (2020) المرتبة الأولى في جدول الاقتصاد العالمي . وهي دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن منذ أن استعادت مواقعها في العام ،1973 ولهذه الأسباب مجتمعة، هناك من يعتقد أن الصين كثيرة التواضع عندما تدعي أنها دولة نامية، معلنة عدم رغبتها في أن تكون تكراراً لدور الاتحاد السوفييتي السابق، متعللة بعدم أهليتها لقيادة الدول النامية، كما أنها لا تؤيد عودة نظام القطبية الثنائية، والأهم من ذلك أنها على غير استعداد للدخول في أية منافسة مع الولايات المتحدة .

لكن من جهة أخرى، فالصين تحتل المرتبة المئة وخمس في جدول تحديد مستويات المعيشة، على الرغم من كونها الدولة الاقتصادية الثانية في العالم، فما يزال نحو من 150 مليون صيني يعانون الفقر، وتعترضها مشكلات عديدة تتعلق بالتحديث والإدارة والأداء بحاجة إلى إعادة نظر، لاسيما في ظل البيروقراطية الشديدة، كما تعاني من التلوث ومشكلات بيئية أخرى وبعض مشكلات الأقليات، على الرغم ممّا يتوافر لها من عناصر القوة العسكرية والاقتصادية والبشرية، حيث يبلغ عدد سكانها نحو مليار ومئتي مليون نسمة يشتركون في العيش على مساحة شاسعة تتميز بتنوع جغرافيتها ومناخها ومواردها .

ماذا تحتاج الصين لكي تصبح دولة عظمى (إذا كانت ترغب بذلك)؟

لعلها تحتاج أولاً وقبل كل شيء، إلى إرادة سياسية تعمل على استثمار قوتها الاقتصادية الهائلة، لكي تنال بها حظوة دولية ومواقع سياسية متقدمة، كما تحتاج إلى التخلّي عن قفازات الحرير التي تحاول الظهور بها في محاولة لمدّ نفوذها الاقتصادي وطمأنة الأوساط الدولية، بعدم رغبتها في لعب أي دور سياسي أو عسكري كدور الاتحاد السوفييتي السابق .

كما أنها بحاجة إلى تشكيل تحالفات مميزة مع دول آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، ولا سيما في إطار إعادة بناء علاقات جديدة وعلى أسس جديدة مع حركات التحرر الوطني، فالصين، بالرغم من ملاحظة الانفتاح والإصلاح وبعض مظاهر الخصخصة فيها، فإنّ دستورها الأخير (الرابع) الذي صدر في العام 1982 وأجريت عليه تعديلات مهمة في العام 1988 والعام ،1993 ما زال يؤكد أن الصين ملتزمة أولى مراحل التطور الاشتراكي والمنهج الماركسي، مع إقرارها لسياسة الإصلاح والانفتاح . وقد استطاعت الصين التوفيق بين مهمات الدولة المركزية ونشاط القطاع الخاص، وهي ما تزال بحاجة إلى إنشاء تحالفات تأخذ بنظر الاعتبار المصالح من جهة والمبادئ من جهة ثانية، كما تحتاج إلى نهضة داخلية تحقق التوازن والعدالة بين مناطق الساحل ومناطق الداخل، وهذا يقتضي وضع مخططات طويلة الأمد بغرض إحداث تنمية إنسانية مستدامة تقضي على الفقر، وتأخذ بنظر الاعتبار توزيع الثروة، وتعالج مشكلات البيئة والتلوث والأقليات والحريات .

وتشكل الحداثة بمعانيها العقلانية والمدنية والعلمانية والديمقراطية أكبر وأهم التحديات التي تواجه الصين، على صعيد تحديث الإدارة ونظام الحكم وتنظيم العلاقة بين المواطن والدولة، وهي هواجس ترافق عملية الانتقال والتغيير التي دعت إلى أجزاء مهمة منها القيادات الصينية بعد مرحلة الانفتاح والإصلاح التي حققت نجاحات كبيرة .

إن مصدر هذه التساؤلات، لاسيما رؤيتها العربية، كان مثار حوار صيني عربي التأم في بكين 20-24 سبتمبر/ أيلول الماضي، أسهم فيه نخبة من المفكرين والأكاديميين العرب والصينيين، حيث شهد هذا اللقاء اختلافاً وتبايناً في وجهات النظر حول دور الصين ومستقبلها . وقد حرص الأكاديميون والعلماء العرب على اعتبار الصين قوة عظمى، أو هكذا تمنّوا أن يروها، فهي دولة مؤهلة لتلعب دوراً كبيراً على المستوى الدولي، لاسيما في القضايا الحساسة ومنها القضية الفلسطينية التي يدعمها الصينيون، بما فيها حق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، بحسب ما ورد على لسان نائب وزير الخارجية الصيني سونغ تاو الذي افتتح هذا اللقاء، وكما وردت ولأكثر من مرة في البحث المقدم من قبل وو سيكه المبعوث الصيني الخاص بالشرق الأوسط، وكذلك الأمر في مداخلة مدير المعهد الصيني للدراسات الدولية تشو شينغ .

وقد أشار السفير عبد الله بشارة رئيس مجلس التعاون الخليجي الأسبق وأحد المشاركين في هذا اللقاء، إلى ضرورة مبادرة الصين لتولي مسؤولياتها بتحديد دورها على المستوى الدولي، مشترطاً إيجاد الآليات المناسبة لاتخاذ القرار، وإلى توافر دبلوماسية فاعلة تتخلى عن القفازات الحريرية، مع إيجاد قوة عسكرية تعمل على حماية المصالح الاقتصادية . أما السفير الدكتور يوسف الحسن فقد وجه تساؤلاً مشروعاً للمجتمعين قال فيه: لا بد في البداية من معرفة ما إذا كانت الصين مهتمة بلعب مثل هذا الدور القيادي في العالم أم لا؟ وكانت مشاركة الدكتور جواد العناني تتمثل في طرحه لما يراه من دور مستقبلي للصين والضغوط الأمريكية، لاسيما في نطاق حرب العملات حيث من المؤكد ومن خلال رصد مجريات التطورات النقدية العالمية، أن اليوان الصيني (وحدة النقد الصيني) سيسجل تقدماً أكيداً ليكون في المرتبة الثالثة من حيث الأهمية والتداول بعد اليورو الدولار .

وجاء رد نائب رئيس المعهد الصيني للدراسات الدولية جو شيان جانغ على تساؤلات الأكاديميين والمفكرين العرب ليؤكد: “إن الصين ليست دولة عظمى ولن تكون كذلك حتى تحقق النمو الاقتصادي العالي، فما زال مستوى المعيشة فيها متدنياً قياساً إلى الدول الكبرى المتقدمة، وللنموذج الصيني خصوصية تحتاج إلى عامل الزمن لتقويمها، وبالتالي فالصين لن تتولّى قيادة العالم مثل أمريكا” . وإذا كانت الصين كما يراها العديد من المثقفين والأكاديميين العرب قد دخلت مجالات الطاقة والاستثمار والعلوم والسوق الدولية على نحو واسع، فإنها ما تزال بحاجة إلى ترجمة ذلك على مستوى السياسة الخارجية، لكي تكون لاعباً أساسياً مثل الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، وليس المقصود الدخول إلى الساحة الدولية بجلباب إيديولوجي، كما كان الأمر في فترة الصراع، لاسيما في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، فقد انتهت الحرب الباردة في أواخر الثمانينيات، وعلى الصين أن تدخل بدبلوماسيتها الناعمة وقوتها الاقتصادية الهائلة، لكي تؤثر بالسياسة الدولية، وهي تملك مؤهلات كبيرة على هذا الصعيد، أضف إلى ذلك ما يتطلبه الأمر من توسيع حقول التعاون الثقافي مع الأمم والشعوب الأخرى لما تشكله من حاضنة للعلاقات الاقتصادية والتجارية خصوصاً في ميادين الأدب والفن والمسرح والسينما والرواية والشعر والرياضة والسياحة وغيرها، من خلال تشجيع حركة الترجمة من اللغة الصينية إلى اللغات الأخرى وبالعكس، وهو ما تناوله السفير الدكتور علي أومليل وسمير الحباشنة وزير الثقافة الاردني الأسبق، وكاتب هذه السطور الذي تناول الفلسفة التاوية الصينية ومقاربتها بالفلسفة الصوفية .

لا يمكن للصين أن تستعيد دور الاتحاد السوفييتي ولا أظن أن أحداً يطالبها بذلك، فتلك المرحلة قد ولّت وأصبحت من مخلفات الماضي ولا يمكن استحضارها، لاسيما أن أحد أهم أسباب تفكك الكتلة الاشتراكية، كان مرده إلى سباق التسلح الذي لم يكن بمقدور السوفييت الاستمرار فيه، ما عكس نتائجه السلبية على حياة المواطنين بدرجة مريعة .

ولكن من جهة أخرى لا تستطيع الصين أيضاً أن تتخلى عن دورها بحجة أنها دولة نامية، فقوتها الاقتصادية والمالية تفرض عليها التزامات غير قليلة، بدءًا من حماية الأسواق والاستقرار، وحماية السلام والأمن الدوليين، ونزع السلاح والتخلص من الهيمنة، ودمقرطة العلاقات الدولية، وذلك بهدف توفير الأرضية المناسبة لتصدير التكنولوجيا واستيراد النفط وبخاصة من الشرق الأوسط، حيث تبلغ استيراداتها (من العرب وإيران) نحو 70% في ظل أوضاع مستقرة ومصالح مشتركة وعلاقات ودية بين الأمم والشعوب والبلدان .

وهكذا يمكن أن تكون الصين دولة نامية ومتقدمة في الآن ذاته، بانتماءاتها وخصوصياتها وعلاقاتها الدولية والإنسانية .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - توضيع حول العلاقات العربيه الصينيه
عبد الجباررضا عبد ( 2010 / 10 / 6 - 20:11 )
شكرا لصديقى د.عبدالحسين شعبان على هذه المساهمه الموضوعيه ولكن احببت ان اوضح نقطتين تحدد علاقات الصين المستقبليه فى مجال السياسه الخارجيه
1ان ما تراه الصين مستقبلا يكون تعاونا وليس تصادما مع امريكا لذا نلاحظ تعاون غير مسبوق بينهمامثلا فى مساله كوريا الشماليه والحرب على الارهاب واصلاح الامم المتحده ولا تفكرمواجهه امريكا حتى على حدودها (كوريا الشمالي ) معالعلم من مصلحه الصين استمرار النظام السياسى فى كوريا الشماليه
2بالرغم من تطور وازديادالعلاقات الاقتصاديه للصين مع الدول العربيه ولكن عند المقارنه مع اسواقها التجاريه القديمه كلاتحاد الاوروبى وامريكا الشماليه وغيرها نجدالاسواق العربيه تمثل موقع متواضع منها


2 - ملاحظ باعتذار
سعد محمد البياتي ( 2010 / 10 / 6 - 20:51 )
استاذي الفاضل لكوني متيقن ان الخلفيه واحده اتجرأ لآقول لجنابكم انا مواطن بسيط على
ابواب السبعين لدي تاريخ مقبول عشت المربكل معانيه منذ احداث محاربة الآقطاع 1954 ومظاهرات 56 بورسعيد ومن 1959مرورابالأيام السودفي1963والعهد
العارفي التافه ولا يهون الحكم البعثى الثاني الى ان حصل السقوط في الحفره ارتحت وحصلت على التقاعد بصاية حامي حما المتقاعدين معالي وزير الماليه وأنا الآن
اتمتع ومنشغل بثلاث راتب تقاعدي 8000 دينار عراقي فقط ثمانية آلاف دينار عراقي
يساوي ثلث أمبير كهرباء وأنا للعلم مهندس استشاري خريج 1964 لم ولن اترك وطني رغم كل الظروف الثاني حديقة منزل بسيطه والثالث والأهم موقع الحوار المتمدن هذا لأتابع ولغرض
الديمومه وعسى ان احافظ على ماتبقى من روح المواطنه لأقرأ مايجود به من
نفخر ونعتز بهم من كبار كتابنا ومفكرينالهذا الغرض وكما لايخفاكم سيدي الكهرباء ماشاء الله والنت اكثر ماشاء الله وبعد المعانات والحملقه بالنظارات افتح الموقع
وكلك على مقاله لمن احب اراها هل الصين دوله ناميه ..هذا حظى رايح أنام

اخر الافلام

.. أنقرة تنتقد العقوبات الأوروبية على شركة تركية متهمة بانتهاك


.. عشرات المنظمات بالكويت تطالب بقانون لتجريم التطبيع، ومجلس ال


.. صحتك+ | البابونج يساعد على طرد الغازات والتخلص من آلام المعد




.. شاهد: -إيرباص- تعرض 3 نماذج من -طائرة المستقبل- التي تعمل با


.. مظاهرات في بنغازي الليبية للمطالبة بالقضاء على الفساد