الحوار المتمدن - موبايل


تجريبية النص المفتوح ( نص دائرة الاحتواء للشاعر ولاء الصواف ) انمودجا

عبد علي حسن

2009 / 2 / 4
الادب والفن


مدخل:
يعد مصطلح (( النص المفتوح )) من المصطلحات القارة في النظرية الأدبية الحديثة تحت مسمى ثانٍ هو (( النص المكتوب )) وحسب بارت فهو نص ما بعد حداثي يتسم بتعدد القراءات والتنوع في الإستجابة , وهو ما يمنح النص الحيوية والجدالية المستمرة .. ويجعل القول عليه أدخل في التأويل لأن التأويل فعل القاريء على النص , وقد منحت المناهج النقدية لما بعد البنيوية هذا الحق الإهتمام للقاريء بعد أن أغفلته البنيوية , ليساهم في إنتاج النص دلالياً . ولعل من أبرز سمات (( النص المفتوح )) هي إنه ( في صراع ومواجهة مع حدود العرف والمقروئية وحدودهما لأنه يتجاوز الهرمية المعرفية للنوع الأدبي , وكذلك ممارسته لإرجاء المدلولات ارجاءاً أدبياً عن طريق تشبثه بالدال الذي يتسم باللعب الحر , وثانية يتألف من مقتطفات ومرجعيات وإحالات وصدى أصوات مختلفة ومن لغات ثقافية متباينة , ومن هنا يكتسب النص تعددية المعنى التي لا تقبل الإختزال )(1) ومن الممكن إستنباط ثلاثة مستويات تؤكد وتحقق تجريبية هذا النص , وهي المستوى الأسلوبي والبنائي الدلالي.. وتهدف دراستنا المتواضعة هذه الى البحث في هذه المستويات المشار إليها آنفاً وكذلك الى عد هذا الشكل الكتابي نمطاً مجاوراً للأنماط المعروفة والمكونة للنسيج الثقافي العراقي ولا يشكل حلقة تطويرية من تلك الأنماط ومنبثقاً عنها , ولتحقيق كل ذلك فقد اشتمل إطارنا النظري على المباحث التالية .
1- أثر التجريب في ظهور النمط الأدبي
2- مظاهر التجريب في النص المفتوح
3- مسويات التجريب في نص (( دائرة الأضواء ))
أما الإجراء التطبيقي فهو نص (( دائرة الأضواء )) للشاعر ولاء الصواف والمنتج عام 2000 حيث نشر في العدد الثالث من مجلة الطليعة الأدبية 2000 وضمته مجموعة (( كاميكاز )) الصادرة عام 2000 عن دار الغسق للطباعة.
1- أثر التجريب في ظهور النمط
التجريب لغة/ جرب ( تجريباً ) والتجربة , اختبره مرة بعد أخرى , ويقال رجل مجرب/ جرب في الأمور وعرف ما عنده/ والتجربة في العلم إختبار منظم لظاهرة او ظواهر يراد ملاحظتها ملاحظة دقيقة ومنهجية للكشف عن نتيجة ما او تحقيق غرض معين, وما يصل اولاً لتلافي النقص في شيء وإصلاحه ومنه تجربة مسرحية.. ( المعجم الوسيط باب الجيم ص 114 )
واصطلاحا فقد اشتقت لفظة التجريبية من التجريب أي الشيء الذي يستند الى تجربة ومنه ( المنهج التجريبي الذي يقوم على الملاحظة والتصنيف ووضع الفروض والتحقيق من صحتها ) ( المعجم الفلسفي/ د. مراد وهبة ط2/ دار الثقافة الجديدة القاهرة 1970 ص70 ).
ويتضح الاتفاق والاختلاف بين التعريفين اللغوي والاصطلاحي على نحو يظهر من خلالهما الغرض او الهدف , فكلاهما يتفقان على ان التجريب هو اختبار منظم لظاهرة وكلاهما يقوم على الملاحظة الدقيقة للوصول الى النتائج , ويختلفان في ان المصطلح اللغوي يؤكد على الاختبار المتكرر مرة بعد أخرى للظاهرة لتحقيق غرض معين وهو تكريس لتلك الظاهرة لتأسيسها ووضع القواعد النافذة لتكوينها. بينما يشير المصطلح الاصطلاحي الى منهج يقوم على طرح التجربة ووضع فروضها والتحقق من صحتها داخل حدود الفرض غير المتكرر وبمعنى آخر فالتجريبية وهدفها هو طرح الفروض المستقلة عن التجربة الأخرى وتطرح لمرة واحدة فقط وينم التحقق من صحتها بعد إنهائها, لذا فان التجريب حالة من الإبداع الممتد , والتجدد الخلاق , والكشف والبوح والمعرفة وصولاً الى تجاوز الصيغ المغلقة والمنظومات المقيدة , فالقضية الأساس في التجريب هي الحرية , وهذا ما يشكل الفضاء الذي يتحرك فيه عنوان البحث , على ان التجريب القائم على الاختبار مرة بعد أخرى فيعد مقياساً ومحفزاً للظهور الجديد الغير مسبوق لأي ظاهرة من الظواهر , واذ ما عدنا الى بدايات التشكل والتكوين لأي نمط او جنس أدبي او فني ستجده مستنداً الى مجموعة من الملاحظات والفروض الموضوعة قيد الفحص والتحقيق من تكرار التجربة مرة بعد أخرى وبتأكيد وتكرار التجربة وفقا للتحقق من صحة تلك الفرضيات , حينئذ تحصل عملية تكريس لتلك التجربة المتجاوزة للصيغ المألوفة والمنظومات المقيدة لتدخل في منطقة التأسيس والتكوين لظاهرة من الظواهر , ولعل هدف التجريب في العملية المشار إليها آنفاً هو توفير قناعات لقبول النمط المتكون المشترط بالتجاوز ونحسب هذه العملية واحدة من سنن التطور والتقدم في ظهور الأنماط والأجناس الأدبية والفنية وهو جوهر عملية التحديث الحاصل في مجمل الآداب والفنون على مر العصور , ولا يغرب عن الأذهان اثر التحول او التغير الحاصل في البنية الاجتماعية والاقتصادية في ظهور التجارب الجديدة المؤسسة للنمط والجنس حيث يسهم ذلك التحول في ظهور مضامين جديدة تتطلبها او تفرزها عملية التحول , الأمر الذي يجعل الأشكال القديمة السابقة لعملية التغيير متخلفة عن استيعاب المضامين الجديدة , فتستدعي الحاجة التعبيرية الى ظهور أشكال جديدة تتناسب وتستوعب المتغير الحاصل في البنية الاجتماعية الاقتصادية وما يتبعها من تغير في مجمل البنى المكونة للخطاب الثقافي , واحسب ان هذه الجدلية – الشكل والمضمون – كانت هي الفاعلة في التطور الحاصل في البنية الثقافية وما يطرأ على النسيج الثقافي من تغير – هجر وظهور – للأشكال والأجناس المتحققة بدءً من ظهور الرواية على أنقاض الملحمة , نتيجة لظهور الطبقة البرجوازية على أنقاض المجتمع الإقطاعي.. وحتى ما تشهده اليوم من ظهور جديد ومتسارع للأنماط والأشكال الإبداعية ومراجعة بسيطة لظروف ظهور قصيدة التفعيلة او الشعر الحر في العراق في منتصف الخمسينات من القرن الماضي كفيل بالاحاطة وفهم عملية التجريب التي نهض بها الشعراء الرواد لتكريس النمط الجديد – حركة الشعر العربي الحديث – ومن الجدير بالملاحظة ان أجزاءً كثيرة من بنى الظاهرة الجديدة تنبثق من البنية السابقة وتنطلق منها لتتواصل مع الذاكرة الجمعية اولاً ولتحقيق صفة التأصيل والتحذير ثانياً , ان ما ذهبنا إليه يحقق صفة التكوين الجديد لايما ظاهرة أدبية او فنية.. وتكريسها وترسيخها في البنية الثقافية لايما مجتمع من المجتمعات , وإذاك تخرج تلك الظاهرة من منطقة التجربة بعد التحقق من صحة فرضياتها لتدخل منطقة المألوف والمشاع لتتعرض بعد أي تغير في البنية الاجتماعية والاقتصادية الى محاولة التجاوز من قبل تجارب جديدة , وهكذا تطورت وتقدمت الظاهرة الأدبية على مختلف العصور منذ بدء النشاط المعرفي للإنسان.
ولئن كان التجريب فيما أسلفنا الوسيلة لتأسيس النمط او الجنس وتكريسه في البنية الثقافية , فان نزوعاً آخر مضاد قد ظهر مستفيداً من آليات التجريب ضمه المذهب التجريبي القائم على الاستحواذ المؤقت والآني لنتائج التجربة دون الخوض في عملية تكرارها وتأكيد فرضياتها اللاحقة , وبمعنى آخر فان هذا المذهب يسعى الى تقديم تجارب منقطعة ومنفصلة وذات آليات وتوجيهات مستقلة بذاتها وليس من أهدافها التكريس او التأسيس وإنما التعرف على نتائجها وتكوينها البنيوي فقط مؤكدة على شرطي الحرية وتجاوز المألوف بشكل مستمر او الدحض المستمر للتجارب السابقة دون الإمساك بمشتركات تشكل بنى متكررة ومكونة لنمط تأسيسي , وغالباً ما تظهر هذه التجارب التي تضع التجريب هدفاً غائباً من أجل التجريب لذاته ضمن التشكيلة او البنية الاجتماعية الاقتصادية الواحدة والتي تتعرض لتغييرات غير حاسمة , ويمكن ملاحظة ظروف ظهور هذه التجارب في المجتمعات الغربية بشكل خاص حيث تمظهر هذا المذهب في العديد من التجارب التي تصدت الى المستجد الغير حاسم في بنية المجتمع الرأسمالي , حيث تتصف هذه التجارب بالبحث الشكلي لتصب في النهاية بموجهات المذهب الشكلاني أصولاً وإجراءات.
2- مظاهر التجريب في النص المفتوح:
يعد – النص المفتوح – واحداً من أشكال الكتابة الجديدة التي ظهرت نتيجة لإشاعة ثقافة ما بعد الحداثة التي مثلها على أحسن وجه جاك دريرا ولا كان وبارت وميشيل فوكو , حيث استطاعت هذه الثقافة من إشاعة مفاهيمها مضادة تماماً مع ثقافة الحداثة وبشكل خاص منظومات الثنائيات الضدية التي رسختها ثقافة الحداثة ,فمن خلال مناهضة الشكل المنتهي دعت ثقافة ما بعد الحداثة الى الشكل المفتوح والنص المتداخل وسيادة الدال واللعب والصدفة والتشذيب والتشظي , ولا نهائية المعاني , وتكمن تجريبية الشكل المفتوح – اللاأجناسي في ( ضرورة قبول التغير المستمر وتبجيل اللحظة الحاضرة المعاشة )(2) ولعل من اهم الثنائيات التي ألغتها ثقافة ما بعد الحداثة هي ثنائية المركز والهامش ووضعهما في مستوى واحد , ان معاداة ثقافة ما بعد الحداثة للثنائية الضدية – على المستوى الايدلولوجي هو ما جعل تلك الثقافة عاجزة عن إتخاذ قرارات حاسمة تمس حياة الانسان مباشرة فضلا عن معرفة ان التضاد أساس المعرفة وأساس التميز و وبدون التضاد لا يمكن معرفة ما اذا كان توجه ما أفضل من غيره , وهي اذ احتفت بإلغاء التضادات الثنائية فإنها تطمح الى إلغاء الفوارق من غير تميز او غاية ولعل هذا الطموح يشكل حلماً من أحلام المثاليات.
وتأسيسا على ما تقدم فان (( الشكل المفتوح , كأجراء تجريبي – بسعيه الى إحداث خلخلة شكلية يوائم فيها التضادات ويلغي بينها الحدود الاجناسية وعده متداخلاً إنما يسعى – وفق موجهات الفكر الفلسفي الغربي – الى تقويض القصدية وإلغاء الفوارق الاجناسية , الا انه يبقى في حدود تلك الموجهات ( الميتافيزيقية ) دون وضع حلول او قرارات تمس حياة الانسان بشكل مباشر كما ان هذا الشكل المقترح من ثقافة ما بعد الحداثة ( متواطيء مع الأشكال الشمولية القمعية التي تسعى الى الهيمنة او السيطرة والظلم الاجتماعي والاقتصادي , والى إلغاء الطبقية الهرمية في المجتمع)(3).
لقد حاولنا فيما سلف وضع مرجعيات الشكل المفتوح وعلاقته بالموجهات الفلسفية للفكر الغربي البرجوازي الذي جسدته ثقافة ما بعد الحداثة, الا ان محاولة الشعراء العرب في تبني هذا الشكل من سبعينات القرن الماضي قد اقترن بالرغبة والحاجة الى التحديث والتجديد ووضع هذا النمط مجاوراً للأنماط الشعرية الأخرى , ولا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار هذا الشكل متطوراً عن أي نمط معروف في الساحة الثقافية , حيث تعتبر قصيدة النثر والنص المفتوح شكلان مقترحان في البنية الثقافية العربية , وليس ناتجين من رحم الأنماط الشعرية العربية المعروفة كما ظهرت قصيدة التفعيلية من رحم قصيدة الشطرين , وبعبارة أخرى فان قصيدة النثر والنص المفتوح قد تم ترحيلها من بنية ثقافية منتجة ليستهلك في البنية الثقافية العربية , وليقفا كنمطين جديدين الى جانب الأشكال الشعرية المعروفة , وقد ترتب على هذا الترحيل تبني الآليات البنائية دون تبني الموقف الايدلولوجي للفكر البرجوازي الغربي , ومن الجدير بالذكر ان النص المفتوح العراقي قد كرس الوضع اللاانساني وما اعتمل من تفتت في البنية الاجتماعية للمجتمع العراقي خلال حروب عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي , ولذلك فان ظهور هذا النص عند الشعراء العراقيين قد حاز على مقبولية خجولة تمثلت في مشروعية التجريب من جانب وضعف النماذج الممثلة لهذا النمط من جانب آخر , على الرغم من مصداقية تمثل هذه النماذج لبنية التشتيت والتشظي الحاصلة في البنية الاجتماعية والاقتصادية.
3- مستويات التجريب في نص (( دائرة الاحتواء ))
ولأجل الاقتراب من ماهية التجريب في (( النص المفتوح )) فإننا سوف نقترح ثلاث مستويات تتمظهر من خلال الملامح التجريبية في هذا النص وهي المستوى الأسلوبي والمستوى ألبنائي والمستوى الدلالي , ونموذجنا المقترح هو نص ((دائرة الاحتواء)) للشاعر ولاء الصواف التي ضمته مجموعة ((كاميكاز)) الصادرة عن دار الغسق عام 2000.
يتضمن نص (( دائرة الاحتواء )) جملة من المظاهر الأسلوبية التي تجعله في منطقة الكتابة الجديدة المتجاوزة لمألوفية الأنماط الشائعة بدءً من اللغة باعتبارها مظهراً اسلوبياً وكذلك ما ينتج من بنائها من تخليق وضع لغوي جديد, فهي لغة حيوية منبثقة تسهم في خلق جديد للتراكيب الدالة تميزت باللعب الحر للمفردة والجمل الشعرية التي إمتلكت تلقائية لحظة الكتابة – باعتبارها لحظة معاشة - , على اننا يمكننا ان نمسك ظاهرتين أسلوبيتين كانتا فاعلتين في الكشف عن إسلوب النص. وهي ظاهرتي الانقطاع والتجاور – ولعل هاتين الظاهرتين من مشتركات الكتابة الجديدة ومن تأثيرات إسلوب كتابة ما بعد الحداثة للعديد من الشعراء العراقيين الذين ظهروا في العقد الثامن والتاسع من القرن الماضي .. , وقد أدى وجود مظهر اسلوبي آخر الى وجود هذين المظهرين وهو لا سردية النص وابتعاده عن الغنائية التي توجب وحدة القصيدة اذ ان التتابع في الجمل الشعرية لبث المعنى المتكامل الذي تفترضه سردية القصية الغنائية قد تم خلخلته وخرقه باتجاه بث الدفقة الشعرية التي تكونها المقاطع والجمل الشعرية القصيرة التي تفرضها ظاهرة الانقطاع لتنتقل الى دفق شعري آخر لا يتصل بالذي سبقه او بالذي يلحقه وبذلك ظهرت بنية الانقطاع في القصيدة واعتمادها كبنية أسلوبية فاعلة في تأكيد اسلوبية النص المفتوح , ومن الممكن عد هذه الظاهرة او البنية الاسلوبية من مفردات آلية التشتيت في كتابة النص المفتوح , وقد نجح الشاعر في تكريسها على امتداد النص . حيث نقرأ في بداية النص :
(( من فضة كانت
أنبئت
ان أمسك سوار الفضةِ
بكت السكينة
ألقاها اليّ.. ))
( سراعاً تلج باب الضحى , الى الممر الفتح للرؤيا )
ثم الى جملة أخرى ليبدأ دفقاً جديداً :
( وهج قديم , بحجم الطواف , مرأى الممر , بشظايا الدر , مرخوماً ببياض آسر , ممهوراً بالدم.. بحذر الموج فيه.. في ظل ظليل , مسوراً بدفق المرمر .. , ويبحر الجليل مؤتزاً بشهقة الذهب..
قدماً.. )
حيث من الممكن ملاحظة بنية الانقطاع في هذا المقطع بوضوح , اذ ينتهي دفق الجمل الشعرية منذ ( وهج قديم .. حتى مسوراً بدفق المرمر ) لينتقل الى دفق آخر لا تربطه علاقة بالجمل السابقة ( ويمر الجليل , مؤتزراً بشهقة الذهب 9 وهكذا الى نهاية النص الذي أسهمت في تكوين أسلوبيته هذه الظاهرة , اما بنية التجاور فقد كونها البناء اللغوي الذي حازته هوامش النص التي تميزت بالتعريف والانتقال من التعريف البدئي المتعارف عليه الى بث إنزياحات تتصل بالمعرف به لتحمل دفقاً شعرياً منبثقاً , ففي هامش ( المقام المستور ) يثبت النص تعريفاً له (( مقام حقيقي , يقع في الأفق الثاني )) خارج طوق العتمة , وعلى مرمى البصر من شغاف القلب ) فالجملة الأخيرة تمتعت بارتياح شعري أسهم في تخليق بنية شعرية مجاورة لتعريف ( المقام المستور ) ومن الممكن ملاحظة هذه الظاهرة في إسلوب بناء جميع هوامش النص .
اما المستوى ألبنائي فقد تمظهر في تشكل بنائية النص عبر مصاحبة قسميه المتن والهامش , ففي كل صفحة من صفحات النص قسمان اليمين وبشكله المتن واليسار ويشكله الهامش , فشعرية المتن وتدفق الجمل الشعرية تتحقق بعلاقتها التوليدية بالهامش , حتى بدا القسمان على قدم المساواة في التأثير وتخليق مكونات النص الشكلية. ومن الممكن اعتبار الهامش التعريفي بالعناوين المؤشرة إزاء كل هامش دالة يمثلها المتن مدلولاً . الا ان كلا القسمين يكونان عند عملية التلقي دالاً وهو ما يجسد ويؤكد تداخل الهامش بالمركز ( المتن ) وإلغاء الفوارق بينهما , فمحتويات الدائرة كونتها الهوامش التعريفية التي إتسمت بقوة الانزياحات عبر الاستعارة والتشبيه , وقد احتلت النصف الأيسر للصفحة , ففي هامش (( القبه )) يشير النص الى تعريف شعري انزياحي ( للقبة ) يقابله في القسم الأيمن متن يتعلق بالقبة – التعريف الهامشي – ولعل المتن هنا يستمد تدفقه الشعري وعبر بنية الانقطاع من موجهات الإجراء التعريفي ( وان كان شعرياً ) لعناوين الهامش , حتى كأن النص قد قسم الى مقاطع مرتبطة بظهور هامش جديد , وقد وفق الشاعر في إحكام العلاقة بين النصفين والتماهي بينهما مع احتفاظ كل منهما بموجهاته الاسلوبية والبنائية , كما جنح الشاعر الى استخدام آلية الحذف والبياض عبر النقاط المتروكة أمام الكلمات والجمل الناقصة بغية إغراء المتلقي بملئها وفق مرجعياته الفكرية والثقافية من خلال تأويله للمفردات والجمل الناقصة.. كما في النص الآتي الخاص بهامش ( الأرض ) :
(( من تلقف مشارقها يكفي مضاربها ؟
المحذوف من سيرة بني .......
المطموس من ارث......
المجهول من .......
المغيب....... ))
ويتضح هنا اللعب الحر بالجمل الناقصة فالجملة الأولى مكونة من أربع كلمات والجملة الثنائية من ثلاث كلمات والثالثة من كلمتين فيما تكونت الجملة الأخيرة من كلمة واحدة .. وهو ما يؤكد هرمية بناء المقطع بشكل معكوس ليميل الى إمكانية وضع البناء الهرمي بشكله الصحيح بعد ملئه من قبل المتلقي , وفي هامش ( صحائف الرواة ) يمارس النص آلية الحذف اذ يجعل نص الرفوف القديمة بياضاً الاّ من الافتتاح (( بمسك اللهم )) وإنتهاءً بـ ( فتكت بهم ) ليترك للمتلقي حرية ملء الفراغ وفق قراءته للمتن الخاص بهذا الهامش .
اما الترسيمات فقد مارست حضوراً بنائياً أسهم في تكوين وتخليق رؤية بصرية للفضاء الدلالي الذي كونه عنوان النص ( دائرة الأضواء ) وبما اشتملت عليه محتويات هذه الدائرة كعناوين للهوامش , ففي ترسيمة ( دائرة استواء السر ) استطاع النص من رسم مشهد ذهني يقود اتجاهاته الأسهم الداخلة والخارجة من والى دائرة الاحتواء كما واستطاعت مدلولات الأسماء المتضمنة في الدائرة ( وهي معروفة الى حد ما ) من الاقتراب من تكوين الرؤية البصرية لمكونات الدائرة وأفعالها الحسنة والحدسية.
ونحسب ان اعتماد هذه الآليات في بناء النص يتميز بالجدة والتجريب لمغايرته واختلافه مع الموضوعي في المنجز الشعري المحايث ويؤكد قدرة الشاعر ووعيه في زمن الكتابة على استقصاء كل ممكنات التعبير الشعري وبلغة إيحائية تجاوزت المطابقة حتى في اشد احتياج النص الى مداخل مرجعية واضحة للمتلقي كما في بناء الهوامش.
وعلى صعيد المستوى الدلالي , فلئن اهتمت الحداثة بالمدلول وقصدية المؤلف فان ما بعد الحداثة كرد فعل قوي فأنها اهتمت بالدال وعدت المدلول مساهمة ايجابية ومهمة من قبل القاريء في إنتاج دلالة النص . وبذلك فقد دخل نص ما بعد الحداثي الى منطقة الإبهام الذي أصبح سمة من سمات هذا النص فصار دلالياً لا يقف عند المعاني النهائية او الثابتة , وتتمتع منظومة الدوال بهيمنة مطلقة ومنفتحة على مجازات لا نهائية ينطلق النص في تخليقها عبر تجربة ذهنية تسهم اللغة الحرة والإيحائية باعتبارها مظهراً اسلوبياً متقدم لصياغة منظومة الدوال.. ووفق التوصيف الآنف الذكر فقد حقق نص (( دائرة الاحتواء )) قد تمكن عبر لغته من تجاوز حدود المطابقة – العلامة الايقونية – الى علامات رامزة ومشفرة متغيرة بشكل مستمر ومبجلة للحظة المعاشة باتجاه خرق الثوابت , اذ ليس من مهمات نص ما بعد الحداثة , التوصل الى مدلولات لمنظومة الدوال , ومن خلال الاحتفاء الواعي لبعض الدوال المستخدمة في لغة النص فإننا نستطيع ان نتلمس موجهات احترازية للدخول الى منطقة المسكوت عنه , فسمة التشضي التي حفل بها النص لم تهيء الفرصة الإحالة الى مدلولات معينة مما جعل اللغة وفق تركيباتها , المفتوحة بقوة وحرية على المجاز والانزياحات المستمرة , تتقاطع وتتجاوز وبشكل ملحوظ مع السائد والمؤلوف لتؤكد تجريبية النص , ان شعرية نص ( دائرة الاحتواء ) قد حققتها المنظومة المتسعة للدوال وعلى مستوى المتن والهامش , الا ان هذه المنظومة من الدوال تفك ارتباطها بأي مرجعية ( مدلولات ) نتيجة للعب الحر لتراكيب المفردات والسمات البنائية للنص , والانفتاح على الانزياحات التي امتلكت جماليتها الاستعارية من العلاقات بين المفردات والجمل ذات الدفق الشعري , كل ذلك حقق للنص تجريبيته الخاصة القائمة على الاختلاف والوصول الى ابعد نقطة في منطقة تخيل المتلقي باتجاه إنتاج الدلالة.
من خلال ما تقدم بحثه نستنتج ما يلي :-
1- ان ( النص المفتوح ) هو نص ما بعد حداثي لا أجناسي , لا ينتمي الى جنس دون آخر , يعتمد حرية التداخل ألنصوصي باتجاه تأكيد مغايرة الثوابت.
2- وباعتماده على آليات ما بعد الحداثة المناهضة للحداثة في إجراءاتها الأدبية على اقل تقدير فهو لا يطمح الى تأسيس جديد لنمط أدبي ذو قواعد واضحة المعالم ترسخها عملية التكرار التجريبي , بسبب من العداء الواضح لنص ما بعد الحداثة للنوع الأدبي وللثوابت القارة في انماط التعبير.
3- وبسبب من ذلك فان ( النص المفتوح ) هو شكل تجريبي يمتلك حدود اللحظة المعاشة والتغير المستمر اللانهائي.
4- يمنح ( النص المفتوح ) المتلقي أهمية لا تقل عن منتجه الحقيقي ( المؤلف ) لإعتماد مستوياته الدلالية على منظومة الدوال فقط , لتكون حصته التوصل الى المدلولات وإنتاج الدلالة .
5- لقد استطاع نص ( دائرة الاحتواء ) للشاعر ولاء الصواف من تحقيق تجريبيته وفق المستويات الاسلوبية والبنائية والدلالية ليس باعتبارها مغامرة او لعباً شكلياً محض وإنما وفق وعي مسبق لقدرة وأهمية تلك المستويات في تجاوز المألوف على الصعيدين الذاتي والموضوعي باتجاه تخليق تجربة نصية تحتفي بخصوصيتها الآنية .


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إحالات
1) د./ ميجان الرويلي – د. سعد اليازي/ دليل الناقد الادبي . ص141
2) ن . م ص142
3) تنظر الكتابة والاختلاف – جاك دريدا – ت كاظم جهاد ص82









التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الحرة تجري مقابلة مع الممثلة التونسية عائشة عطية


.. عمر زهران يكشف اسرار اول مرة عن حياة ملكة القطن المصري .. سر


.. تفاعلكم | 25 سؤالا مع الفنان علي الحميدي




.. الفنانة حنان مطاوع ضيفة تفاعلكم و علي قاسم في أعمال عالمية


.. الدراما العراقية تعود للواجهة في رمضان .. والممثل غالب جواد