الحوار المتمدن - موبايل



في الذكرى الثالثة و السبعين ... فهد وتنويعات الحزب الشيوعي في السياسة والديمقراطية

جاسم المطير

2007 / 5 / 2
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق


العنصر الأول في ذكرى 31/3/ 1934 أنه يوجد حزب شيوعي عراقي عمره الآن ثلاثة وسبعون عاماً وأنه يوجد شيوعيون في كل بقعة عراقية لكن أغلب الحكام الذين أرادوا القضاء عليه وعليهم غير موجودين .
الحديث عن الديمقراطية وعن أهم بؤرها في العراق يجري كثيرا في هذه الأيام داخل الأحزاب العراقية وفي الصحافة والبرلمان وعلى مستوى علاقات الناس في الشارع أيضا .
لذا وجدت ُ من الضروري القول أن العقل العراقي تشوش كثيرا بشأن الديمقراطية ومفاهيمها وتطبيقاتها المختلفة خلال الفترة منذ نشوء الحزب الشيوعي العراقي ومنذ انتشار المفاهيم الديمقراطية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ، لكن أكثر الفترات تشوشا هي الفترة الممتدة من بداية سبعينات القرن الماضي وحتى الآن .
تحت أعلام الحرية والديمقراطية جرت وتجري معسكرات استعباد ومذابح فردية وجماعية ، سواء في بلدان الأنظمة الرأسمالية أو الاشتراكية أو في أنظمة العالم الثالث و بنزوع أشار و يشير إلى الفاشية بكل الأحوال وليس إلى الديمقراطية . في هذه الأيام ومنذ عام 2003 تجري ، في العراق مثلا ، تحت منظومات إرهاب لا عقلانية ناتج بعضها من ثقافات الدين والقومية وغيرها من ثقافة الهيمنة السياسية والطائفية وصارت هذه الأحداث تحرق الأخضر واليابس .
لا أريد هنا التطرق لهذه الكوارث لكن المفضل السؤال هل هناك نهاية للمحرقة العراقية ..؟ هل هناك إمكانية لتحويل الديمقراطية من الهامش إلى المتن في العلاقات بين الأحزاب الوطنية وفي أجهزة الدولة أيضا ..؟
هل هناك جذور للديمقراطية الحقيقية في العراق يمكن أن تنمو لتصبح صورة مرئية في أعلى الصفحات السياسية في المرحلة الراهنة ..؟
هل يوجد فكر اعتدالي أو أصلاحي داخل إحدى أهم ركائز الديمقراطية العراقية وأعني داخل الحزب الشيوعي العراقي ..؟
من هذا العنصر أيضا أنطلق في اختزال ما هو ذي ارتباط بعدد من أشكال العمل السياسي في ممارسات الحزب في حدود المساحات التي شهدت خصوصية مؤسسه يوسف سلمان وفعالياته في قيم الديمقراطية في نطاق التاريخ السياسي للعراق بمدى فترة الانطلاقة الشيوعية الأولى عام 1934 لحين تعرضه للضربة البوليسية القاسية الأولى عام 1949 ..
كثير من الأسئلة تدور حول الديمقراطية العراقية . بعضهم يراها صعبة التطبيق في بلد مثل بلادنا وبعضهم الآخر يراها عاملا مساعدا لذيوع الأساليب الإرهابية وبعضهم يفصل بين الديمقراطية و حقوق الإنسان وحقوق المرأة خصوصا والديمقراطية وتطفو كل يوم اتجاهات عكسية من أحزاب وقوى مترددة في تطبيقها .
بصورة عامة تنتشر الدعوة للديمقراطية العراقية على المستويات كافة . هذا هو الشيء المفرح حقا . فبعد انهيار نظام الدكتاتورية في التاسع من نيسان 2003 انهيارا أيديولوجيا وسياسيا وتنظيميا آمن العراقيون بمختلف مستويات وعيهم بقابلية الديمقراطية في حل المشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادي ، و برزت إلى سطح الجدل السياسي أمكانية نجاح تطبيق الديمقراطية في العراق لتناسقها مع تطلعات بناء دولة مدنية حديثة متوائمة مع قوانين السوق الرأسمالية و العولمة ومع مبادئ حقوق الإنسان . .
أحيانا تطفو لدى بعض التنظيمات السياسية وخاصة من تلك القوى الإسلامية التي تأسست بعد 9 نيسان أفكار مفادها أن الديمقراطية هي مادة غربية مستوردة ولذلك تتردد او تخشى تطبيقاتها او تتردد حتى في الدخول إلى العملية السياسية الواسعة الجارية في العراق .
لا أريد الدخول بمناقشة تفصيلية لهذا الرأي لكنني أود الإشارة إلى أن الديمقراطية كنظام أو مبادئ هي ملكية إنسانية مشتركة سواء في الغرب أم في الشرق لان الديمقراطية هي مجموعة متشابكة من القواعد والبنى والممارسات بلورتها تجارب غالبية شعوب العالم وتضحياتها .
دخول مصطلح الديمقراطية إلى العراق

ربما احتاج هنا إلى تأكيد حقيقة أن الديمقراطية جاءتنا من الخارج لكنها ما جاءت جاهزة ولا جاءت معلبة قابلة لتسخينها قليلا او كثيرا لتكون متداولة بل هي ارتبطت بكفاح الشعب وقواه السياسية ومثقفيه بعد أن دخل اصطلاح الديمقراطية إلى العراق مع دخول القوات البريطانية في آذار (مارس) 1917. إذ لم يكن لهذا الاصطلاح وجود قبل ذلك في معجم السياسة العراقية يوم كان البلد جزءاً من السلطنة العثمانية، فكل ما كان يصبو إليه الفكر الحر، آنذاك، هو تحقيق ما يسمى بالمشروطية، ما يعني بقاء الحاكم في السلطة مشروطاً بالتزامه بأحكام الدستور. وهذا لم يكن موجوداً فعلاً قبل الانقلاب العثماني الدستوري العام 1908. وبأثره حدث تطور في الواقع لكنه لم يتجاوز التطور الشكلي، وهو تأسيس مجلس المبعوثين (المبعوثان) حيث يمثل كل ولاية عراقية (الموصل وبغداد والبصرة) عدد محدود من أعيان الولايات. وبعد الاحتلال البريطاني تبلور اتجاه الحكومة البريطانية نحو تشكيل حكومة وطنية بدلاً من استمرار الاحتلال العسكري المباشر. وكانت هذه فكرة تزعمها آنذاك وزير المستعمرات ونستون تشرشل ووزير الخارجية اللورد كرزن. وبناء على ذلك تقرر إقامة حكم ملكي دستوري نيابي، أي ديمقراطي مع تعيين ملك من أولاد شريف مكة (الحسين بن علي). وقد بذلت جهود كبيرة من المندوب السامي السير بيرس كوكس، والمستشارة الشرقية غرترود بيل (المس بيل ) في نشر وتعريف الناس بالديمقراطية ، واتخاذ الإجراءات اللازمة لعقد مؤتمر تأسيسي، وإقرار دستور العام 1925. عكس ذلك الدستور أفضل المبادئ الدستورية في العالم المتقدم. وبموجب هذا تم تشكيل مجلس نيابي، يفترض به أن يملك السلطة التشريعية، وسلطة الشعب. غير أن تلك الديمقراطية المستوردة من الخارج، كما دونت على الورق، كانت في وادٍ والواقع السياسي العراقي كان في وادٍ آخر. ( انظر مقالة الدكتور فاضل الجلبي – جريدة الحياة – الانترنت ) .
لم تكن الديمقراطية المستوردة علامة دالة من علامات طريق الكفاح السياسي في العراق بل كانت تطبيقاتها شكلية لا غير من قبل النظام الملكي وحكوماته المتعاقبة . فمثلا بموجب الدستور العراقي الأول يعين مجلس النواب (البرلمان) الحكومة، ويقوم بمراقبتها، ويحاسبها، ويحاسب أعضاءها فراداً أو جماعة، ويحجب الثقة عنها إن استوجب الأمر ذلك. إلا أن ما ساد في العراق كان العكس! فالحكومة كانت هي التي تُعين أعضاء مجلس النواب، والسلطة الحقيقة كانت بيدها شراكة مع البلاط الملكي. فما حدث كان تماماً عكس ما نص عليه الدستور، وكانت الحكومة تعكس تصرف عدد من السياسيين - العسكريين ذوي الثقافة العثمانية، من الذين قدموا مع فيصل الأول، وعلى رأسهم نوري السعيد، الذي كان مخلصاً مع نفسه عندما أدلى في العام 1944 بالتصريح التالي في مجلس النواب ) أن في الدولة حكماً نيابياً ديمقراطياً، ومجلساً مسيطراً، وحكومة مسئولة، ترتكز على هذا المجلس، وهذا المجلس ينزع الثقة من الحكومة، ويعطي ثقته لحكومة أخرى. هذا هو نظام الحكم الموجود، والذي أقسمنا عليه. ولكن سادتي، نظام الحكم هذا كيف يطبق في المملكة؟ هل يطبق على الوجه الصحيح؟ وإذا لم يطبق على الوجه الصحيح، فلماذا؟) . ويستطرد نوري السعيد قائلاً: ( نظام الحكم يقضي بإجراء انتخابات في المملكة، وللشعب أن ينتخب مَنْ يعتمد عليه، ليراقب، ويسيطر على أمور الدولة. هذا هو أساس الحكم. ولكن بالنظر إلى قانون الانتخابات الموجود بأيدينا، هل في الإمكان، أناشدكم بالله، أن يخرج أحد نائباً مهما كانت منزلته في البلاد، ومهما كانت خدماته في الدولة، ما لم تأت الحكومة وترشحه، فأنا أراهن كل شخص يدعي بمركزه، ووطنيته، فليستقل الآن، ويخرج، ونعيد الانتخاب، ولا ندخله في قائمة الحكومة، ونرى! هل هذا النائب الرفيع المنزلة، الذي وراءه ما وراءه من المؤيدين، يستطيع أن يخرج نائباً؟ ) انظر حسين جميل، «الحياة النيابية في العراق وموقف الأهالي»، صفحة 69
أولاً لا بد من التأكيد أنه لا يمكن لأي بحث يتصل بتاريخ الشيوعية في العراق من دون تركيز ملاحقة مباشرة بين ( الشيوعية والديمقراطية ) بمعنى ملاحظة خلاصة الممارسة والتطبيقات في سياق التعبئة التنظيمية والثورية في بعض جوانب نضال الحزب الشيوعي العراقي في سبيل الديمقراطية وجهوده المتسارعة آنذاك لنشر الثقافة الديمقراطية بين شبان انتموا للحزب الشيوعي ولأحزاب وطنية أخرى من دون أن يتجردوا كلياً من أصولهم الريفية ومن ثقافتهم الاجتماعية غير المستقرة .
من ناحية ثانية أجد أن هذا الإقرار يحفزني إلى ضرورة البحث عن نموذج أخر أجج الكثير من فعاليات ومستويات تفوق النضال الثقافي الشيوعي من أجل الديمقراطية في الثقافة التقليدية داخل الحركة الوطنية العراقية ومعرفة مدى نفوذ يوسف سلمان ( فهد ) في تلك الممارسات والتطبيقات خلال مسار الحركة الشيوعية في أول 15 عاماً من عمر الحزب الشيوعي وبعض الدور المرجح تسجيله لصالح السيرة الذاتية لمؤسسه .
لا يستطيع أحد أن يذكر شيئا من الديمقراطية في العراق من دون أن يذكر نهضة أحزابها العديدة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية . فالذاكرة العراقية تحفظ الكثير من صناعة الخطاب الديمقراطي في العراق والعالم كله بعد اندحار الفاشية والنازية في نهاية الحرب العالمية الثانية رغم وجود التشرذم الاجتماعي ( العشائري خصوصا ) مكونا قويا في أساسيات التنظيم الاجتماعي في العراق ورغم وجود وانتشار وسيادة ثقافة التنظيم الاستبدادي ابتداء من العائلة إلى المدرسة إلى الهيكل الكلي للدولة.
هكذا فان الموضوعة الرئيسية التي شغلت فهد في مرحلة التطور السياسي بعد الحرب كانت الديمقراطية .
اول صدمة للديمقراطية
مع بداية تأسيس الحزب واجه فهد أفعالا منافية للديمقراطية قام بها أهم دعاة الديمقراطية في العراق وعلى راسهم كامل الجادرجي الذي كان ينتمي الجادرجي إلى عائلة أرستقراطية، اقطعها النظام العثماني أراضي زراعية مهمة، جعلت منه إقطاعياً لا يعيش في إقطاعيته
كانت أول صدمة للديمقراطية في العراق ناتجة من باكورة أعمال الجادرجي المنافية للسلوك الديمقراطي هي التنسيق مع حكمت سليمان وبكر صدقي للقيام بانقلاب عسكري في تشرين الأول (أكتوبر) 1936، من أجل إزاحة الهاشمي، وإحلال حكمت محله رئيساً للوزراء. وكان ذلك أول انقلاب عسكري في الشرق الأوسط فتح الباب واسعاً لتدخل الجيش في السياسة، واستعمال العنف طريقاً للوصول إلى أهداف سياسية. أصبح الجادرجي وزيراً في وزارة الانقلاب، غير أنه استقال بعد فترة مع جعفر أبو التمن. لكنه استقال بعد تخريب الحياة السياسية في العراق، لأن هذا الانقلاب هيأ لسلسلة من الانقلابات العسكرية بحيث أصبح ضابط في الجيش بموجبها يملي على البلاط وعلى السياسيين ما يريدون من دون اعتبار لأحكام القوانين.
يروي روفائيل بطي في كتابه " ذاكرة عراقية " عن هذا الانقلاب، الذي أعقبته ستة انقلابات قام بها الجيش لفرض أشخاص على البلاط ، وانتهت بانقلاب سابع، ما يسمى " حركة مايس " 1941، التي قام بها الضباط الأربعة. أدخلت هذه الحركة العراق في مواجهة عسكرية غير متكافئة مع الجيش البريطاني ، الذي كان يخوض حرباً ضروساً ضد الألمان. وانتهى الأمر بانكسار الجيش العراقي وإهانته، واحتلال العراق من جانب البريطانيين عسكرياً، وهروب " المربع الذهبي " إلى خارج العراق. (انظر كتاب " التاريخ يكتب غداً " لمجيد حميد القيسي، وكتاب موسى الشابندر " ذكريات بغدادية " . الشابندر كان وزيراً للخارجية في حكومة رشيد عالي الكيلاني).

مواقف فهد من الأحزاب الوطنية
لرصد دور يوسف سلمان (فهد) في الحياة الحزبية العراقية بما فيها حياة الحزب الشيوعي العراقي ومواقفه من الأحزاب الوطنية التي كانت تريد أو تدعي تطبيق المبادئ الديمقراطية كالحزب الوطني الديمقراطي ورئيسه كامل الجادرجي يستلزم الوقوف على شخصية هذا الرجل وعصره وثقافته والظروف التي عاش ونما فيها ومارس عمله في بناء أولى التنظيمات الخلوية الشيوعية مطوراً إياها من حلقات ماركسية صغيرة موجودة في أكثر من مدينة عراقية إلى تنظيم أوسع بمركز توجيهي واحد...
كان من نتيجة عملية الجادرجي ــ حكمت سليمان ليس فقط تعطيل تطور الحياة السياسية في العراق، بل تعزيز النفوذ البريطاني ، وعودة الوصي ونوري السعيد، بتأييد أوسع من بريطانيا، مما جعل نوري السعيد يتمادى في سياسته القمعية. وقال الجادرجي، مبرراً سلوكه اللاديمقراطي في هذه القضية الخطيرة ان: ( الديمقراطية ترى من حقها بل من واجبها عدم التقيد بأساليبها المعتادة حينما ترى في البلاد حكماً مطبقاً غاشماً، لا يسمح بحرية الرأي، ولا بحرية النشر، ولا بحرية الاجتماع، ولا بتأليف الأحزاب. وحينما تستولي على البلاد دكتاتورية غاشمة تخنق أنفاس الديمقراطية ، ولا تدع لها مجالاً لأي عمل حر. وحينئذ تسلك الديمقراطية طريق الثورة، ولو كانت بقوة السلاح. وهذا حق من حقوق الديمقراطية لا يختلف فيه اثنان (انظر حسين جميل، " الحياة النيابية في العراق " ، صفحة 254- 255). جاء هذا لتبرير الانقلابات العسكرية وسيلة لتحقيق الديمقراطية . ولو كان هذا صحيحاً لما رأينا ظاهرة غاندي ونهرو وظاهرة مانديلا.
أوردت هذا المثل من مواقف كامل الجادرجي للبرهنة على ان الديمقراطية التي جاءت بها القوات البريطانية المحتلة لم تطبق كما هي لأنها أساسا خالية من أي مبدأ يبرر الانقلابات العسكرية .

من خلال الكتب والمقالات التي تناولت سيرة حياة يوسف سلمان يوسف ، وهي قليلة ( أخرها كان كتابا مشتركا أصدره كاظم حبيب وزهدي الداوودي – بعنوان فهد والحركة الوطنية في العراق ) اتضح أن فهد غادر الناصرية إلى بغداد في بداية وعيه الطبقي حاملاً معه إلى مسقط رأسه مشروعه السياسي الذي تحول بسرعة مذهلة إلى مشروع جماعي لمجموعة من الشباب الماركسي آخذ اً ، بسرعة أيضا ، مهمة تحريك الأجواء السياسية والنضالية بين النخب المثقفة وبين بعض أوساط الجماهير الشعبية التي تفتحت أسماعها ورؤاها على الحضور الشفاهي المتداول في الحلقات السرية وبعض الحضور الكتابي المتداول في بعض الصحف العلنية .
كان الرفيق فهد ، نقلاً عن بعض أفراد عائلته، متوقد الذهن متميزاً عن أقرانه في المدرسة الابتدائية . أما بيئته الأسرية فلا أعرف عنها تفاصيل مهمة باستثناء معلومات عامة ، إذ كان شقيقه فرج من سكنة البصرة / العشار وهي نفس المحلة التي أسكنها ، وكان أبن هذا الشقيق عضواً في الحزب في أواخر الخمسينات . كما كنتُ تلميذاً في نفس المدرسة التي درس فيها( مدرسة الرجاء العالي الأميركية ) .
في يوم إعدامه لاحظت المعلم في المدرسة المذكورة عبد الجبار عبد الكريم الحلفي يبكي بمرارة وهو لم يكن شيوعيا ..
نشوء الحلقات الماركسية في العراق
على خلفية الموضوع نفسه لا بد من البحث في التركيب البنائي الأول للحلقات الماركسية الناشئة في العراق. فقد عرضت تلك الحلقات قدراً كبيراً من الأفكار الممهدة لنشوء الحزب الشيوعي العراقي الذي جرت التقاليد السنوية على الاحتفال في 31/آذار/1934 بذكرى تأسيسه ، فكيف تبلور التأسيس..؟
بدأت أولى بذرات الفكر الماركسي في الدخول إلى العراق عبر مجلة الحزب الشيوعي البريطاني ، وعبر صحيفة اللومانتيه . ( أنظر إلياس فرح . الاشتراكية في الوطن العربي مجلة آفاق عربية السنة الثانية العدد 3)
أما في الموسوعة الحرة على الانترنت فقد جاء فيها :
دخلت الأفكار الماركسية إلى العراق في العقد الثاني من القرن العشرين ، إذ ظهر عدد من المثقفين الذين تأثروا بالأفكار الماركسية و الاتحاد السوفيتي من خلال لقاءاتهم مع بيوتر فاسيلي القادم من الاتحاد السوفييتي إلى البصرة عبر إيران وهو عراقي الأب ، وكذلك من خلال بعض من الكتب الماركسية التي جلبت من سوريا ،وبلدان أجنبية أخرى ، وانكبوا على دراستها وتداولها بين عدد محدود من الأشخاص في بادئ الأمر ، خوفا من اكتشاف السلطة لهم . وتلا ذلك ظهور أول الحلقات الماركسية التي ضمت السادة : حسين الرحال, عوني بكر صدقي , مصطفى علي ، محمد احمد المدرس, عبد الله جدوع ، وقد أصدر هؤلاء الرواد الأوائل مجلة علنية باسم الصحيفة كانت تصدر مرتين في الشهر ، وقد صدر العدد الأول منها في 28 أيلول 1924،وعالجت المجلة أوضاع العراق الاجتماعية والاقتصادية والفكرية ،وركزت هجومها على الاستعمار، والإقطاع ،والعنصرية والطائفية . إلا أن هذه المجلة لم تدم طويلاً ،فقد بادرت السلطة الحاكمة إلى غلقها بسبب توجهاتها الماركسية .
وفي عام 1927 تشكلت المجموعة الماركسية الأولى في البصرة وضمت كل من السادة عبد الحميد الخطيب و زكريا الياس و سامي نادر مصطفى و عبد الوهاب محمود وفي عام 1928 تكونت خلية أخرى في الناصرية ضمت كل من السادة : يوسف سلمان (فهد) و غالي زويد و احمد جمال الدين ،وأصدرت منشوراً شيوعياً بخط يد فهد، بعنوان " يا عمال وفلاحي البلاد العربية اتحدوا" وقد عالج المنشور الوضع السياسي في البلاد ،والهيمنة البريطانية ،وكان المنشور موقعا باسم الحزب الشيوعي العراقي ووزع في الناصرية في كانون الأول عام 1932 .

في كتابهما عن فهد والحركة الوطنية في العراق أورد المؤلفان كاظم حبيب وزهدي الداوودي قولهما ( ارتبطت حياة ونشاط فهد السياسي الوطني والطبقي بشكل عضوي بنشوء وتطور الحزب الشيوعي العراقي كما ارتبط تأسيس هذا الحزب بالمحصلة النهائية وبحق باسم فهد أيضا رغم كونه لم يكن أول سكرتير لهذا الحزب ..)

قامت بالدعاية والتبشير جماعة قليلة العدد كهواية ومحاولات تنظيرية شبابية في ظل ظروف سياسية وثقافية صعبة كانت محاطة بتقلبات سياسية متعددة ، وليس كأسلوب تنظيمي لممارسة العمل السياسي. ( حسين الرحال. محمود أحمد السيد. عبد الله جدوع. إبراهيم القزاز . مصطفى علي ) الذين تأثروا بالأفكار الماركسية وقد وردت مثل هذه التقديرات في كتاب مجيد خدوري . الاتجاهات السياسية في العالم العربي . بيروت 1972.
حاول محمود احمد السيد الذي كان أديبا أن ينطلق في كتاباته من منطلقات ماركسية فقد وصف أوضاع الفلاحين الفقراء وتعاسة الحياة الريفية بأسلوب آثار فيه يقظة الشعب وضميره.
قامت هذه المجموعة بوضع تقرير مفصل في عام 1923 شرحت فيه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والطبيعية كما أكدت فيه ظروف الاستغلال الاستعماري وترجمته إلى الفرنسية ورفع التقرير بعد ذلك إلى لينين.( أنظر أرشد الكاظمي . بواكير الفكر الاشتراكي في العراق . مجلة الثقافة الجديدة. العدد 4 نيسان 1975).
اتجهت المجموعة إلى الميدان الصحفي كمحاولة لترويج الأفكار الماركسية فركزت على نشرها في جريدة ة ( الصحيفة ) بدءا من 18 كانون الأول عام 1924 طرحت فيها حلولاً لبعض المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والفكرية ودعت إلى تحرير المرأة وتعليمها وهاجمت الإقطاع والرجعية كما دعت إلى تحرير الدين من الشعوذة .
لكن هذه المجموعة لم تستطع بناء تنظيم سياسي ماركسي في تلك الفترة لعدم توفر الشروط الموضوعية لها حيث أنها لم تكن تملك " الاستعداد لاحتراف العمل السياسي ونبذ أساليب الهواية كما لم يكن لديها الخبرة للعمل السياسي والنضال بين صفوف جماهير الكادحين " . ( أنظر زكي خيري . الحزب الشيوعي العراقي . مجلة الثقافة الجديدة العدد 47 نيسان 1973صفحة 7 )
بقيت الأفكار الماركسية تنتشر حثيثاً دون أن يظهر حزب سياسي منظم يجمع المؤمنين بالماركسية إلى أن ظهر أول منشور يحمل اسم الحزب الشيوعي العراقي في الناصرية عام 1932 وقد تطرق هذا المنشور إلى " وضع الحكومة وتدخل الإنكليز في شؤون العراق الداخلية والخارجية وسلبه ثرواته وطالب الناس بالاتحاد والحذر من المستعمر" ( أنظرعبد الكريم حسون الجار الله . كتاب تصدع البشرية . بيروت 1968 ص 80).
إلاً أن الحزب لم يكن قد تأسس في هذا التاريخ وإنما كانت هذه محاولة تمهيدية جريئة أتاحت للهواة أن يتحولوا إلى محترفين يحتاجون إلى دعاة ومطبعة وتنظيم . فتأسست ، تبعاً لهذا الوعي ، المنظمة الشيوعية المركزية الأولى في عام 1934 ( لجنة مكافحة الاستعمار والاستثمار ) ومن ثم تكامل وعي خطابها وشكلها التنظيمي إلى حالة استقطاب الفعل اليومي والجدل اليومي إلى حالة الاستقطاب التنظيمي في حزب سياسي أيديولوجي عندما اتخذت اللجنة المركزية قرارا في تموز 1935 بإعلان اسم الحزب الشيوعي . وقد ساهم كل من يوسف سلمان (فهد) وعاصم فليح بالإضافة إلى سامي نادر ومهدي هاشم و حسن عباس وزكريا الياس وداود سلمان شقيق فهد والذي كان أول طباع لمنشورات الحزب ، وكذلك موسى حبيب وجميل توما ونوري روفائيل ويوسف إسماعيل وغيرهم.
هكذا تركز يوم الحادي والثلاثين من آذار 1934 كموعد يرمز إلى تشخيص الحقيقة المحضة لميلاد الحزب الشيوعي العراقي باعتباره حزب العمال والفلاحين والمثقفين الثوريين وكل القوى والشخصيات النبيلة المناضلة من أجل حرية وطننا وسعادة شعبه.. فليس عبثا أن تتشكل أولى نواته من المثقفين والمتعلمين في البصرة مدينة العمال وفي الناصرية مدينة الفلاحين .

لم ينطلق فهد في فهم مهماته ومهمات الحزب من فراغ بل درس وراقب وتابع منذ شبابه البكر حالة المجتمع العراقي ومعوقات تطوره بقصد اللحاق بركب التطور العالمي وتطبيق الديمقراطية في ربوع الرافدين .
الجدير بالملاحظة انه من خلال استقراء ظروف بيئته الأولى ومن محيطه السياسي نستطيع ان نكتشف ما يلي :
1) أنه نشأ في بيئة ستالينية ضاغطة ( من أعلى ) ناتجة عن الفترة التي زار فيها الاتحاد السوفيتي ودرس في جامعة كادحي الشرق الحزبية .
2) أنه خلال فترة الخمس سنوات الممتدة 1 194. ـ 1945 واجه حقبة من الانشقاقات تعد من أكثر فترات التاريخ الشيوعي تنافساً وصراعاً على القيادة . وقد تسبب هذا الجو في خلو المعالجات الحزبية من وسائل الحوار الديمقراطي الصبور كناتج ضاغط ( من أسفل ) مما عزز ( مركزية ) القيادة على حساب ( ديمقراطيتها ) في أكثر الأحيان .
3) مرت بالحزب فترة تاريخية عصيبة نتيجة حركة رشيد عالي الكيلاني (1941) تجلت في ضرورة بلورة الموقف السليم منها ومن الشعارات القومية ومن الموقف السليم من النازية الهتلرية التي كانت تجد لها بعض الأنصار العراقيين المعادين للنفوذ البريطاني .
4) لم ينحصر الصراع الفكري بهذه المجالات فقط إنما بالموقف من الوجود البريطاني كمحتل للأراضي العراقية من جهة وكحليف للاتحاد السوفيتي في الحرب العالمية ضد الهتلرية من جهة أخرى.
5) الواقع السياسي نفسه كان يكشف مجتمعاً شمولياً ضاغطاً ببوليس حكامه وفي عموم إجراءاته للحد من ممارسة الديمقراطية دافعاً فهد وغيره إلى العمل السري القاسي وإلى التحفظ في كثير من طرائق الحياة الشخصية والحركة اليومية .
في هذا السياق كله لا مناص على أي مناضل حتى على (فهد ) نفسه ان يعتمد نظاماً دقيقاً في المركزية الحزبية لالتقاط الصور السياسية والاجتماعية المعبرة عن واقع الحركة الوطنية والحزبية ولتسيير شئون الحلقات الحزبية القاعدية التي كان يحيط بجداول اجتماعاتها آنذاك تداول العديد من المصطلحات " البيروقراطية " وحتى " العسكرية " من مثل " النظام والضبط الحديديين " وطاعة " القاعدة " للقيادة . وكذلك خضوع الأقلية للأكثرية ، وغيرها من الضرورات التنظيمية لتجذير حركة الشيوعية العراقية في أوساط ( نقابية تنمو تجمعاتها.. تجمعات فلاحية بسيطة الشكل .. تجمعات نخب ثقافية .. نخب عسكرية .. نخب نسوية .. الخ) ولأن هذه الحركة بمجملها كانت في مرحلة التكوين والتطور ، فأنها أوجدت معها "موضوعياً" ظرفاً ملائماً لنشوء عادات وتقاليد عمل تسمح هي نفسها بالتجاوز على النظام الحزبي المتبع آنذاك " المركزية الديمقراطية " حيث تميل كفة التوجيه العملي نحو " المركزية " على حساب الشق الثاني أي : "الديمقراطية " .
ذلك هو الإطار العام لمضغوطات كثيرة ليست فقط واقعة على مواقف وآراء فهد ، بل وأيضاً تمارس مفعولاً أعنف وأشد على " الآخر " أيضاً خاصة إذا كان " الآخر " ضعيف الوعي أو مدفوعاً بدوافع ذاتية أو مصلحية للسيطرة على قمة الهرم التنظيمي للحزب الشيوعي الذي يسوده ، وهذا الاخر الضعيف الوعي هو الذي شجع او قاد العديد من العمليات الانشقاقية التي عالجها فهد بصبر وحنكة للتغلب عليها ولبناء نظام "إداري حزبي " متماسك يهدف إلى صيانة الحزب من أي اختراق من أجهزة البوليس السري آنذاك. وقد توخى الرفيق فهد من وراء ذلك الإشراف الدقيق على كل صغيرة وكبيرة حفاظاً على تسيير أمور العمل الحزبي كله .
بمعنى واضح أن تلك الفترة لم تتعرف فيها العلاقات السياسية والحزبية على مفهوم أو مصطلح " الرأي الآخر " أو "الآخر " بصورة فعلية ولا تأكيد حقوقهما . وإذا ما وجد أي (رأي آخر ) غير رأي اللجنة المركزية فبموجب النظام المركزي الديمقراطي لا يجوز تداوله داخل الخلية أو الهيئة الحزبية . من يخالف هذا النظام يكون قد خرج على الحزب . تمشياً مع المنهج المتبع في القيادة الستالينية فأن وصف " المنحرف " و"المنشفي " و " الانتهازي " و" اليساري المتطرف " و" المراهق الثوري " يمكن ان تطلق على الفور على "الرأي الآخر " أو على قائليه ، مما يجعل من " الآخر " مصطفاً مباشرة أم بصورة غير مباشرة مع صف أعداء الحزب أو مع خصومه في أقل تقدير .
هل يعني هذا ان الرفيق فهد لم يمارس الديمقراطية . هل يخيل لأحد أنه كان بيروقراطياً ستا لينيا من خلال ما تقدم ..؟
هذا السؤال ومثله كثير من الأسئلة المجابهة أحيانا والموجزة في أحيان أخرى وحتى السطحية المتعلقة بسياسات وتاريخ الحزب الشيوعي العراقي تحتاج إلى أجوبة فريدة ومتميزة بعد أن أملت الرحلة الطويلة للحزب الشيوعي ضرورة ذلك لمعرفة آفاق المستقبل للسير بوتيرة اقل من العثرات.
بصراحة أقول أن مصيبة القاعدة والقيادة في كثير من الحالات والمواقف تخضع لقرارات سريعة في "الموافقة " أو " المعارضة ". من دون إدراك أن الأصابع المصوتة ذاتها قد تدفن الأفكار ، مهما كانت صحيحة ، في التراب.

لم يكن الظرف الموضوعي الذي تحدثت عنه مانعاً كلياً من الرؤية الديمقراطية والممارسة الديمقراطية كأمر مألوف أيضا في العمل اليومي للرفيق فهد ، ففي كتاباته تكمن أهمية النصوص التي ثبتها في مساحات عديدة ومتميزة في نشرات الحزب وصحفه . فعند تركيزه على الديمقراطية ومستلزماتها قال :



(من اهم مستلزمات الديمقراطية إبداء الرأي عن طريق النشر والخطابة ، وعن طريق الأحزاب والجمعيات والنقابات ، وعن طريق انتخاب الشعب لممثليه وحكامه..) .
نلاحظ هنا تركيزاً ليس على انتخاب الشعب لممثليه فقط بل انتخاب الشعب لحكامه أيضاً. وإذا ما تذكرنا ان تلك الفترة كانت فترة حكم ملكي فيها الملك مصون وغير مسئول يتوفر القصد من تأكيد فهد على : (انتخاب الحكام ) معبراً عن بعد نظر تخلو منه كثير من برامج قوى معارضة في تلك الاونة .
ظهور جماعة الاهالي في ذات الفترة
في ذات هذه الفترة أي فترة ثلاثينات القرن العشرين ظهرت مجموعة من المثقفين والسياسيين العراقيين تدعو الى الديمقراطية أطلقت على نفسها اسم جماعة الأهالي وقد كانت أول تجمع معارض يركز اهتمامه على القضايا الاجتماعية والاقتصادية ويشجب باستمرار غياب الحريات السياسية في العراق وكان مؤسسو الجماعة يشاركون المعارضة القومية رغبتها في رؤية العراق مستقلا عن بريطانيا إلا أنهم كانوا يشعرون بان تحقيق الإصلاحات الرئيسية في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية يعتبر شرطا مسبقا للاستقلال الحقيقي وكانوا يؤكدون بان عدم القيام بهذه الإصلاحات سيجعل العراق عاجزا عن انجاز استقلاله ( انظر جيني سنغلتون في كتابه الحزب الوطني الديمقراطي العراقي من إصدار المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت – ص 27 ) .
نشأت فكرة تأسيس الحلقات الماركسية داخل العراق وفي مناطق العمال الكادحين في البصرة والناصرية بينما نشأت فكرة تأسيس " جماعة الأهالي " لدى عدد من الطلاب اليساريين الذين كانوا يدرسون في الجامعة الأمريكية ببيروت وبعد عودة هؤلاء بين عامي 1930 – 1931 الى بغداد قاموا بتأسيس جماعة الأهالي استنادا الى فلسفة " الإصلاح الشعبي " لتجنب اتهامهم بالشيوعية وقد تشكلت هذه المجموعة بمبادرة من حسين جميل وعبد القادر إسماعيل وعبد الفتاح إبراهيم ومحمد حديد ومنذ بداية التأسيس كان هناك خط فاصل بين كل اثنين من هؤلاء الأربعة فقد كان حسين جميل ومحمد حديد يبشران بأفكار معتدلة كان عبد القادر إسماعيل وعبد الفتاح إبراهيم أكثر ميلا لليسار ولذلك نجد هذين الأخيرين قد تركا في مرحلة لاحقة جماعة الأهالي فأسس عبد الفتاح إبراهيم حزب الاتحاد الوطني بميول ماركسية اذ صار منافسا قويا لنفوذ الحزب الوطني الديمقراطي الذي أسسه كامل الجادرجي بمعاونة حسين جميل ومحمد حديد بينما انضم عبد القادر إسماعيل إلى الحركة الشيوعية ليصبح قياديا في الحزبين الشيوعيين في سوريا أولا ومن ثم في الحزب الشيوعي العراقي
في هذا الصدد لا توجد وثائق او دراسات وافية عن العلاقة بين جماعتي الاهالي والحلقات الماركسية قبل تأسيس الحزب الشيوعي في منتصف الثلاثينات وقبل تأسيس الحزب الوطني الديمقراطي في منتصف الأربعينات غير ان هناك إشارات واضحة ان جماعة الاهالي تميل للفكر القومي بينما الحلقات الماركسية والحزب الشيوعي لاحقا اكثر ميلا نحو الحركة العمالية العالمية والأممية وشعارها يا عمال العالم اتحدوا .
في أوائل 1943 كان يوسف سلمان وراء تقديم طلب إجازة تأسيس حزب باسم حزب الوحدة الوطنية الديمقراطي والذي لم تجزه الحكومة بل اعتقلت اثنين من مقدمي الطلب ونشرت جريدة الحزب في شباط منهجه الذي حدد غاية الحزب بتعزيز الحركة الديمقراطية وإنعاش الاقتصاد الوطني بالوسيلتين التاليتين :
1) التنظيم السياسي الوطني ومن هنا انطلق شعاره ( قووا تنظيم الحركة الوطنية ) إلى جانب هدف تقوية تنظيم الحزب الشيوعي .
2) السعي لتأليف جبهة وطنية موحدة منظمة بالتعاون مع الأحزاب وسائر المنظمات الشعبية الأخرى .

يستنتج مما سبق أن العلاقة بين " فهد والديمقراطية " تشكل عنصراً مهماً وموضوعياً ليس في فترة السنوات العشر (1939 ـ 1949) من تاريخ الحزب حسب بل أصبح إرثاً رئيسياً في راهن الحزب الشيوعي العراقي وماضيه وحتى مستقبله .
لا شك ان الشيوعيين العراقيين عند استقراء تاريخهم غير المبحوث من قبلهم ، بعد ، منذ نشاط أولى الحلقات الماركسية في الناصرية عام 1923 حتى اليوم ، لم يحسنوا استخدام المصادر القليلة الموجودة في أدراج غير مفهرسة بدقة خارج العراق وداخله بما في ذلك مختلف الإصدارات الفكرية والسياسية والتنظيمية و البيانات وقرارات الاجتماعات القيادية ومؤتمراتها واجتماعات اللجنة المركزية ثم صحافة الحزب ومجلاته وغيرها لدراستها ومعاينة نتائجها العظيمة بفروضها وأمثلتها السلبية والإيجابية التي يمكن الاهتداء بها في غمرة الخليط الفكري السائد في الثقافة الشيوعية في العالم المعاصر الذي يشهد أزمة كبرى في الفكر الشيوعي . معظم هذه الوثائق استطاع البحث عنها الباحث حنا بطاطو الذي اثمر جهدا مهما في توثيق حركة المجتمع العراقي في القرن العشرين .
المؤشرات العديدة في دراسات الحزب والحزبيين تؤكد للعيان أن وثائق حزبية أساسية ومهمة تبددت من بين يديه خلال الأعوام الستين الماضية واستمر هذا التبدد في تاريخ الحزب بسبب شدة المطاردات البوليسية للمراكز الحزبية طوال حياة الحزب الشيوعي من جهة وبسبب فقدان العديد منها في تنظيمات الخارج من جهة ثانية وبسبب ضعف العمل الارشيفي لدى قيادات الحزب المتعاقبة حتى اليوم . بهذا نجد أن الحرص على وثائق الحزب وحفظها ووضعها تحت تصرف الباحثين والدارسين أمر غير متوفر حتى الآن ، مما أدى إلى هدر الإمكانيات المتاحة للحزب في عدم قدرته على استخدام أساليب البحث والدراسة الموضوعية.
ان الواقع الدراسي لتاريخ الحزب بتجربته العملية الذي أصبح موضع الجدية خلال السنوات الأخيرة ما زال يقدم الدليل على هدر الإمكانيات المتاحة للحزب وعدم تجميعها في خدمة دراسة تاريخه واهم منعطفاته الحادة والمهمة في ذلك التاريخ فحتى الآن لم يؤسس الحزب أي مركز للأبحاث والدراسات ولا حتى دار نشر حقيقية فعالة رغم وجود الكثير من كوادره في خارج العراق يتمتعون بقد كاف من الأمان وبحرية واسعة للحركة .
تطالعنا بين الحين والآخر الحاجة الماسة إلى أن يمتلك ( الحزب ) ما تمتلكه (ذاكرة أفراده ) من معلومات ومعارف وتجارب سواء ما يمتلكه مناضلوه الحاليون والسابقون أو ما يملكه أصدقاؤه ومؤيدوه من مواقف أو نشاطات أو تضحيات . فبدلالة كتاب صدر جزء أول عن شهداء الحزب انعكس بمفارقة عجيبة برهنت إن الحزب لا يملك أدنى معلومات حتى عن شهدائه. ربما ينطبق هذا القصور في تثبيت تاريخ وفعاليات الحركة الأنصارية التي قادها الحزب الشيوعي في كردستان ضد دكتاتورية نظام صدام حسين .
دلالة أخرى وجدتها أثناء البحث عن مصادر لموضوعة اخترتها في الندوة التي أزمعت إقامتها في هولندا بمناسبة الذكرى المئوية الأولى لميلاد يوسف سلمان يوسف ( فهد ) بالمناسبة نفسها أردت بحث موضوعة الديمقراطية في مسار حياة الرفيق فهد. بالذات أردتُ العودة إلى تجربة الموجة الديمقراطية التي عمت العراق بعد عام 1947 وإلى حين إلقاء القبض عليه فاكتشفت أن منظمة الحزب الشيوعي في هذا البلد الليبرالي لا تمتلك مكتبة ولا أرشيفاً ولم تضع خطة لتوفير ذلك أصلاً.
إن ما يصل بين الديمقراطية والشيوعية منظومة متكاملة من المواقف والسياسات الإستراتيجية والتكتيكية . ولعل ( الفرد ) القائد يمتلك ، حين يكون على رأس حزب شيوعي أو على رأس إحدى منظماته ، من القوة ما يؤهله أن يكون ديمقراطيا أو بيروقراطيا وفي الحالين تكون سفينة الحزب قد مالت مع هذه الريح أو مع تلك.
قال لينين: (في عصر ثوري كعصرنا الحاضر ، ان جميع الأخطاء النظرية والانحرافات الخططية للحزب تنتقدها الحياة ذاتها انتقادا قاسياً).
فهل هذه الدعوة التراثية أخذت الشيوعي العراقي إلى الحقيقة بحرية نسبية ولا أقول بمنتهى الحرية ..؟ بل هل أخذت الإنسان السوفيتي نفسه إلى احتمالية معينة نبه أليها لينين من قبل ان يوجد الاتحاد السوفيتي أصلاً ..؟
لا أظن أن أحداً وجد غزلاً في نسيج واحد بين الحرية والشيوعية ، بين الديمقراطية ومركزية القائد ليكوّن منهما شيئاً جديداً . لكن ما هو أقوى من كل جواب ومن كل حقيقة أن انهيار البنى الشيوعية في الاتحاد السوفيتي وفي المنظومة الاشتراكية كلها برهنت على ضعف أو عدم الالتزام بالدعوة اللينينية الصريحة .
أي أن الحياة تبقى هي الناقد الأصوب والأقسى مهما طال الزمن ومهما تعددت التفسيرات غير الأصيلة .

ما يعوق التواصل بين الديمقراطية والقائد سواء كان القائد فردا او مجموعة افراد هي فوضى فكرية قد تضع نفسها فوق المعرفة وفوق السلوك الصحيح . هي عزلة القائد عن رفاقه وجمهوره مما يضع حواجز عديدة في البناء الهيكلي للحزب.
إذا قابلنا بين مشهدين في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي خلال الفترة بين 1934. و1949 يتبين لنا وجود فهد في صورة ( قائد الشيوعية العراقية ) ببصيرة نافذة يحاول توزيعها بين كوادر حزبه وبين كوادر أحزاب وطنية أخرى لرفع مستواهما الفكري والسياسي معاً. يخطئ من يعتقد أن دعوة فهد لتقوية تنظيم الحركة الوطنية إلى جانب تقوية تنظيم الحزب الشيوعي ( قووا تنظيم حزبكم .. قووا تنظيم الحركة الوطنية ..) قد جاءت من دون وجود خط واضح في أعماقه وفي سلوكياته إضافة إلى وعيه الوطني ذي الرؤية العميقة . فقد وجد أن لا حلول للحركة الوطنية والديمقراطية العراقية غير الاستمرار في تثقيف جميع المناضلين العراقيين بالدلالات الوظيفية للعمل الجماعي المشترك بين جميع الثروات العقلية الجماعية والفردية داخل صفوف الحركة الماركسية والديمقراطية العراقية.
خارطة العمل الديمقراطي
فقد شجع الخلايا الحزبية على توسيع خارطة العمل الديمقراطي بأوسع مدى بين الجماهير وسط التغيرات السريعة في فاعلية الحُزم الديمقراطية المشعة في كل العالم بعد انهيار الفاشية في نهاية الحرب العالمية اثر توغل النشاط الديمقراطي في أنحاء المعمورة بما في ذلك العراق . فبعض تعليمات وتوجيهات فهد إلى أعضاء حزبه وأصدقائهم قد أدت إلى مردود حركي عبّر عن تحولات مهمة في نشاط الحزب الشيوعي للاتحاد مع الطاقة الكامنة في أعماق المثقفين وطلائع العمال والمثقفين والطبقة البورجوازية الصغيرة ، فاندفعوا نحو تكوين المنظمات الجماهيرية مثل:
1) جمعيات أصدقاء الفلاح كنموذج أولي بسيط يؤدي إطلاقها إلى حركة ريفية قابلة للتوسع متواصلة مع المثقفين الثوريين..
2) نقابات عمال. وهي تركيبات دقيقة بإمكانها أن تفرض دورها التنظيمي في العملية الثورية داخل المدن بما يخلق الصلة بين دعاة المجتمع المدني وبُناته .
3) دعا عام 1944إلى الاستفادة من المنظمات النسائية الموجودة وتحويلها من جمعيات ( الأفنديات )إلى جمعيات نسائية جماهيرية من منطلق الاهتمام بالجانب الاجتماعي والدعوة إلى حرية المرأة. ( يقال أن أمينة الرحال عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي كانت أول امرأة تترك الحجاب في أوائل الأربعينات ).
4) تقديم طلب تأسيس عصبة مكافحة الصهيونية . وهي أكثر الوسائل فعالية لتسجيل الموقف العربي الجماهيري المضاد لنشاط الحركة الصهيونية داخل قلب الوطن العربي المتزامن مع حمى النشاط الإمبريالي في نهب الثروة النفطية في تلك الفترة.
5) تقديم طلب حزب التحرر الوطني كمحاولة للتوفيق بين النشاط الشيوعي والديمقراطي في الساحة العلنية الجماهيرية .
6) ناشد كامل الجادرجي بتقديم طلب تأسيس حزب كي تنشأ تفاعلات واسعة قادرة على بناء مشهد وطني واسع.
7) في أول عدد من جريدة آزادي الصادرة عام 1944دعا الوطنيين الأكراد إلى العمل من اجل أحزاب وجمعيات ديمقراطية لتنظيم الشعب الكردي يسفر عن وحدة متينة بين نضال الشعبين العربي والكردي المتحدين في ارض واحدة منذ الأزل.
عموماً أقول بهذه المناسبة أن تاريخ فهد وتاريخ تجربته لم يدرسا بعد دراسة مستفيضة موضوعية فأن قراءة هذا التاريخ تكشف ، بلا شك ، جزءاً صلباً في إرادة الشيوعيين العراقيين لبناء حزب شيوعي يتواصل بنيانه رغم كل تقنيات القمع والإرهاب والدعاية الإعلامية المضادة التي مورست ضده بشراسة الذئاب السياسية لعقود دامية .
عند إجازة الأحزاب في حزيران (يونيو) 1946 تقدم كامل الجادرجي، ومجموعة من " الأهالي " بطلب تأسيس الحزب الوطني الديمقراطي ، وكان أحد المؤسسين عبد الكريم الأزري، الذي أُنتخب نائباً لرئيس الحزب. ويروي الجادرجي في مذكراته (صفحة 87) أن الأزري سأله عن نطاق عمل الحزب، وما إذا كان يشمل الريف؟ فكان جواب الجادرجي بالنفي، مؤكداً أن الحزب لا يعتمد على الريف، ويعني هذا أن الجادرجي شطب من النشاط الوطني الديمقراطي أكثر من ثلاثة أرباع سكان العراق.
عكس منطق الجادرجي هذا وضعه الاجتماعي، وأنه ضد أي تغير في واقع التركيب الاجتماعي، الذي كان مستفيداً منه، وكذا أعداد محدودة من السياسيين ورجال الإقطاع. ويروي زكي خيري في كتابه " صدى السنين، ذاكرة شيوعي مخضرم " (صفحة 213) أنه قال للجادرجي العام 1946: إن أول ما يجب أن تفعله حكومة ديمقراطية هو إلغاء قانون دعاوى العشائر، الذي سنه الإنكليز، والذي جعل من الإقطاعيين حكومات داخل دولة. وجعل رئيس العشيرة حاكمها الفعلي، فأجاب الجادرجي بالقول: كيف؟ مثل هذا الأمر يحتاج إلى دراسة متأنية أولاً، قبل البت فيه! ويعقب زكي خيري أن عبد الكريم قاسم شطب هذا القانون بجرة قلم . إن موقف الجادرجي من هذه القضية مناف للديمقراطية، التي تفترض السعي لإقامة مجتمع مدني، يكون الولاء فيه للوطن.
كان الحزب الوطني الديمقراطي يمثل شخص الجادرجي لا سواه. فيجب على الحزب أن يتقيد بآرائه السياسية، ولا يجوز لغيره من الأعضاء مخالفته، فانتهى الأمر بوقف عملية التطور الديمقراطي داخل الحزب، الأمر الذي أدى إلى نهاية مؤسفة، وهي انتهاء الحزب وموته. وكل ذلك كان نتيجة عدم وجود الديمقراطية داخله، كما كان يؤكد محمد حديد وجماعته حول هذا الموضوع، بعد الخلاف مع الجادرجي حيال التعاون مع عبد الكريم قاسم.
هناك قضية جديرة بالذكر وردت في مذكرات الجادرجي، أشارت إلى تسلط الرجل على الحزب، وعدم قبوله برأي الأكثرية، مثلما تقتضي القواعد الديمقراطية ، كما أشارت إلى انفصامه عن الواقع الاجتماعي السياسي في العراق، عندما أخذ ينادي بشعارات غير قابلة للتطبيق في البلد، وهي اقتراحه على اللجنة العليا للحزب تبني الديمقراطية الاشتراكية على طريقة حزب العمال البريطاني شعاراً للحزب. كانت الأكثرية ضد الاقتراح بسبب اختلاف الظروف الاجتماعية بين العراق وبريطانيا، ولذلك لا يمكن تبنيها كمنهاج قابل للتطبيق. وبدلاً من خضوع الجادرجي لرأي الغالبية، بحسب مفاهيم الديمقراطية ، قدم استقالته من اللجنة احتجاجاً، واعتكف في داره، ولم يرجع إلى الحزب إلا بعد وساطات كثيرة من شخصيات في الحزب، وانتهى الأمر بفرض رأيه. لكن المعروف أن حزب العمال البريطاني، الذي تبنى الديمقراطية الاشتراكية، لم يكن إلا ثمرة لآراء مجموعة من المفكرين والمثقفين اليساريين في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، على رأسهم جورج برناردشو وبياتريس وموريس دوب وغيرهم. وكان هؤلاء يؤمنون بالماركسية نظرية، ولكنهم يعتقدون بأنها غير قابلة للتطبيق في بريطانيا، من خلال الثورة، وإنما من خلال العمل الديمقراطي ، ومحاولة الوصول إلى الحكم من طريق الانتخابات، واستعمال ضغوط العمال، الذين كانوا يمثلون الطبقة الأكبر في المجتمع البريطاني. أطلقت الجماعة البريطانية على نفسها تسمية " الفابية " ، نسبة إلى القائد الروماني فابيوس، الذي انتصر عسكرياً، ليس من طريق الهجوم إنما من طريق استنزاف العدو.
استطاع العمال استنزاف الأوساط الحاكمة، والوصول إلى مجلس العموم البريطاني من خلال النقابات، ونفوذها الكبير في المجتمع الصناعي، الذي بلغ ذروة في الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر. وواضح أن سياسة كهذه غير قابلة للتطبيق في العراق لأن الغالبية العظمى من الشعب العراقي من الفلاحين، وليست لهم القدرة الحقيقية لاستنزاف القوى الحاكمة، وأخذ الحكم بسبب تسلط الإقطاعيين ، وطبيعة الولاء الاجتماعي. وعلى رغم ذلك تمكن الجادرجي من فرض شعار الاشتراكية الديمقراطية لحزب العمال البريطاني غير الواقعي بالنسبة إلى العراق.
وهناك قضايا أخرى تشير إلى العقلية التسلطية للجادرجي، من دون أن يملك وسائل القمع، التي كان نوري السعيد يستعملها. فكان يلجأ إلى التشهير بمن يخالفه الرأي ، وإلصاق تهم ما أنزل الله بها من سلطان على من يخالفه. حدث هذا ضد أهم شخصية في الحزب، وهو حسين جميل، المثقف العراقي وأحد المؤسسين الحقيقيين لـ" جماعة الأهالي " قبل أن ينضم الجادرجي إليها، وذلك عندما تسلم جميل منصباً وزارياً في العهد الملكي ، في وزارة علي جودت الأيوبي خلافاً لرغبة الجادرجي. فبدأ الأخير يشهر به ويصفه بأنه عميل الإنكليز.
ويروي بهاء الدين نوري السكرتير السابق للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي في مذكراته (صفحة 148): " عندما ذهب بعض الشيوعيين إلى الجادرجي لنشر منشورات احتجاجية في جريدة الأهالي. قال الجادرجي لبهاء الدين نوري : لماذا لا تقدرون وضعنا، ولا تنصفوننا قليلاً أيها الإخوان؟ ألا ترون أن الإنكليز نصبوا حسين جميل رقيباً، يعد عليّ أنفاسي " ؟ وهكذا بين ليلة وضحاها أصبح جميل عميلاً بريطانياً ، لا لشيء سوى أنه قَبل منصباً حكومياً بصفته الشخصية. ومنذ ذلك الحين ظلت تدور الإشاعات حول حسين جميل وعلاقته بالسلطة.

إن الباحث المنصف لا يمكن ان يعول على إستراتيجية معينة في البحث في قراءة هذا المصدر أو ذاك من نقد وتمحيص وتبصر ، خاصة إذا ما كانت المصادر من خارج الحزب الشيوعي العراقي ومن غير كوادره ، تمييزاً بين ما هو واقعي أو غير واقعي ، صائب أو غير صائب ، ورغم عمق خطاب حنا بطاطو وواقعيته لكنه لم يخلو من مجازفات أشرها العديد من الباحثين العراقيين في محاولة منهم لإلغاء بعض مجازفاته وتخليصها من شطط ، ربما يساهم في إعادة الحقيقة التاريخية المجيدة للشيوعيين العراقيين إلى نصابها.
أذكّر هنا بقول مأثور : أن كلمة حق واحدة قد تنتج كتاباً . كتاب واحد قد يضيء حقيقة . وحقيقة واحدة قد تضيء طريق الأمة كله.
أظن أن الوقت ، الذي يمر به الحزب الشيوعي العراقي ، يصر على ضرورة تأسيس بنك المعلومات في التجربة الشيوعية الخالصة والمتحررة .

المظهرية والجوهرية في الديمقراطية الحزبية :
تعتبر (مظهرية ) الديمقراطية في رؤية وسلوك فهد غير (جوهريتها) بالتأكيد. عاش فهد علاقات زمنية داخل النهج الستاليني مع وجود الإحساس بعظمته وبعظمة إنجازاته ، ومع أسبقية العلاقات من الناحية الزمنية فهو قد درس( الماركسية اللينينية ) في موسكو فبلغ خلالها تشبعاً بــ(المركزية الديمقراطية) تنظيمياً ، مثلما تشبع بـ (دكتاتورية البروليتاريا) فكرياً. وتلك بدايات استمرت دافعة إياه إلى بعض النتائج السلوكية إبان قيادته للحزب الشيوعي العراقي . من الصعب القول أن صورة الحاضر المتذكّر عن تلك الفترة الماضية من ممارسات يوسف سلمان يوسف ، كانت ديمقراطية ( من الناحية الجوهرية ) مع رفاقه ومع المحيطين به من عناصر أخرى بمن فيهم عناصر الأحزاب الأخرى. الشيء الأكيد ان الرفيق فهد كغيره من القادة الشيوعيين في تلك الفترة قد نال تثقيفا محدودا عن التعريف الضعيف والشكلي للديمقراطية وهو المستوى السائد في الاتحاد السوفييتي وفي الأحزاب الشيوعية العالمية التي لم تستند على قوة المجتمع المدني ولا على اهمية ظهور إرادة حزبية عامة حزبية او شعبية ولا على اهمية تطوير العمل المؤسساتي الجماعي ففي جوهر الديمقراطية لا بد من وجود مجموعة متشابكة من القواعد والبنى والممارسات التي تضمن بقاء الديمقراطية وتطورها .
مثل هذا النهج لم يكن متوفرا داخل الحزب الشيوعي العراقي ولا في الحركة الوطنية العراقية ولا في نظام الحكم الملكي ولم تكن بالطبع سائدة ثقافة " حقوق الإنسان والتحول الديمقراطي " التي تبلورت في العاشر من ديسمبر عام 1948 في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة .
من العسير طبعا تفسير مجمل الأسباب عن ضعف الأخذ بالنموذج الديمقراطي الغربي الذي استهلته تقاليد الثورة الفرنسية من قبل الأحزاب الشيوعية ومنها الحزب الشيوعي العراقي لكن الشيء المؤكد ان السائد في الحركة الشيوعية العالمية هو رفض النموذج الديمقراطي الغربي باعتباره لا يحمل نوايا طيبة . بالطبع لم يكن الرفيق فهد بعيدا عن هذا الجو العام الذي جعل من الديمقراطية حلما من أحلام القضاء على الاستبداد بكل أنواعه وأشكاله وبكل مساحاته الجغرافية داخل حزب معين او داخل دولة معينة .
تبقى ملاحظتي هذه مجرد خاطرة غير مدعمة بالوثائق والوقائع . فلحد الآن لم يدرس أحد شخصية ( يوسف سلمان فهد) دراسة معلوماتية وفكرية وسياسية ، ربما لقصور في عدم وجود أرشيف مضمون حول هذه المسألة ولا غيرها مما يتعلق بتاريخ الحزب الشيوعي العراقي. حتى حنا بطاطو وقد توفرت عنده إمكانيات واسعة وفريدة من الاطلاع على وثائق مديرية الأمن العامة في بغداد ، وهي غنية بلا شك ، وأثناء مقابلاته مع عدد غير قليل من عناصر مواكبة لفهد تنظيمياً وسياسياً. تجمعت لديه صنوف من المواقف والمعلومات لكن قيمتها (في تحديد صفات فهد من الناحية السلوكية ) ظلت غير عملية في بناء مشهد متكامل عن شخصيته.
وإذ حلت قبل بضعة أعوام الذكرى المئوية لميلاد الرفيق فهد فأن مجموعة من تقصيرات الحركة الوطنية العراقية بما فيها الحزب الشيوعي تضع نفسها أمام المحاسبة والمحاكمة عند الاقتضاء ، لأنهما أي ( المحاسبة والمحاكمة ) هما شكلان من أشكال ( الاستثمار ) لتنمية الثروة الفكرية والتجريبية في مستقبل الحركة الماركسية والشيوعية في العراق..
لقد أثبتت تجارب الحياة أن ( قوة ) أي حزب أو أية مجموعة بشرية لا تحددها العددية العضوية أو عددية الأسلحة التي يملكها هذا الحزب أو تلك المجموعة ، إنما بالمعرفة العامة المولدة للقوة المتوفرة داخل الحزب والمجموعة . يضاف لذلك مقدار الموهبة والحذق لدى القائد أو القيادة وفي مدى قدرة القائد على إحاطته بالرأي العام وإحاطة الرأي العام به . وعلى مدى تواصل وتجدد العلاقة بين القائد الحزبي والجماهير الحزبية واللاحزبية .
في هذه المناسبة أحاول إلقاء نظرة على النموذج الحي في معالجة (فهد) لإحدى قضايا الديمقراطية التي واجهها يوم كان على رأس القيادة في الحزب الشيوعي العراقي في الفترة اللاحقة لتطور الحلقات الماركسية وهزيمة الانشقاقات في أوائل الأربعينات.
.
الخواص القيادية لدى فهد
هل كان فهد ستا لينيا ..؟
هل كان ديمقراطياً أم بيروقراطياً..؟
من خلال متابعتي واهتمامي بالتجربة الماركسية وجدت ان من المفيد الإشارة هنا إلى ان الأساس الواقعي للماركسية تملكه الدافع في ان يكون تطورها ديمقراطياً ، وقد قادتني المتابعة إلى ان الماركسيين الأوائل بما فيهم الرفيق فهد متفتحين لاستقبال آراء أخرى غير آرائهم الخاصة كما انهم رحبوا بالعديد من تيارات المذاهب الوطنية التي هبت من أكثر من اتجاه. وقد استخلص فهد التصورات المعبرة عن هذا الترحيب .
كان من أثر استقبال فهد وانفتاحه على التيارات المختلفة أن أطلق العنان لجدل ديمقراطي داخل المجموعات الماركسية بروح " الديمقراطية النسبية " رغم وجود وتنامي البيروقراطية الشيوعية في الحزب الشيوعي السوفيتي في أواسط الثلاثينات التي كانت مليئة بتناقضات فكرية ، فكان فهد يتصل بالمثقفين العراقيين داخلاً في جدل عام ، فكري وثقافي وسياسي، خارج الحزب دلالة على توثقه واطمئنانه للإحاطة بمظاهر الماركسية روحاً وممارسة رغم ان هذه المرونة الديمقراطية داخل الحزب ربما كانت سبباً لأن تصاحبها انشقا قات عديدة .
لو نحينا جانباً أسباب وأساليب الخلافات الحزبية آنذاك فسنجد وجهة نظر فهد بجانبها وجهات نظر أخرى موجودة داخل الحزب أو وافدة له من خارجه . ومما يثير الانتباه أنها تتعلق عموما بـ" التجريبية الديمقراطية " التي كانت روحها العملية مثارة في عدد غير قليل من الساحات الديمقراطية في العالم بعد ان تقوقعت الفاشية والنازية في ألمانيا وإيطاليا وبضع ساحات صغيرة أخرى.
ما تقوله تجربة الحزب الشيوعي العراقي أن الرفيق فهد شخصياً كان تفسيره إيجابيا لما تنطوي عليه أوضاع العراق السياسية من تطورات ولذلك انصب اهتمامه الأساسي بالارتباط بالحركة الوطنية وضرورة تقويتها صدقاً وحقاً وليس لمجرد ملء فراغ وطني معين خاصة وانه أسس الحزب الشيوعي بعد تجاربه في أحزاب وتجمعات وطنية أخرى . كان فهد قد استوعب الصورة الدرامية في الحركة الوطنية العراقية وقت ذاك.
آراء ذات دلالة

قال مدير الامن العم في العهد الملكي بهجت العطية عن الرفيق فهد :(كانت لدى فهد حجج إقناع قوية ، وله موهبة تفسير الأمور بطريقة واضحة وبسيطة ) بالرغم من أن فهد لم يكن يملك ثقافة واسعة كما أشار إلى ذلك العديد من معارفه. لكن كتاباته قدمت برهاناً لا يقبل الشك على ثقافته النظرية في الماركسية اللينينية.
لفهد علاقة بكامل الجاد رجي مذ كانا في حزب الإخاء الوطني.
1) أشار كامل الجادرجي إلى إحدى خواص فهد بالقول: لقد اظهر فهد ثقة بالنفس وصلت حد الوقاحة . (من حديث الجادرجي مع بطاطو).
2) لديه اقتناع راسخ بأنه وحده القادر على ضمان وحدة الحزب ثقته البالغة بنفسه أبعدت عنه بعض السياسيين والمفكرين السياسيين. كان يبدي بعض المرونة. . (بطاطو ص142)
3) لا يعرف كيف يلتقي مع الآخر في منتصف الطريق. وأنها عرقلت إقامة الجبهات الوطنية .
4) كان فهد يستاء من المعارضة (غير المبدئية داخل الحزب ) بمرارة قوية . فقد كان يسمي المعارضين منحرفين ويمينيين وبورجوازيين وانتهازيين . (أنظر كتاب كتابات الرفيق فهد 1976دار الفارابي بيروت والطريق الجديد بغداد).
يبدو ان من الضروري التأكيد على أن اختيار فهد للشيوعية يجب ان لا يفهم على انه تجاهل للاعتراف بالحركات والأحزاب الأخرى كما فهم ذلك كامل الجادرجي وبعض قادة الأحزاب الأخرى في تلك الفترة . وقد وردت تعليقات هنا وهناك في بعض النصوص السياسية أو في جلسات خاصة وقد أشرت إلى بعض التعليقات آنفاً . أظن أنها أتسمت بالتسرع أو الاندفاع حتى لتبدو في النهاية أنها لا تشكل تأثيراً قوياً في علاقة فهد بالقادة الوطنيين الآخرين.
نهوض الديمقراطية والحياة الحزبية
بعد نهوض حركة الديمقراطية في العالم اجمع في أعقاب سقوط الفاشية والنازية نشطت في العراق الحركة الديمقراطية في أوساط العناصر الوطنية المختلفة التي عانت من القهر المستمر لحرية التعبير للفترة 1935 ـ 1945 خاصة بعد ان شكل ياسين الهاشمي وزارته الثانية في 29 نيسان 1935 فعادت اجتماعات ولقاءات الوطنيين من اجل إعادة الأحزاب العراقية كمظهر مظاهر تطور الوعي الديمقراطي في العراق.
من الناحية الفعلية كانت الفترة 1935 ـ 1945 قد شهدت تطور ونضوج أيديولوجيات وأفكار عصرية تبناها الجيل الجديد من الشباب المثقف ، الذين أسسوا فيما بعد الأحزاب السياسية ، وقد تجاوزوا بهذه الأفكار المطالبة بالاستقلال السياسي الذي كانت تنادي به الأحزاب ـ في عهد الانتداب ـ إلى الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي ، وإلغاء معاهدة عام 1930، باعتبارها لم تعد منسجمة مع الظروف العالمية والتطورات الدولية . ( انظر عادل غفوري. كتاب أحزاب المعارضة العلنية في العراق )
تقدمت المجموعات السياسية بطلباتها إلى وزارة الداخلية ( الوزير سعد صالح ) بعد تشكيل توفيق السويدي للوزارة ، وكانت ستة طلبات أجيز منها خمسة طلبات لتأسيس الحزب الوطني الديمقراطي وحزب الأحرار والاستقلال ، والاتحاد الوطني ، وحزب الشعب في 2 نيسان 1946 بينما رفض الطلب السادس وهو( حزب التحرر الوطني ) بناء على اتهامه بأنه يضم عناصر شيوعية معروفة. ويذكر عادل غفوري مؤلف كتاب احزاب المعارضة العلنية في العراق ان هناك مجموعة أخرى تقدمت بطلب لتأسيس حزب سياسي باسم ( حزب البعث القومي ) وهم كل من سامي شوكت والشيخ فريق مزهر الفرعون والشيخ تكليف المبدر الفرعون وعبد اللطيف القصير وخزعل خضير بيد ان الحكومة لم تمنح موافقتها على تأسيسه لكون ان أكثرية هيئته تتصف بالصفة العشائرية .(انظر كتاب سعد صالح ودوره السياسي في العراق . ستار الجابري . مطبعة المشرق بغداد.)
كما أجيزت عصبة مكافحة الصهيونية التي كانت وما زالت مثار جدل بين الوطنيين العراقيين منذ تلك الآونة . فبالرغم من النشاط الوطني للعصبة المناوئ بصراحة ووضوح للصهيونية العالمية وللاستعمار البريطاني اللذين كانا يسعيان لتأسيس دولة إسرائيل ، إلا ان اليمين العراقي واليمين المتطرف خاصة يتهم الشيوعيين بمحاولة تكتيل اليهود العراقيين في منظمة مجازة تحت حجة مقاومة الخطر الصهيوني . لكن جميع الظروف اللاحقة لم تقدم دليلاً على صحة ادعاءات اليمين العراقي( اقرأ رواية عاشقان من بلاد الرافدين لمؤلفها جاسم المطير ). فقد كان قد تقدم عدد من اليهود العراقيين طلباً إلى وزارة الداخلية في 12 أيلول 1945 للسماح لهم بتأسيس (جمعية ) بأسم ( عصبة مكافحة الصهيونية ) . وقد جاء في طلب التأسيس أن المؤسسين يعتبرون الصهيونية " خطراً على اليهود مثلما هي خطر على العرب وعلى وحدتهم القومية " كما وصفوا الصهيونية :(أنها حركة استعمارية واستغلالية ترمي إلى جر المغانم والأرباح لنفسها وان كان في ذلك تضحية بجماهير اليهود ..) وأوضحوا ان الغاية من تأسيس الجمعية هي التصدي للصهيونية ومكافحتها يدفعهم في ذلك انهم يهود وعرب بنفس الوقت . ( انظر جعفر عباس حميدي . القضية الفلسطينية في مناهج ومواقف الأحزاب السياسية في العراق 1946 ـ 1958 مجلة البحوث والدراسات العربية العدد 13 السنة 1984 صفحة 29.).
أصدرت العصبة جريدة سياسية باسم ( العصبة ) في 7 نيسان 1946 وعطلتها وزارة الداخلية في 6 حزيران على اثر نشرها دعوة الهيئة المؤسسة لحزب التحرر الوطني إلى اعلان الإضراب العام تأييداً لقضية فلسطين . ( انظر فائق بطي . صحافة الأحزاب وتاريخ الحركة الوطنية . مطبعة الأديب . بغداد . 1969 ص 65).
اهتمام فهد بالعمل الوطني

الحقيقة إن أواخر الثلاثينات شهدت نشاطاً فهدياً أتصل بالروحية الوطنية وبالعالم الثقافي في بغداد وبالأدب والفن والدين حتى انه اهتم بالنشاطات القصصية والمسرحية . ومن أهم أفكار فهد هي زج الشيوعيين في عمل وطني علني ولم يكن من المصرين على العمل السري مما جعله يقدم على محاولتين في هذا الاتجاه . المحاولة الأولى هي دفع بعض الديمقراطيين للتعاون مع بعض الشيوعيين لتأسيس حزب ديمقراطي علني إلاّ أن بعض هؤلاء انشقوا وأسسوا حزب الشعب بقيادة عزيز شريف.
ولأنه كان مصراً على العمل الوطني العلني فقد أقدم على خطوة أخرى إذ تقدم شيوعيون وديمقراطيون آخرون بطلب إلى وزارة الداخلية لتأسيس حزب ( التحرر الوطني ) عام 1945 إلاّ ان الطلب رفض.
لكن الرفيق فهد كأي شيوعي أو شخص وطني في مجتمعنا تعرض للنقد والمديح فلا شك إن له مميزاته الخاصة فاتباعه وأصدقاؤه يمدحونه وأعداؤه يذمونه. وقد حتمت عليه النشاطات الانقسامية داخل الحزب الشيوعي والانقسامات الوطنية في خارجه ونشوء مراكز قوى تحارب الحزب الشيوعي مثل ( حزب الاستقلال ) أو تعارض مواقفه كـ( حزب الشعب ) وقد حتم هذا الوضع على فهد ان يخوض نضالاً دائباً مركزاً الدفاع عن الحزب الشيوعي فكراً ووجوداً مما عزز جميع محاولاته التنظيمية والسياسية والفكرية والعلاقات الوطنية على هذا الجانب. وقد وضح ان ثمة عوامل ثقافية ونفسية أصبح لها الدور الأول في الاعتبارات الحزبية وقد تمثل ذلك بسعيه الحثيث منذ عام 1941 على تحويل الحزب الشيوعي العراقي إلى قوة سياسية متماسكة وموحدة وفعالة ، بانياً له قاعدة جماهيرية مستعدة للدعم والأيمان والتضحية.
في هذا السعي لم تكن قيادة فهد هامشية بل كان في حالة عمل مستمر كي لا يكون الحزب مجهولاً في الساحة السياسية العراقية . المدهش انه نجح ، في مجال بناء الحزب وإعادة قوته بعد الانشقاقات ، كما عمل على تقوية علاقات الحزب مع الأحزاب والشخصيات الوطنية الأخرى ، إضافة لنجاحه في بناء علاقات شيوعية عربية خاصة مع الحزب الشيوعي السوري واللبناني.
من صفاته الشخصية :
1) كان يميل خلال الاجتماعات غير الحزبية إلى البقاء منغلقاً على نفسه. وكتب زهير الجزائري وهو شيوعي معاصر من الجيل الثالث عن فهد قائلا " وفي الوقت الذي كانت الشيوعية في بغداد مجرد فكرة يتداولها مثقفون انيقون ابتلعت الوظائف معظمهم كان هاجس فهد هو تحويل الشيوعية الى سلاح جماهيري كان يذهب ويدفع رفاقه الى حيث توجد الجماهير الكادحة "

(2) كان شديد الاختصار في الحديث .. كما أشار إلى ذلك العديد من مجايليه من رفاق الحزب .
( 3) كان شديد الحذر لكنه يظل هادئا ففي بدايات تكوين التنظيمات الشيوعية كان فهد يتحرك في سكناه من مكان إلى آخر .كان يقيم فترة لدى شقيقه داود في الناصرية . ومرة في البصرة لدى شقيقه فرج. كانت تنقلاته جزء من الحذر المطلوب كي لا يقع بأيدي مديرية التحقيقات الجنائية ( الأمن العامة ) .

(3) أما مالك سيف فقد سجل الكثير عن صفات الرفيق فهد في كتابه الذي أصدر بدعم مديرية الأمن العامة وبتوجيه مباشر من فاضل البراك الذي كان متحمسا دائما في نشر الكتب والمقالات الصفراء المعادية للحزب الشيوعي ... وكان كتاب مالك سيف ( للتاريخ لسان ) أواخر الثمانينات واحدا منها .
لم يكن أسم ملك سيف معروفاً أو متداولاً قبل اعتقال فهد أو قبل إعدامه على وجه التحديد. فقد كان عمله مكرساً للنشاط السري ، أي النشاط التنظيمي. انتسب إلى الحزب عام 1942 وأصبح عام 1943 سكرتير اللجنة المحلية في العمارة ونقل إلى البصرة عام 1946 وانتخب إلى عضوية اللجنة المركزية 1945 وبعد اعتقال السكرتير العام للحزب الشيوعي العراقي في 18 كانون الأول 1947 صار المسئول الأول للحزب مع احتفاظ فهد بقيادته وهو في سجن الكوت.
يمكن اعتبار الفترة بين 1945 و1947 هي الفترة التي ازدادت فيها لقاءات مالك سيف مع يوسف سلمان يوسف بعد انتقاله إلى بغداد من البصرة . وفي تشرين الثاني من عام 1948 اعتقل مالك سيف واصبح بين ليلة وضحاها عدواً أول للحزب الشيوعي ولسكرتيره العام فارشد أجهزة الأمن العامة إلى جميع الأسرار الحزبية التي يعرفها ، واصبح أداة بيد الحكومات العراقية المتعاقبة للتشهير بالشيوعية والشيوعيين وتلفيق الكثير من القصص والروايات التي تخدم أغراضه الشخصية ، بعد ان اعتمدته أجهزة الأمن العامة كوكيل إلى حد مماته في أوائل التسعينات .
من ضمن محاولاته في التشهير بكفاءة السكرتير العام لم أجد في مذكراته المعنونة ( للتريخ لسان ) عن صفات يوسف سلمان فهد إلاّ النزر القليل من الآراء العامة ، فقد شخص لديه الملاحظات التالية:
أ‌) كان يوسف سلمان يوسف من المعجبين بشخصية ستالين . " انه يعظم ستالين إلى حد العبادة ".
ب‌) في بداية افتتاح مؤتمر الحزب الشيوعي العراقي شباط 1945اعلن فهد اسم ستالين رئيس شرف للمؤتمر.
ت‌) في الفترة من عام 1939 ـ 1945 أنفرد فهد في قيادة الحزب وفي تحديد مساره السياسي.




أتساع النشاط الديمقراطي

أجيز الحزب الوطني الديمقراطي وأربعة أحزاب أخرى في شهر نيسان 1946 وكان من قادته كامل الجادرجي ومحمد حديد وحسين جميل وعبد المحسن الدوري و يوسف الحاج الياس وعبود الشالجي وعبد الوهاب مرجان..
أما الأحزاب الأخرى فهي :
1) كان عدد من الديمقراطيين اليساريين تجمعوا في عدة اجتماعات لتشكيل حزب ماركسي يكون بديلا للحزب الشيوعي. فأسسوا حزب الشعب ( عزيز شريف وتوفيق منير وعبد الأمير أبو تراب وعبد الرحيم شريف وإبراهيم الدركزلي ونعيم الشهرباني وجرجيس فتح الله ) وأغلبهم من المحامين الماركسيين. كان من أهداف الحزب تحقيق استقلال العراق وتحقيق الحريات الديمقراطية.
2) و هناك ديمقراطيون لا هم مع الجادرجي ولا مع عزيز شريف اختاروا طريقاً ثالثاً حزب الاتحاد الوطني ( عبد الفتاح إبراهيم ـ توفي إلى رحمة الله قبل بضعة أعوام .. ) وهو عنصر متميز بثقافة واسعة سياسية وادبية واجتماعية وكان لامتلاكه لغة أجنبية متمكنا من مواكبة ثقافة وسياسة العصر حتى ان بعضهم كانوا يطلقون عليه لقب لينين العراق. ومعه محمد مهدي الجواهري وجميل كبة وموسى الشيخ راضي وموسى صبار . من أهدافه تحقيق مجتمع ديمقراطي صحيح بالوسائل السلمية ودعا إلى توسيع مجال الحريات الديمقراطية.
3) حزب الاستقلال ومن أهم قادته مقدمي طلب الجازة فائق السامرائي وصديق شنشل ومحمد مهدي كبة وهو حزب معاد للشيوعية وللحزب الشيوعي.
4) حزب الأحرار المعتدل تقدم بالطلب كامل الخضيري وداخل الشعلان وحسين النقيب ومحمد فخري الجميل وعبد القادر باش أعيان وعبد العزيز السنوي ونوري الاورفه لي وعباس السيد سلمان ومن أهدافه بناء دولة قوية وحديثة.
5) كما قام الشيوعيون الذين كانوا يمارسون العمل السري بمحاولة فاشلة لاجازة حزب التحرر الوطني الذي أسسوه وحافظوا عليه من دون ترخيص مدة من الوقت.
جدل حول اتحاد الأحزاب الديمقراطية

دعا عبد الفتاح إبراهيم ، رئيس حزب الاتحاد الوطني ، إلى توحيد الحركة الديمقراطية في حزب واحد قبل وبعد إجازة الأحزاب السياسية. فقد أجرت مفاوضاته مع قادة حزب الشعب بهذا الشأن ، لكنها فشلت لإصرار جماعة حزب الشعب على وجوب الانضمام إليهم كأعضاء مؤسسين.
ثم جاءت المحاولة التالية بعد إجازة الأحزاب ، ووجهت الدعوة لحزب ثالث ( الحزب الوطني الديمقراطي ) إلاّ أن الخلافات بين قيادات الأحزاب حالت دون ذلك.
اتخذت عملية التوحيد طريقها مع حزب الشعب مرة ثانية ، واتفقا على تكوين حزب واحد باسم ( الاتحاد الشعبي ) ونشرت الاتفاقية ونصوصها في جريدة الوطن ، حيث تم بموجبها تشكيل لجنة مشتركة من خمسة أعضاء من كل حزب. وأن تصدر القرارات بأكثرية لا تقل عن ستة أصوات ، كما يترأس جلساتها رئيس حزب الشعب ورئيس اللجنة السياسية لحزب الاتحاد الوطني بالتناوب . إلاّ أن عملية التوحيد واجهت عراقيل من كلا الحزبين حيث بقي الانقسام سائداً بسبب تمسك القادة وتفكيرهم بأنفسهم ومحاولة البعض التحصين في المراكز القيادية ( كما أورد ذلك عبد الجبار مصطفى في كتابه تجربة العمل الجبهوي في العراق) هذا ما أقره رئيسا الحزبين فقد ذكر عزيز شريف بأن الحزبين لم يستطيعا الاتفاق (بسبب ما نشأ من خلافات حول التوحيد من نظريات أختلف حولها قادة الحزبين ). جريدة الوطن العدد 344 في 26 آذار 1947

أعلن عبد الفتاح إبراهيم أن سبب الخلاف كان حول الزعامة الفردية ، وقال بأن( الاتحاد الوطني ) لا يؤمن بالزعامة الفردية التي تؤول إلى التحكم في الحزب بطريق نفوذها الشخصي وما تحشده من أعوان في المراكز العليا. (جريدة صوت السياسة العدد 86 في 28 آذار1947 ).
• أنطلق حزب الاتحاد الوطني في دعوته هذه، من ان الظروف التي تعيشها الحركة الوطنية تستوجب وحدتها ودرءاً للانقسام الذي تشهده. وقال بوجود عوامل مساعدة على هذا الاتحاد منها:
ـ وحدة تاريخ الحركة ووحدة النضال.
ـ تشابه الأحزاب في اعتمادها على الجماهير الشعبية من كل الطبقات الاجتماعية .
تشابه أهدافها ومناهجها.
ـ وحدة فلسفة الأحزاب وتمسكها بالنظريات العلمية التي تسير تطور المجتمعات وفقاً لها.
الرفيق فهد ضد الحزب الواحد
إن الدعوة كانت تعني في الواقع حل الأحزاب السياسية لنفسها والاندماج في حزب واحد . وهذا ما رفضته الأحزاب الأخرى ( الوطني الديمقراطي ) واضعين البديل الآخر وهو قيام ( الجبهة الوطنية ) بين الأحزاب الديمقراطية . وقد أوضح عبد الفتاح إبراهيم مخاطباً قادة الحزبين ( الشعب والوطني الديمقراطي ) بأن المطالبة بالجبهة المتحدة أمر مفروغ منه ، وقال بأن (هذه الجبهة بين الأحزاب الديمقراطية قائمة فعلاً باتفاقها إجمالاً في أسسها الاجتماعية وفي مناهجها وأهدافها وأسلوب عملها ..) و ( بأن مثل هذه الجبهة يجب أن يقتصر عملها فقط بين الحزب الديمقراطي الواحد والأحزاب الأخرى إذا تيسر السبيل لقيامها بعد تحقق اجتماع الديمقراطيين في حزب واحد ) كما أشار إلى ذلك عبد الفتاح إبراهيم في كتاب ( وحدة الحركة الديمقراطية ) بغداد المطبعة الخيرية 1946 ص41 و42
• يتبين لنا من ذلك أن ( الاتحاديين ) رفضوا أساساً قيام جبهة وطنية بين الأحزاب الديمقراطية إلاّ على أساس قيام الحزب الواحد بسبب وجود الجبهة ، حسب رأيهم أصلاً نظراً للتشابه في الأهداف والبرامج.
• من جهة أخرى فقد وقف الحزب الشيوعي العراقي موقف المعارض من هذه الدعوة . وكان من الطبيعي أن يقف ضدها ، لأنها جاءت لإفشال دعوته السابقة بضرورة قيام الجبهة الوطنية الموحدة ، والتي تستوجب وجود أحزاب سياسية متقاربة في الخط السياسي العام.
• لقد وصف الحزب الشيوعي ، شعار جمع الديمقراطيين في حزب واحد كشعار ( دولة عربية واحدة ) و ( دولة عالمية واحدة ) وأعتبره ( شعار غير عملي جاء في غير وقته ، وهو غير نافع ، بل مضر ) لبعده عن واقع الحياة الشعبية في العراق( حسين محمد الشبيبي ــ الجبهة الوطنية الموحدة وواجبنا التاريخي ـ بغداد ـ دار الفكر للترجمة والنشر والتوزيع ـ مطبعة شفيق ـ 1959 ـ ص13 ـ 14)وقد جاء تبريره هذا منطلقاً من ان ذلك كان يمكن ان يلقي رواجاً وان يخدم المصلحة الوطنية بعد الثورة العراقية الأولى 1920وقبل المعاهدة العراقية ـ البريطانية . وأضاف أن العراق قد دخل في مرحلة تبلورت فيها المصالح الطبقية . وشكك في إمكانية عمل الطبقات البورجوازية الحرة. وأكد على مبدأ الجبهة الوطنية الموحدة رافضاً الاندماج بهذا الحزب وقال : أما نحن فنكافح من اجل جبهة وطنية موحدة وعدم الاندماج بأي حزب آخر.
• من الجدير بالذكر أن حزب الشعب عاود فكرة جمع الديمقراطيين الوطنيين في حزب واحد عام 1948 بعد غلقه. وكان من أهم أسباب معاودته إلى هذه الفكرة هو عدم السماح له بالعودة إلى العمل العلني بالرغم من الطلبات الكثيرة التي قدمها ، بالإضافة لانصراف أغلبية أعضائه إلى بقية الأحزاب الأخرى حتى أصبح قيادة بلا جماهير.
• وقد جاءت الدعوة على لسان عزيز شريف من خلال المقالات التي كتبها في صحيفة الوطن . وقد بدأ موضحاً العقبات التي اعترت مطلب التوحيد وأرجعها إلى فريقين الشيوعيين وعبد الفتاح إبراهيم (ص15. من كتاب احزاب المعارضة العلنية في العراق )
• أشار إلى ان الفريق الأول ( الشيوعيين ) لا يقرون بضرورة الوحدة لعدم استطاعتهم تبرير انقسام الحركة الوطنية بتحليل علمي واقعي ، واتهمهم باصطناع الحجج باللجوء إلى شعارات لا تلائم ضرورات النضال الوطني . ومن ناحية أخرى رد عليهم مؤكداً وجود الاتفاق بين الكتل الوطنية والديمقراطية من ناحية النظرية والمناهج والعناصر التي تتألف منها.
• أما الفريق الثاني (جماعة عبد الفتاح إبراهيم ) فقد اتهمهم بعد تسليمهم بالضرورات الواقعية للتوحيد وذلك بما ينكرون من أسس علمية يقتضيها النضال الحزبي وعزا إليهم عدم موافقتهم على استمرار التنظيم السياسي واحتراف النضال الحزبي (جريدة الوطن العدد 4.1 في 3. آذار 1948) ..
• كما رد عزيز شريف على رأي الحزب الشيوعي في هذا الشأن والذي تجسد في قولهم بأن ( شعار الوحدة غير عملي ) قائلاً ( ان ذلك ينكر التطور التاريخي ) مبرراً ذلك باتفاق الأفراد على تكوينها بزيادة وعي الجماهير والتفافها حول هدف معين علمياً . (جريدة الوطن العدد 4.4 في 2 نيسان 1948)
• وفي مجالات التوحيد قد باءت بالفشل ولم تر النور لأسباب تتعلق بمواقف السلطة وبقادة الأحزاب.
الدعوة إلى الجبهة الوطنية
في المذكرة التي هنأ فيها فهد كلا من حزب الشعب والاتحاد الوطني والوطني الديمقراطي وعصبة مكافحة الصهيونية بمناسبة إجازتهم في نيسان 1946 طالبهم فيها بتأليف الجبهة الوطنية دون ان بهنيء أو يشير إلى حزب الاستقلال ( سعاد خيري من تاريخ الحركة الثورية المعاصرة في العراق ص 16.) كما يتضح ذلك من رسالة فهد التي بعثها إلى المسئول الأول في بغداد من سجن الكوت ( بعد سقوط صالح جبر 1948 ) والتي أشار فيها إلى وجوب التعاون مع حزبي الأحرار والوطني الديمقراطي ( على أساس جبهة انتخابية موحدة يستثنى منها حزب الاستقلال ) . اقرأ وثائق الحزب الشيوعي العراقي ( كتابات مختارة ) مؤلفات فهد سلسلة رقم 8 مطبعة الشعب بغداد 1973 ص18
وهنا يثور التساؤل حول الأسباب التي دعت الرفيق فهد كي يختار خط التعاون مع الوطني الديمقراطي بالرغم من الاختلاف الأيديولوجي ، ومع حزب الأحرار الذي لم يتبن نظرية سياسية لا قومية ولا اشتراكية . دون ان يتعاون مع حزب الاستقلال .
• ان شقة الصراع زادت بشكل عنيف أبان تطور القضية الفلسطينية إلى حالة الاستعداد البريطاني للانسحاب وتحول الموقف السوفيتي إلى تأييد أقامة وطن قومي لليهود عند ذاك بدأ حزب الاستقلال يوجه سهام هجومه إلى الأفكار الماركسية واضعاً برنامجاً لمكافحتها دون ان يقترن ذلك باتباع أساليب العنف ضد الشيوعيين .فأخذت جريدة لواء الاستقلال بنشر المقالات ضد الشيوعية والماركسية . اتهمت الجريدة الشيوعيين بأنهم عنصريون متعصبون لبلد غريب وبأنهم خطر لا يقل عن معاهدة بورتسموث ثم ربطت بين الشيوعية والصهيونية.
موقف الجادرجي من الجبهة الوطنية :
اختلف الجادرجي مع الحزب الشيوعي في موضوع إقامة الجبهة الوطنية الموحدة التي دعا إليها الحزب الشيوعي . فقد كان رأي الجادرجي حسب ما يذكر حسين جميل هو وجوب أن تضم الجبهة المقترحة جميع الأحزاب المعارضة ومن ضمنها الشيوعي وحزب الاستقلال ، في حين ان الشيوعيين في كثير من الأحيان عبروا عن عدم رغبتهم في ضم حزب الاستقلال إلى الجبهة. ومن الواضح ان الجادرجي كان يريد من ذلك خلق حالة من التوازن داخل الجبهة لمساومة كل منهما بالآخر في اتخاذ القرارات السياسية.
• من ناحية أخرى فأن علاقات من التعاون والإسناد كانت قد برزت فيما بينهما خلال الفترة منذ أجازة الأحزاب عام 1946 حتى تغير موقف الحزب الشيوعي من القضية الفلسطينية عام 1948
على ان هذا التعاون كان قد اتخذ صفة مرحلية وذلك عندما تتعرض الحركة الوطنية والعناصر التقدمية للإجراءات القمعية من قبل السلطة ولكن دون ان يضحي أي منهما بفلسفته التي يعتنقها.
• ففي مظاهرة 28 حزيران 1946 وقف الجادرجي وجريدته صوت الأهالي إلى جانب الشيوعيين واستنكر أعمال السلطة القمعية إزاءهم مما عرضه وصحيفته إلى المحاكم الجزائية. بالمقابل فقد تعددت زيارات فهد لدار الجادرجي عام 1946 محاولاً إقناعه بضرورة سحب حزبه من وزارة نوري السعيد التي اشترك فيها آنذاك بوزارة التموين التي شغلها محمد حديد. والتي أدى اشتراكه فيها إلى انفصام فيما بين أحزاب المعارضة التي أطاحت بوزارة سلفه أرشد العمري وخلق حملات هجومية من حزبي الشعب والاتحاد الوطني ضد الجادرجي والحزب الوطني الديمقراطي.
الدعوة إلى جبهة انتخابية
• في انتخابات عام 1948 بعد سقوط صالح جبر أوعز فهد من داخل سجن الكوت إلى أعضاء حزبه بضرورة التعاون مع الوطني الديمقراطي والأحرار على أساس جبهة انتخابية يستثنى منها حزب الاستقلال وطلب إليهم رفع شعار ( تأليف حكومة مؤقتة من حزبي الأحرار والوطني الديمقراطي أو منهما ومن عناصر نظيفة )على ان يكون شرط تأييدهم العمل على إطلاق سراح المعتقلين والمسجونين السياسيين والاعتراف بترشيح الشيوعيين في المناطق التي لهم فيها تفوق ساحق وأن يضموا أصواتهم لمرشحيهم وبالمقابل إعطاءهم أصواتهم في المناطق التي لا يوجد لهم فيها مرشحون.
• إن اندفاع الشيوعيين في التعاون مع الجادرجي جاء للأسباب التالية :
1) وقوف الحزب الوطني الديمقراطي إلى جانب الشيوعيين في مظاهرة 28 حزيران.
2) احتواء الحزب المذكور على عناصر ماركسية في بدايته وقبل تصفينهم.
3) امتلاك الجادرجي شخصية مميزة عن بقية رؤساء الأحزاب حيث ان فهد كان قد اختلف مع عزيز شريف وجماعة عبد الفتاح إبراهيم في الأسلوب والفكر بالإضافة إلى موقفه المناوئ لحزب الاستقلال.
4) من الجدير ذكره هنا ان فهد كان ينظر إلى الجادرجي وحزبه كشيئين لا ينفصلان ومن هنا تأتى أسباب اتصالاته بالجادرجي دون بقية أعضاء وقيادات الحزب الوطني الديمقراطي ، كما أشار إلى ذلك سالم عبيد النعمان في مقابلة مع الطالب الأكاديمي عادل غفوري في 1./6/ 1978
عرف الرفيق فهد دولة العراق في تقريره أمام كونفرس 1944 كما يلي:
( العراق بوصفه دولة ديمقراطية لا يملك من الديمقراطية سوى اسمها. فالشرطة والإدارة تتحكمان في القضاء ، ولهما كذلك سلطات جزائية ، إلا أنها تصدر أحكامها بصورة كيفية وبدون الالتفات إلى القوانين ، يساعدها في ذلك وجود القوانين الاستثنائية والمراسيم المناقضة لروح الدستور العراقي ، وكذلك ما يسمونه بقانون العشائر ، والمحاكم العرفية ، وحالات الطوارئ التي لم يخل العراق منها منذ سنوات عديدة مضت . فهذه الأساليب الشاذة المناقضة لروح الدستور العراقي ، والتي يستنكرها بحق شعبنا التواق للحرية ، جعلت حرية المواطن الشخصية غير مضمونة ، وحرماته منتهكة وأرائه وعقائده مهانة مداسة ، وأصبح يكفي لإرسال شخص إلى المعتقل وشاية شرطي أو العثور على جريدة شيوعية في حوزته .
أما مظاهر الديمقراطية الأخرى ، مثل حق المواطنين في تأليف الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات والنوادي فقد منعت عن المواطنين كما منعت حرية النشر والاجتماع ) .
أسئلة ضرورية تبقى ملحة داخل الحزب وحوله
السؤال الكبير المطروح امام الشيوعيين العراقيين قدامى ومعاصرين او تاركين هل كان الرفيق فهد ديمقراطيا .. هل كانت قيادته للحزب تمتلك المشروعية المعترف بها .. هل رسخ مباديء ديمقراطية في التنظيم الحزبي أم أنه رسخ مباديء ( المركزية الديمقراطية ) التي لا علاقة لها بالديمقراطية الحقيقية غير الإشارة و الاسم فقط كما اثبتت تجارب العالم الشيوعي .. وهل يمكن لاي باحث ان يتفادى دورفهد الفردي في قيادة الحزب ..؟
راودني هذا السؤال بعد ان انهيت قراءة جزءين من محاولات جادة قام بها عزيز سباهي لتدوين تاريخ الحزب الشيوعي العراقي وبعد قراءة العديد من المذكرات كتبها بهاء الدين نوري وصالح دكلة وزكي خيري كما انهيت كتاب الدكتور كاظم حبيب والدكتور زهدي الداوودي عن حياة ودور يوسف سلمان يوسف فهد في الحركة الوطنية العراقية . وهي جميعها وثائق هامة أكثر التصاقا بتجارب الحزب المتنوعة لأنها بالأساس صادرة عن مراقبي الأحداث الشيوعية والوطنية وبعضهم كان من صانعي بعض قراراتها مما يمهد السبيل مستقبلا الى ملاحظة واقع تاريخ الحزب الشيوعي العراقي وتاريخ تأسيسه ومؤسسه لكي يكون الحزب قادرا في هذه المرحلة على تجاوز تحديات الديمقراطية بالانفتاح وليس بالانغلاق مما يتطلب شجاعة شخصية وحسن بصيرة وافق رؤية من قادته الحاليين بالذات .
يتعين النظر الى هذه الأسئلة بجدية تامة وعدم التردد إزاء فرضيات معينة قد تنشا من محاولة الإجابة عليها خاصة بعد ان انتشرت داخل الحزب الشيوعي العراقي منذ عام 1993 تحديدا ثقافة السوسيولوجيا الديمقراطية التي من المفروض ان تنبذ كل شكل من أشكال تقديس القيادة الفردية التي كان من نتائجها الخطيرة انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية، التي كان السبب الرئيسي لانهيارها هو تحللها من الداخل بسبب هيمنة القيادات الفردية على أحزابها الشيوعية .
ان ما هو ضروري أمام الشيوعيين العراقيين ترسيخ التفكير والعمل بمبادئ الديمقراطية الحزبية الداخلية وعدم تجاهل التطور العالمي الذي اختبرته خلال العقدين الماضيين الكثير من الأحزاب الشيوعية العالمية بل حتى نجاحات الأحزاب البورجوازية أيضا مما يقتضي دراسة إسقاطاتها غير المباشرة على حزب الشيوعيين العراقيين .
خلال فترة ما بعد المؤتمر الوطني السابع للحزب الشيوعي العراقي بدأت تأتي تأثيرات الديمقراطية من خارج الحزب اكثر مما من داخله وليس في هذا الامر اية إشكالية لكن الاشكالية الحقيقية التي يمكن ان يواجهها الحزب هو كيفية التصميم على الاطاحة التامة بكل شكل من اشكال القيادة الفردية والتجاوز على مباديء الديمقراطية الداخلية .
كانت محاولة حبيب – زهدي تحمل دليلا لا يقبل الشك ان دور المثقفين الشيوعيين هو دور محوري في عملية اندماج الثقافة بالتجارب الحزبية السياسية وبلورتها ، فقد اكد كتابهما المشترك عن فهد قيمة قياسية تقع في صلب العملية الديمقراطية التي يريد برنامج الحزب الشيوعي الجديد تأكيد ممارستها داخل تنظيماته وداخل الحركة الوطنية . هذا يعني القاء مهمة ضرورية وكبرى على عاتق الحزب الشيوعي بالنظر إلى دور المثقفين المرتبطين نظرة مبدئية وليس نظرة هامشية فقد برزت تجارب ونظرات عالمية عديدة تؤكد وتؤيد ان اهم عناصر نشر الديمقراطية داخل الأحزاب الشيوعية هو الاستدلال على القوى الثقافية أكثر من الاستدلال بغيرهم لأنهم أكثر تعلقا بنشر الديمقراطية . ان المثقفين يمكنهم ان يقدموا بلورة ناصعة لافكار الديمقراطية وتجاربها بإمكانهم ان يصوروا بثقافاتهم السياسية السائدة صورة المجتمع المدني ومؤسساته ومزاياه الاقتصادية وجميع مواثيقه .
تلك هي بعض الصفحات المشرقة التي تكتظ بها موسوعة المناضلين الشيوعيين في العراق التي تركت نسخا منها في كل زاوية من زوايا المدن العراقية وداخل كل ذاكرة من الذين ارتادوا في صفوف الحزب الشيوعي وقد ضم حشدهم ساحة النضال من اجل الديمقراطية حتى هذه الساعة . سيبقى مريدو الحرية والديمقراطية من أعضاء الحزب الشيوعي يتابعون نشاطهم اليومي ويوجهون مساعيهم الكبرى عبر طقس المصافحة مع جميع الوطنيين والديمقراطيين والمثقفين في نفس مسالك النضال الذي بدءوه قبل ثلاثة وسبعين عاما مرهونا بجهادهم الثر وبتضحياتهم السامية من أجل وطن حر وشعب سعيد ..
بصرة لاهاي في 28 – 3 – 2007







اخر الافلام

.. العاهل السعودي والرئيس العراقي يبحثان تعزيز التعاون الثنائي


.. اليوم العالمي للإحتفاء بذكرى ضحايا الحوادث المرورية


.. رعاية الجدين للطفل تزيد المخاطر على صحته




.. الرئيس العراقي يختتم جولته الإقليمية بالرياض


.. معرض للروبوت في الأردن يدعم المبتكرين الشبان