الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الحكومة المغربية الجديدة وخطة التعامل مع الاختلالات الجهوية

محمد المدلاوي المنبهي

2007 / 10 / 28
مواضيع وابحاث سياسية


غداة تقديم الوزير الأول المغربي، السيد عباس الفاسي، للتصريح الحكومي أمام هيئة البرلمان مساء يوم الأربعاء 24 أكتوبر 2007، أدلى وزير المالية، السيد صلاح الدين مزوار، بتصريح للصحافة أحتفظ منه بما قاله عن مسألة الجهة ككيان اقتصادي تنموي وعن التوازنات فيما بين الجهات عبر الوطن.
فقد قال السيد الوزير بأن هيئة "الجهة" مدعوة الآن إلى الاضطلاع بدور هام باعتبارها قطبا تنافسيا مستقبليا في إطار رؤية تنموية جهوية مندمجة، مضيفا بأن الخطة تتمثل اليوم في أن تقلب الآية، أي أن تبادر الجهة بالتقدم بمشاريع تنافسية، تتنافس من خلالها مع غيرها من الجهات، بل ومع السوق العالمية، وذلك بدل أن تتخذ القرارات التخطيطية بشأنها على المستوى المركزي.
وبالرغم من أن معلوماتي في ميدان الاقتصاد والمالية تكاد تكون اليوم منعدمة، بما أن زادي من تلك المعرفة يعود إلى سنوات الدراسة الجامعية من خلال بعض المؤلفات التي كنت أمحو من خلالها الأمية، والتي تقادمت اليوم كالمؤلفات المدرسية لأمثال Robert Mossé أو Raymond Barre المتوفى أخيرا (24 غشت 2007) بالإضافة إلى كثير من الأدبيات الماركسية لدى أمثال Ernest Mendel، فإني أشعر، كمواطن، بنوع من عدم الارتياح لسماع تصريح السيد الوزير، مرده إلى أني لا أدري، مع هذه الخطة المعلن عنها، ما إذا كنت أنا من لم أعد أفهم - لطول انقطاعي عن أدبيات الميدان - حتى أبجديات الخطاب السياسي (وليس التقني) المتعلق بشؤون الاقتصادية والمالية، أم أن الأمر يعود إلى أنني فهمت الخطة المعلن عنها فعلا، وأن الخطة في حد ذاتها هي التي تولّـد موضوعيا عدمَ الارتياح لدى المتلقي بسبب تناقضيتها التصورية.
ذلك أن المفهوم الذي لدي عن اختلال التوازنات الجهوية هو أن تؤدي سياسة مركزية معينة تطبق بشكل تدخلي إيجابي من خلال إجراءات مالية وضريبية وتجهيزات عمومية تحتية (طرق، مواصلات، سدود)، واجتماعية (تعليم، صحة)، وإعدادات مجالية وعمرانية مديرية، إلى رفع حظوة جهة أو إقليم معينين، بالقياس إلى جهات وأقاليم أخرى، بشكل يجعل الجهات غير ذات الحظوة تحوِّل عمليا وباسمرار جزءا من فائضَ قيمتها إلى الجهات والأقاليم المحظوظة، مما يفقرهذه الأخيرة باستمرار، باعاتبارها هامشا، بالقياس إلى المركز، وذلك كلما طال الزمن؛ أو أن تؤدي تلك السياسة المركزية إلى مثل ذلك التمييز وتلك الاختلالات بمجرد موقف سلبي إزاء قانون سوق هي في الأساس لصالح جهة معينة كنتيجة لسياسات سابقة.
أنا لست، بحكم مجال تخصصي، ممن يتوفر على إحصائيات حول ما تساهم به مختلف جهات المغرب، كما هو تقطيعها اليوم، في الناتج القومي الخام. فلا أتوفر مثلا على إحصائيات حول ما تساهم به، على سبيل المثال، جهةٌ كجهة سوس-ماسة-درعة في الناتج القومي، مقيسا إلى عدد سكان هذه الجهة وإلى مجمل التجهيزات الأساسية بها (كيلومتيرات الطرق الوطنية والسيارة السيارة والسكك شبكة المدارس والجامعات والمستشفيات، الخ بالقياس إلى عدد السكان)؛ كما لا أتوفر على إحصائيات عن كمية الخيرات (حليب، خضر، فواكه، أسماك، الخ) التي تنتجها هذه الجهة والتي تعبُـر يوميا "مضيق الموت" الممتد ما بين بلدة امسكروض ودوار العسكر بمدخل مراكش.
إلا أنني أكاد أجزم بأن تلك الكمية من الخيرات أكثر بكثير وكثير من الخيرات التي تروج ما بين الرباط وفاس مثلا مما لا ينطلق منها أصلا من جهة سوس ماسة درعة متجها بعيدا نحو وجدة والناضور شرقا وشمالا. ومع ذلك فأن مسافة المائتي كيلوميتر الرابطة ما بين "العاصمتين" المتنافستين في تكاملهما والمتكاملتين في تنافسهما، الرباط وفاس، تتوفر، على سبيل المثال، على طريق وطنية، وعلى طريق سيار، وعلى خط مزدوج للسكة الحديدية في الاتجاهين، بينما بقي "طريق الموت" طريقا وحيدا كالسراط بين امسكرود ومراكش، يحصد القتلى بالعشرات بسبب تنازع يومي وليلي لشاحنات السمك، وشاحنات الخضر، وشاحنات الحليب، وشاحنات الفواكه، وشاحنات الوقود، بالإضافة إلى سيارات وحافلات ركاب العيون، وتيزنيت، وتارودانت، وأكادير، وحافلات سواح كل المناطق الجنوبية، على طريق متهالك ومتآكل من مخرج مراكش إلى حدود مدخل نفوذ الجهة على مقربة من امسكروض. زد على ذلك كون محور فاس الرباط ومحيطهما يستأثر بجماع التجهيزات الأساسية في ميادين التربية والتعليم والتكوين والصحة إضافة إلى المرافق الإدارية المركزية.
بناء على هذا الفهم، لا أتصور كيف يمكن أن يوجـَّه خطابُ خطةٍ حكومية إلى مناطق وجهات تـَـمّ إفقارُها على مرّ عدة عقود لصالح إغناء جهات أخرى، فيقال لها : أنت الآن حرة في أن تتقدمي بمشاريعك في حرية تامة وفي استقلال تام عن السلطات المركزية، وأن تتنافسي تنافسا حرا مع غيرك من الجهات، بل ومع السوق العالمية. إنما أتصور أن مبرر وجود سياسة عمومية فعلية في مثل هذه الأحوال إنما يتمثل، من بين ما يمكن أن يتمثل فيه، في رسم خارطة للمناطق وللجهات تصنَّـف المناطق حسب درجات النموّ، وذلك قصد تطبيق سياسة مالية وضريبية تفاضلية، تمكّـن من إعادة توجيه مجهودات التجهيزات العمومية (طرق، ماء، كهرباء، مدارس، جامعات، معاهد، مستشفيات) نحو الجهات المتضررة، وتمكـّن من تحويل تدفق الاستثمارات نحوها، ومن تحفيز موظفي الدولة من الشباب خصوصا على طلبها، بدل أن تتخذها الإدارات المركزية عُرفيا وعمليا كمناطق نفي لتأديب "غير المنضبطين" من أطرها (التنقيل إلى وارزازات، إلى كلميم، إلى بوعرفة، الخ). بل يمكن تصور سياسية مالية وجبائية "للتضامن الجهوي" تردّ من خلالها الجهاتُ المستفيدة من سياسة العقود الأخيرة نصيبا من القيمة المستفادة على الجهات المستنزفة بشريا وطبيعيا خلال تلك العقود.
وليست الدواعي السياسية لمثل هذه الخطة الإرادية هي ما ينقص المشهد السياسي المغربي؛ وإلا فما هي الأجوبة السياسية عن المعطيات السياسية الجديدة المتمثلة في أنه، وبعد أن لم تكن قط هناك خطة فعلية لإزالة الاختلالات الجهوية الصارخة، لم يجد جيلٌ جديد من تعبير سياسي عن وعيه بالأمر إلا استلهام "السوابق التاريخية" القريبة والبعيدة، للمطالبة بــ"الحكم الذاتي" للريف أولا قبل أن يدخل سوسُ على الخط في نفس الاتجاه (انظر مثلا الصفحة http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=103911 وكذلك الصفحة http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=106766 في موقع "الحوار المتمدن")؛ وهي مطالب لا يدري أحد أين ستنتهي إذا ما ترك الأمر لمنطق المنافسة الحرة بين الجهات بعد حسم أمر ميزان القوى عبر عقود من الاختلالات المنهجية.
وكما أنه يبدو من خلال الخطاب السياسي بأن المسؤولين السياسيين عامة لا يأخذون هذه الأمور مأخذ الجد، وأنهم يعتبرونها مجرد مظاهر شغب خطابي لشبيبة منرفزة، فكذلك يبدو أن الخطة الحكومية للخمس سنوات الحاسمة المقبلة، كما تم التصريح بها فيما يتعلق بتصور سبل استدراك التوازنات الجهوية، تسير بدورها في نفس اتجاه عدم الاكتراث، وهو أمر لا يبعث على التفاؤل. وعلى كل حال فقد صاحت الأغنية المغربية الستينية على لسان وعبر حنجرة المطرب محمد الإدريسي قائلة بالدارجة المغربية الفصحى على لسان المراكشي، رمز الجنوب:
حبس ا-عزّنا ورتح، بلاّتي؛
اجي اوا نكَــول ليك حديتي :
عنداك اوا تنساو لجانوب !
حتـّا حنا عندنا ماشاريع؛
من كَوليميم لــمّورّابيع.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. المجلس الرئاسي الليبي يطلق مبادرة جديدة للحوار الدستوري مع م


.. مبتورو الأطراف يشاركون في سباق للعدو بقطاع غزة




.. معرض للكتاب في جامعة تعز يلقى إقبالاً كبيرا من اليمنيين


.. الكرملين يتحدث عن -خطر- وقوع هجمات أوكرانية في القرم والصليب




.. ليبيا: هل تشعل المحكمة الدستورية صراعا جديدا؟