الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الفاشية الى القومية-الشعبية تطور اليمين المتطرف في أوروبا

جان" إيف كامو

2002 / 5 / 27
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم



  إن القفزة التي حققتها "الجبهة الوطنية" في الانتخابات الرئاسية في فرنسا لا تشكل ظاهرة مستقلة. ففي كل مكان تقريباً في الاتحاد الأوروبي، وأساساً في أوروبا الشرقية، كما في المجر مثلاً، ترتفع أسهم الأحزاب "التوائم" لحزب السيد جان ماري لوبن. أقله بالنسبة الى اولئك الذين عرفوا كيف يقومون بعملية تحديث للتآلف ما بين الموجة الليبيرالية القصوى والخطاب الاجتماعي والقبول رسمياً باللعبة الديموقراطية وبين كره الاجانب والنزعة الاستبدادية. وفي المقابل فإن المتمسكين بالفاشية قد جرى تهميشهم.

جان- إيف كامو *
  JEAN-YVES CAMUS

  إن الرقم الذي حققه السيد جان ماري لوبن في الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية الفرنسية قد طرح مجدداً على بساط البحث مسألة النوعية الايديولوجية للاحزاب القومية الشعبية المعتبرة من "الموجة الثالثة" والتي لا تزال الحركات المناضلة المعادية للفاشية كما الاختصاصيون المطلعون، يصنفونها بين حركات اليمين المتطرف التقليدي، وحتى الفاشي [2] .

  لكن هذا الموقف خاطئ، فنحن بالأحرى إزاء نجاح يمين متطرف لا مثيل له، تخلى عن عقيدة الدولة لصالح الليبيرالية القصوى، وعن الاقتصاد الحرفي لصالح لعبة السوق، وحتى احياناً عن إطار الدولة ــ الأمة لصالح الخصوصيات المناطقية أو المحض محلية. وبالتأكيد لا تزال هناك بعض الاحزاب السياسية التي تدّعي التمسك بالايديولوجيات الاستبدادية والفاشية وحتى القومية الاشتراكية، لكنها باتت مهمشة في حين تزدهر الاحزاب التي لا جذور تاريخية وايديولوجية متطرفة لها، وهي تبدو وكأنها كفيلة توفير الحلول للأطروحات السياسية المنغلقة، التوافقية الى حد بعيد والمرتبطة كلياً بالنموذج الاقتصادي والاجتماعي البالغ الليبيرالية.

  فاليمين المتعصب المتطرف والقومية الاشتراكية الجديدة لا يشكلان تهديداً فعلياً في أي مكان في أوروبا ولا حتى في ألمانيا. فالحزب القومي الديموقراطي الألماني، وهو الشكل الشرعي للنازية الجديدة، والتي تنوي السلطات في اي حال حظره، لم يكن يضم في العام 2000 سوى 6500 عضو، مقابل 6000 في العام 1998، وهذا بالرغم من الشخصية الجذابة لهورست ماهلر المحامي السابق والعضو في فصائل "الجيش الأحمر"، والذي اقنعه أحد المهووسين بالعداء للسامية بفكرة ضرورة تخلص ألمانيا من المحرمات والمسؤوليات التي تعود الى الـمحرقة. اما بالنسبة الى حزب "دوتشي فولكسيونيون" (اتحاد الشعب الالماني)، فهو يجمع ما بين النزعتين الانتقامية والانضمامية مع بعض الميل الى إعادة الاعتبار الى المرحلة النازية، ويجتذب في المناطق الشرقية من المانيا، قسماً من السكان هم في غالبيتهم من الشباب المهمشين، ومن الطبقة العاملة الذين غالباً ما يحنون الى عملية الدمج الاجتماعية والاقتصادية في جمهورية المانيا الديموقراطية. ومع ذلك فإن هذا الحزب ليس أقل تراجعاً في مسيرته، فبعدما نال 12،9 من الأصوات في مقاطعة "ساكس-انهالت" في العام 1998، لم يكن له لوائح مرشحين الى انتخابات 21 نيسان/ابريل عام 2002. وعلى الأرجح فإن تشدد الحزب الديموقراطي المسيحي وهجومه على المستشار شرودر هما اللذان لعبا دوراً في ذلك. هذا مع فرض الحزب الاشتراكي الديموقراطي نفسه (الشيوعي سابقاً).

  أما في جنوب أوروبا فإن الاضطلاع بميراث الكتائبيين والسالازاريين وديكتاتورية الكولونيلات في اليونان قد أدى الى تشرذم الاحزاب التي التزمتها. ففي اسبانيا حصلت مجموعة الاحزاب الكتائبية أو الراديكالية الخمسة التي شاركت في الانتخابات الأوروبية في حزيران/يونيو عام 1999 على اقل من واحد في المئة من الأصوات، وفي الانتخابات التشريعية عام 2000 أعطى هذا التفتت نتائج مشابهة، فلم ينل حزب ديموكراسيا ناسيونال (الديموقراطي الوطني) المقرب من "الجبهة الوطنية" الفرنسي الا على نسبة 0،01 في المئة. وفي البرتغال كان فشل السالازارية الجديدة أكثر من ذريع حيث لم يحصل حزب "ناسيونال رينوفادور (الحزب الوطني التجديدي) الذي خلف حزب "آليانسا ناسيونال" (التحالف الوطني) الا على 0.07 في المئة، فيما حقق "حزب الشعب، اليميني المتطرف الذي يضم جناحاً معارضاً للوحدة الأوروبية، نسبة قياسية بلغت 8،75 في المئة.

  وأخيراً في إيطاليا فإن تطور حزب "أليانزا ناسيونالي" (التحالف الوطني) لم يترك سوى حيز ضيق للفاشيين الجدد غير المرتدين. ويضم التحالف الوطني حالياً ثلاثة تيارات: مؤيدو السيد جيانفرانكو فيني ويتزعمه السيدان إيغنازيو لا روسا وموريزيو غاسباري، وهو الجناح الذي أعلن بعد نتائج 21 نيسان/أبريل رفضه إقامة أي اتصال مع السيد لوبن، وتيار معتدل (السيدان ألتيرو ماتيولي ودومينيكو نانيا وأدولفو أورسو) يؤيد إقامة نظام رئاسي، ثم تيار "دسترا" الاجتماعي ويتزعمه السيد جيوفاني أليمانو ورئيس مقاطعة لاتيوم السيد فرانسيسكو ستوراسي المقرب من الخط الايديولوجي للفاشية الاجتماعية.

  ويقيم حزب "اليانزا ناسيونالي" في جميع القضايا الاجتماعية توازناً بين هذه التيارات الثلاثة ولا يبدو هو الأكثر رجعية بين الأحزاب الايطالية وخصوصاً بسبب لامبالاته نسبياً حيال القضايا الدينية، وهكذا نجد أن الحزب الكاثوليكي بزعامة السيد روكو يوتيغليوني، وبضغط من الحركة الكاثوليكية التقليدية، "الشراكة والتحرير"، هو الذي يحمل حكومة برلوسكوني على إعادة النظر في قوانين الاجهاض وتمويل التعليم الخاص. وضمن هذه الشروط نجد أن الحركة الاجتماعية، الشعلة الثلاثية الالوان، التابعة للسيد بينو راوتي، الزعيم التاريخي من الجناح الراديكالي في الحركة الاجتماعية الايطالية ومن قدامى المشاركين في جمهورية سالو، قد تراجعت الى 0.3 في المئة من الاصوات (وواحد في المئة في انتخابات مجلس الشيوخ في أيار/مايو عام 2001).

  والمقصود أن أحزاب اليمين المتشددة التي تحقق تقدماً في أوروبا هي قبل كل شيء الأحزاب التي عملت على تحديث خطابها السياسي كما بنيتها، مضطلعة في الوقت نفسه بالارث الايديولوجي للحركات الاستبدادية. وهي تعتبر نفسها كنوع من الرأسمالية البالغة الليبيرالية المؤيدة لمبدأ الحماية، وتقبل رسمياً بالديموقراطية البرلمانية التعددية، وتطالب بتحديث الأطر المؤسساتية لا بمقاطعتها. والقاسم المشترك بينها هو المطلب نفسه المتعلق بالهوية، أي اعطاء الأفضلية للناحية الوطنية بمعنى منح المواطنين الأصليين فقط الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية. كما انها تعبّر عن الاشمئزاز نفسه من المجتمع المتعدد الثقافة على أساس أن هذا هو السبب المفترض لكل أشكال تعطل عمل الجسم الاجتماعي، وتتمنى تالياً الحد من الهجرة أو قلب مسارها بطرد المقيمين الأجانب من غير الأوروبيين.

  و"الجبهة الوطنية الفرنسية" هي الأهم بين هذه "الاحزاب المختلطة" إذ تضطلع بسياستها الثابتة المتعلقة بـ"التفاهم القومي"، بدور موحد لمختلف التيارات الايديولوجية في اوساط اليمين المتطرف، وفي تصريحات السيد لوبن حول "التفاصيل" و"اليهودية الدولية" ما يؤكد استمرارية حالات "الهوس" التي تعود الى الثلاثينات والاربعينات.

  وفي اي حال فإن برنامجها الاقتصادي والاجتماعي، المركز حتى الآن على اجتذاب الناخبين من اوساط أصحاب المهن الحرة ورؤساء الشركات الصغرى والمتوسطة، هو في جوهره مشروع بالغ الليبيرالية. ففي دعوتها الى الغاء ضريبة الدخل، وهي فكرة السيد جان كلود مارتينيز، كما في اعتراضها المستمر على المبدأ "الضريبي" ورفضها قانون الـ35 ساعة عمل، ما يؤكد أن السيد لوبن هو كما صرح مساء انتهاء الدورة الأولى "يميني اقتصادياً" لكنه كان قد أكد من قبل أنه "يساري اجتماعياً" و"فرنسي قبل كل شيء".

  وهذه إضافة ذات أهمية بالنسبة الى حزب اكتسب منذ عشر سنين قوة انتخابية غالبيتها شعبية وعلى أساسها أعلن في خريف العام 1995 عن "المنعطف الاجتماعي" للحزب. فعلام يقوم هذا المنعطف؟ هو يقوم على اعادة الاعتبار الى دور الدولة المنظم اجتماعياً واقتصادياً وفي الظرف الحالي كمعقل في وجه نظام العولمة الليبيرالي. وفي نظر "الجبهة الوطنية" لا يتعلق الأمر بتفضيل سياسات إعادة التوزيع وتدخل الدولة في الاقتصاد، فالدولة تحمي عبر توفيرها المنافع المطلقة ما تبقى من التقديمات والحقوق الاجتماعية (فرص العمل والمسكن والاعداد) لأبناء الوطن فقط، معتمِدةً المفاضلة الوطنية.

  ومن أجل طمأنة الذين لحق بهم الاهمال نتيجة نظام العولمة البالغ الليبيرالية، ستكون دولة "الجبهة الوطنية" دولة الشرطي على ان يكون من صلب توجهاتها المسألة الأمنية مثل مكافحة التسامح الأخلاقي. كما أن عدم طرح مسألة مسلّمات العولمة مجدداً (باستثناء النمط البلاغي المعادي لأميركا مبدئياً) يجري إخفاؤه ببعض المقترحات الاستعراضية مثل الخروج من الاتحاد الأوروبي الذي يسهل بالطبع المناداة به عالياً، كالدعوة الى ضرورة قيام اوروبا بأممها أو ايضاً العودة الى عنصرية "الفرنج".

  أما "الحزب المختلط" الكبير الآخر، حزب "فلامز بلوك (الكتلة الفلامنكية) فهو أيضاً غامض الأطروحات. فاذا كان لا يزال في مرجعيته يعود الى القومية التضامنية التي قال بها جوريس فان سيفيرن والى منظّري القومية الفلامنكية التعاونية المتحدرة من اليسار (هنري دو مان وادغار دلفو)، فإنه يضم تياراً ليبيرالياً تجسده النائبة الكسندرا كولن التي تمجد في كتابها ؟؟؟؟ "بيبر آن زوت" السيدة مارغريت تاتشر التي "حررت بلادها من ديكتاتورية النقابات"، ومقولات الأميركي ديك آرمي الاباحية.

  وأفضل الاحزاب المصنفة من "اليمين المتطرف" في اللغة الرائجة والتي تحقق نجاحاً هي الأحزاب الاسكندينافية. ففي الدنمارك نال حزب "دانسك فولكبارتي" (حزب الشعب) الذي تتزعمه السيدة بيا كيايرسغارد 12 في المئة من الأصوات في الانتخابات التشريعية في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2001. وفي النروج حصد حزب "فرمكريدتشبارتيت" (حزب التقدم) بقيادة السيد كارل إيفار هاغن 15،3 في المئة من الأصوات في انتخابات العام 1997. وهذه الأحزاب تعبّر عن "شعبية ثابتة" أكثر من تعبيرها عن الأزمات (فنسبة البطالة في النروج تبقى ضئيلة والخيرات البترولية تؤمن مستوى معيشة مرتفعاً)، ويتشكل ناخبوها من أفراد الطبقات الوسطى ومن المستثمرين المستقلين، ومن الطبقة العاملة بنسبة تتزايد باطراد. ومع ذلك فإن حزب التقدم النروجي يدافع عن فكرة رفع كامل القيود عن سوق العمل داعياً حتى الى الغاء الحد الأدنى للأجور.

   ففي هذه البلاد، في الحقيقة، وكما بين تور بيوركلوند ويورغن غول اندرسون [3] ، وحيث الدولة الراعية قد تطورت في ظل الحكومات البورجوازية كما في ظل الحكومات الاشتراكية الديموقراطية، يميل التزام الطبقة العاملة باليسار الى التراجع، فيتفوق عندذاك العنصر الاستبدادي في الثقافة العمالية التي لا تجد ملاذاً تتجسد فيه الا "اليمين المتطرف".

  كما تتجلى هذه الاستبدادية في رفض ما يشاهد من انفتاح المجتمعات المتجانسة عادة اتنياً ودينياً، على التعددية الثقافية. وفي هذا الاطار يبدو الوضع في الدنمارك مقلقاً للغاية، فقد بات حزب الشعب في البرلمان في وضع يسمح له بفرض التشريعات التي يريدها على التحالف الليبيرالي المحافظ، فمن الممكن مثلاً ان يصار الى اقرار قانون يحرّم الزواج على أي شخصين أجنبيين من جنسية واحدة ولم يتجاوزا الرابعة والعشرين من العمر. ومن المتوقع أيضاً الحد من السماح بجمع شمل العائلات، والمماطلة في اجراءات الحصول على إجازة الاقامة والغاء الجرم ذي الطابع العنصري من القانون الجزائي. إن نزعة الكره للأجانب هذه، بل العنصرية والمعادية خصوصاً للاسلام، هي ما يميز هذه الحركة ومن ضمنها "الجبهة الوطنية الفرنسية". كما أنها اضطلعت بدور مهم في نهضة حزب الحرية في النمسا، التي غالباً ما درست [4] ، وهو الحزب الذي كان يتزعمه سابقاً السيد يورغ هايدر (26،9 في المئة من الأصوات في العام 1999)، وحزب اتحاد الوسط الديموقراطي في سويسرا الذي يتزعمه كريستوف بلوشر(22،6 في المئة من الأصوات في العام 1999).

  كما انه برزت أخيراً أحزاب لا تخضع لتصنيف واضح، كما هي الحال في هولندا بالنسبة الى لائحة "بيم فورتوين"  وحركة "ليفبارنيدرلاند"، فالاولى حصدت 34 في المئة من الأصوات في الانتخابات البلدية في روتردام في آذار/مارس 2002 وتشارك في الانتخابات التشريعية في 15 أيار/مايو المقبل على أمل تحقيق النسبة نفسها تقريباً. والثانية جاءت في رأس اللائحة في الانتخابات البلدية نفسها في "ألميري" وايندهوفن وهيلفرسوم، لكنها لن تحصل كما هو متوقع الا على 3.1 في المئة من الأصوات على المستوى الوطني. وفي شمال ألمانيا حقق حزب "ريختشتاتليتشر أوفانسيف" الذي أسسه المحامي رونالد شيل، نجاحاً لافتاً (19،4 في المئة) في الانتخابات الفرعية في هامبورغ في أيلول/سبتمبر عام 2001، لكنه كان أقل نجاحاً في انتخابات منطقة ساكس انهالت في نيسان/أبريل عام  2002(4.9 في المئة).

  فما هو القاسم المشترك بين هذه الأحزاب؟ إن ما بينها اولاً هو هذا البعد الاحتجاجي/الشعبي، فالحزبان الهولنديان يعارضان نظام "التحالف البنفسجي" الذي يحكم هولندا، فيما حزب ريختشتاتليتشر أوفانسيف يتهم حزب الوسط الديموقراطي بأنه ليس يمينياً بما يكفي (لكنه ايد السيد ادمون ستويبر في انتخابات أيلول/سبتمير) ثم هناك إشكالية "القانون والنظام" التي ترتبط برفض الهجرة، فالاحزاب الهولندية تعطي الأولوية لضرورة الحد من أشكال السماح بها في القوانين الهولندية وتركز على إجرامية جماعة المهاجرين المغاربة وخصوصاً المراكشيين. والبرنامج الوحيد الذي يطرحه حزب ريختشتاتليتشر أوفانسيف الذي عيّن زعيمه وزيراً للداخلية في هامبورغ هو "القضاء" على الجريمة. وأخيراً فإن كل هذه الأحزاب نشأت بفعل مبادرات محلية ذات طموحات على المستوى الوطني، فحزب ليفبار نيدرلاند يقوم عمله على التنسيق لتركيب اللوائح المحلية، وحزب ريختشتاتليتشر أوفانسيف، وبالرغم من أنه قرر عدم خوض الانتخابات البوندشتاغ (مجلس النواب الالماني) في العام 2002، الا أنه ينوي العمل على توسيع وجوده النضالي في كل مكان.

  وتجدر الاشارة أيضاً الى نقطة تشابه اخرى تتعلق بالمواصفات الشخصية لزعماء هذه الأحزاب، وغيرهم ايضاً، فهؤلاء عندما يتوجهون الى الشعب ويبرزون أصولهم الوضيعة (يقول السيد لوبن انه "عاش الجوع والبرد". والسيد كريستوف بلوشر انه ابن ساعي بريد فقير) لا يبدون غالباً على هذه الدرجة من الفقر، بل يبدون حتى أثرياء جداً، فالسيد بلوشر ملياردير يدير شركة كيميائيات متعددة الجنسية، ورأس اللائحة في حزب ريختشتاتليتشر أوفانسيف، السيد أولريتش مارساي، قد حقق ثروته عبر انشاء شبكة من المنتجعات الطبية؟؟؟.

  والكثر رمزية في دلالته هو وضع السيد هايدر، فهو وارث ثورة عائلية تكونت عبر نهب أملاك اليهود، وقد احاط نفسه بكادر فتي من مديري القطاع الخاص (مثل وزير المالية كارل هاينز غراسر) ومن زعيم ارباب العمل السيد توماس برينزهورن. أما وزراء حزب الحرية في النمسا المشاركون في الائتلاف الحاكم فإنهم يعدون على كل حال، في قضية "تصفير الدين" ومستقبل قانون التقاعد والسياسة العائلية، لتوجه يناقض مصالح ناخبيهم من الطبقة العاملة، وهذا ما يفسر ربما تراجع الحزب في الانتخابات الفرعية التي اجريت منذ دخوله في الائتلاف الحاكم في اوائل العام 2000.

  إن هذه النظرة الشاملة الى اليمين المتطرف تحمل على التساؤل: هل لا يزال في الامكان الحديث عن أحزاب فاشية تستنكر لديها في شكل أساسي استمرارية ارتباط ايديولوجيتها بالتعبيرات التاريخية السابقة لليمين الراديكالي؟ والجواب بالعكس إذ يبدو لنا أنه يجب الاقرار بالقطيعة مع هذه الترسيمات السابقة.

  فالمتطرفون الجدد يمثلون شكلاً اعتراضياً من النمط الرجعي على التفاهم الوثيق بين اليمين واليسار التقليديين حول مسلّمات الليبيرالية القصوى كما حول نظام العولمة. فاليسار بابتعاده عن الشرائح الشعبية، وبممارسته الحكم عبر نخب يعاد انتاجها ذاتياً، وبانغلاقه على خطاب تكنوقراطي إداري، يتحمل في خضم هذه الموجة مسؤولية أكيدة لا يمكن الحد منها الا بإعادة الاعتبار الى التمايز ما بين اليمين واليسار وبالعودة الى المشروع الذي يضع الدولة في صلب العمل العام. 

  

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1] عالم سياسي، في المركز الأوروبي للابحاث والعمل على العنصرية والعداء للسامية. ألّف على التوالي:

- Extrémismes en Europe (Editions de liAube, la Tour-diAigues,1998)

- Front national (Milanéd. Toulouse, 2001).

[2] يرى إيف ميني أن "خصوصية هذه الشعبية للجبهة الوطنية أنها ترى نفسها في زعيم يضطلع بميراث فاشي, وهو متجذر في قيم اليمين المتطرف الى درجة انه لا يستطيع التحالف مع اليمين الكلاسيكي" (صحيفة ليبيراسيون، 24/4/2002).

[3] Radical Right-Wing Populism in Scandinaviaî, in Paul Ilainsworth(sous la dir. de), The Politics of the Extrem Right,Front the Margin to the Mainstream, Pinter, Londres et New York, 2000

[4] راجع خصوصاً:

-Paul Pasteur, …Autriche, pourquoi la dériveî, Le monde diplomatique, mars 2000.

  - Peter Niggli, …La droite radicale perce en Suisseî, Le Monde diplomatique, décembre 1999.


جميع الحقوق محفوظة 2001© , العالم الدبلوماسي و مفهوم
 








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تيكي تاكا مع مي حلمي | محمد بسيوني محترف مصري في النمسا يكشف


.. العملات المشفرة .. رحلة مجهولة نهايتها | #ريل_توك


.. تونس..مقتل عناصر إرهابية وجرح عسكريين اثنين في القصرين




.. ترامب: التقارير بشأن تفتيش منزلي في فلوريدا بسبب وثائق نووية


.. تعرض الروائي سلمان رشدي للطعن في العنق في ولاية نيويورك