الحوار المتمدن - موبايل


قراءة في تفكير الغرب

بريهان الجاف

2009 / 5 / 23
مواضيع وابحاث سياسية


هل هنالك صراع حقيقي بين الغرب والإسلام؟ لا أحد ينكر اشتعال هذا الصراع، ولكن هناك تيارا فكريا يؤججه ويتزعمه بعض المفكرين الذين- لحسن الحظ- تصدى لهم آخرون ، معارضون لنظرياتهم ومفندون لها بالحجة والمنطق. كما يزيد من حدة الصراع جماعة من المهووسين الدينيين الذين هم في واقع الامر ضحايا لفكر هؤلاء المفكرين، وادوات مجردة لتنفيذ هذا الفكر كيفما كان اتجاهه الثقافي..بينما تقول حقائق التاريخ والدين والثقافة أن أوجه الخلاف بين حضارة الغرب وحضارة الإسلام أقل بكثير من أوجه الاتفاق..وفى رأيي أن هناك فئات ثلاث ساهمت وروجت للعداء بين الإسلام والغرب.
الفئة الأولى يمثلها مفكرون أميركيون ثلاثة عرضوا أفكارهم حول هذه القضية في مؤلفات كان تأثيرها السلبي شديدا على العالم بأسره.الأول هو ريتشارد نيكسون في كتابه "seize the moment " "أوانتهزوا الفرصة، والثاني هو فرانسيس فوكوياما في كتابه"نهاية التاريخ"، والثالث وهو أخطرهم: صمويل هنتنجتون في كتابه "صراع الحضارات “أو Of civilizations clash
وتدور الكتب الثلاثة على وجه العموم في فلك عنصري يروج لحتمية سيطرة ثقافة الغرب وسياسة الغرب واقتصاد الغرب على العالم كله من جهة، وتروج من جهة أخرى لفكرة أن الإسلام هو العدو الحتمي للحضارة الغربية من بعد سقوط الشيوعية..ويكفي أن نقرأ هاتين العبارتين لصمويل هنتنجتون:
1. إن لم نكره ما ليس نحن، فلن يمكننا أن نحب ما هو نحن!
2. نحن لا نعرف من نكون إلا عندما نعرف من ليس نحن،وذلك يتم غالبا عندما نعرف ضد من
نحن!
يكفي أن نقرأ هاتين العبارتين لنستدل منهما على براعة الكاتب في بث سموم العداء والتفرقة والكراهية والعنصرية بين شعوب العالم وحضاراتها ، وليس بين الإسلام والغرب فقط.
أما الفئة الثانية فيمثلها المستشرقون الذين تعاملوا مع القرآن على طريقة " لا تقربوا الصلاة" فاقتطعوا منه بعض النصوص التي تحض على قتال المعتدين وعزلوها عن مسارها التاريخي زمنا وحدثا، بحيث لايترك للعين أن ترى من الإسلام غير الانفجارات ودماء الأبرياء..اختلطت مفاهيم الإسلام بالإرهاب بالمقاومة المشروعة للمعتدى المحتل وضاع الحق وتفرق بين الجميع الذين عجزوا حتى الآن عن التوصل الى تعريف علمي للفظة الإرهاب.
أما الفئة الثالثة فهم الإرهابيون خدام الثقافة الأصولية بشقيها الإسلامي والمسيحي..انهم أناس غسلت أدمغتهم من كل شيء إلا العداء للآخر في الدين والمذهب كما حدث في العراق وضرورة القضاء عليه معنويا بتكفيره وماديا بقتله ،بحيث أصبحت الصورة الماثلة أمامنا تعبر بحق عن صراع أصوليات لا صراع حضارات. وفى مقابل هؤلاء الذين يتطوعون بتفتيت أجسادهم الى قطع متناثرة تنفيذا لفكر ثقافي متخلف، نجد أن النخبة الحاكمة في أقوى وأغنى دولة في العالم تنفذ ما جاء من فكر في المؤلفات الثلاثة المشار اليها تنفيذا يكاد يكون حرفيا. انني أنظر الى النظام العالمي الجديد الذي تقوده أمريكا كنظام يقوم على الفكر الداروينى القائل بأن البقاء للأقوى وليذهب الأضعف الى الجحيم،فالأقوى يبتكر وينتج والأضعف يستقبل ويستهلك ،في ظل آلة إعلامية جبارة تسوق لثقافة الغرب ومنتجاته..
وهذا بالطبع لا ينفي استحقاق الضعفاء والكسالى من الأمم أن تدفع ثمن تخاذلها وتخلفها عن مواكبة العصر ، فمن المؤكد أن المساواة بين من يعمل ومن لا يعمل هو الظلم بعينه.يدفعنا ذلك الى أهمية أن نبحث كيف نكون أقوياء كعرب أو مسلمين حتى نستطيع التجانس والتفاعل مع حضارة الغرب السائدة،فنحن بضعفنا وتشتتنا وتخلفنا صرنا نقدم أنفسنا طوعا كفريسة سهلة المنال في عالم اختزلت فيه العلاقات الإنسانية الى علاقة واحدة بين مفترس وفريسة، لا جدوى من البكاء على الأطلال ، ولنستشهد هنا بقول ريتشارد نيكسون في كتابه المذكور نصا وحرفا: (بينما ذبلت أوروبا في العصور الوسطى، تمتعت الحضارة الاسلامية بعصرها الذهبي حين أسهم الإسلام بمجهودات هائلة في مجال العلوم والطب والفلسفة،وقد لاحظ وول ديورانت في كتابه"عصر الإيمان"أن الإنجازات الهامة في كل الميادين قد تحققت على يد مسلمين في هذه الفترة..وطيلة خمسة قرون من700-1200م فإن العالم الاسلامى تقدم وتفوق على العالم المسيحي فيما يتعلق بالقوة الجيوبوليتيكية ومستوى المعيشة وتقدم القوانين ومستوى الفلسفة والعلوم والثقافة،لكن عقودا من الحرب قلبت الطاولات)..ويستطرد قائلا ما يعبر عن نوايا حسنة ورائعة:( ومثلما ساعدت المعرفة من الشرق في تحريك عصر النهضة في الغرب، فإن الوقت قدحان بالنسبة للغرب كي يسهم في نهضة العالم الإسلامي..
هذا ببساطة يعنى أننا كنا أقوياء، وأن بمقدورنا أن نعود: أقوياء مرة أخرى، ولا يجب أن ننسى أن ابن رشد كانوا يلقبونه بمعلم أوروبا حتى نهاية العصور الوسطى.والحق أنه يمكننا كعرب-مسلمين ومسيحيين-أن نتلمس الطريق الى هذه القوة من دون التشبث بالماضي والعجز عن استشراف المستقبل.لكن هذا لا يتحقق بغير الانطلاق بلا تردد في اتجاهين:الأول سياسي واقتصادي والثاني ثقافي، فالعرب لن تقوم لهم قائمة ما لم يتكتلوا اقتصاديا وسياسيا حتى يشكلوا كيانا قويا يستطيع مواجهة التكتل المناظر للغرب والتكامل معه.لقد نجح الغرب في إقامة وحدة متكاملة لدرجة توحيد العملة برغم اختلاف اللغات والثقافات والمواقع الجغرافية ..ولكي ينجح العرب في ذلك ينبغي أن يتخلوا عن ثقافة اللفظ وينطلقوا الى ثقافة الأداء والإنجاز، وعن ثقافة النقل الى ثقافة العقل، وعن الثبات والجمود الى الديناميكية والتطور..هذا الإنجاز يتمثل في تعظيم مقومات التنمية وقوة الدفع الذاتي وعدم الاعتماد على القروض والتقليل من الاستيراد السلعي والخدمي والاعتماد على تنوع الصادرات وتشجيع القوى الوطنية على الإنتاج،وقبل ذلك كله إحداث ثورة في نظام التعليم بحيث يفرز لنا عقليات إبداعية لا نمطية.كما يجب زيادة الإنفاق على
البحوث..
وفى النهاية لابد من تدعيم أسس الديمقراطية والقضاء على الفساد المستشري بين دوائر الحكم ورجال الأعمال وأصحاب المناصب المؤثرة. ولا مفر من تعظيم دور الثقافة والمثقفين في توجيه الأمور وإلغاء القيود المفروضة على الكتاب والمفكرين بحيث يتم تثقيف السياسة بدلا من تسييس الثقافة. أما فيما يتعلق بالسلطة فالسبيل واحد ومعروف للجميع وهو أن يكون الحاكم منتخبا من شعبه بحيث يسقطه حين يريد،وأن تعمل مؤسسات الأمة كلها تحت راية الديمقراطية..حينئذ يكون المفكر عونا للسلطة وتكون السلطة عونا للمفكر على تحقيق آمال الأمة.وأما فيما يتعلق بالمجتمع الذي توارث الاستبداد وحكم الفرد عبر حقب طويلة من الزمان وانطوى على الجمود والاستكانة،قانعا بما يحدث له مكتفيا بالشكوى الى الله،فقد عجز عن بلورة هوية ثقافية أصيلة تعبر عن ذاتيته ويستطيع من خلالها أن يواجه الثقافات الرجعية الوافدة:ثقافات الفكر الأوحد والنظرة النفقية "tunnel vision" وامتلاك الحقيقة المطلقة وتكفير الرأي المخالف.









التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. انطلاق تظاهرات عارمة في محافظة المثنى


.. نائب مدعي عام أوكرانيا لـ”أخبار الآن” لا سبب يدفعنا لتبديل م


.. مها البرغوثي : كنت أتحدى نفسي منذ الطفولة فكيف لا أتحدى الآخ




.. السنغال: ما هي أسباب الاحتجاجات العنيفة؟


.. الأمير هاري وزوجته .. تصريحات مثيرة على العائلة المالكة البر