الحوار المتمدن - موبايل



حسن حنفي والقراءة الفينومينولوجية للتراث الديني

أشرف حسن منصور

2006 / 12 / 31
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


يتمثل التطبيق العربى المعاصر للمنهج الفينومينولوجى فى مشروع حسن حنفى ” التراث والتجديد “. ويتضح هذا المنهج لديه فى تناوله للعلمين الأساسيين فى التراث العربى الإسلامى: علم أصول الفقه، وعلم أصول الدين. تناول حنفى علم أصول الفقه فى الجزء الأول من رسالته للدكتوراه ” مناهج التفسير: دراسة فى علم أصول الفقه “ سنة 1965، وتناول علم أصول الدين فى كتابه ” من العقيدة إلى الثورة - محاولة لإعادة بناء علم أصول الدين “ سنة 1988. وينتمى تطبيق حنفى للمنهج الفينومينولوجى إلى ” فينومينولوجيا الدين “ وإلى ” فينومينولوجيا الوعى التاريخى “ التى ينظر إليها على أنها ” فينومينولوجيا الحضارات المقارنة “.
ولأن الهدف الأساسى لهذا المقال هو الكشف عن الملامح الهيجلية والملامح الهوسرلية لتطبيقات المنهج الفينومينولوجى ورصدها والتمييز بينها بدقة لدى حسن حنفي الذي تكشف تطبيقاته عن التوتر والتحرك بحرية وأحياناً المزج بين الممارسة الهيجلية والممارسة الهوسرلية للفينومينولوجيا، فقد رأينا أن الدراسة لن تكتمل دون تناول مشروع حسن حنفى كله، إذ لاحظنا على ممارسة حنفى للفينومينولوجيا نفس ذلك التواجد المتوازى للطابع الهيجلى والطابع الهوسرلى للفينومينولوجيا.
وفى استخدامه للفينومينولوجيا يستمر حنفى فى التوسع فى الشكل الذى انتهت إليه فينومينولوجيا هوسرل فى ” أزمة العلوم الأوروبية “، أى بعد أن وسعها هوسرل حتى تشمل موضوعات الوعى التاريخى والأزمة الروحية للغرب وانعكاسها على علومه. مشروع حسن حنفى إذن هو فينومينولوجا لأزمة علوم التراث العربية باعتبارها كاشفة عن الأزمة الحضارية للمسلمين فى مقابل فينومينولوجيا أزمة العلوم الأوروبية عند هوسرل. إن تعامل هوسرل مع المنهج الفينومينولوجى لدراسة موضوعات تاريخية ولتشخيص الأزمة الروحية للغرب الأوروبى اضطرته لأن يتبنى مقولات هيجلية سبق ظهورها فى
” فينومينولوجيا الروح “، وتوصلنا إلى أن هوسرل قد انقلب إلى فيلسوف هيجلى فى ” أزمة العلوم الأوروبية “ متبنياً نزعة هيجل التاريخية ومفهومه عن المطلق وعن الذاتية المتبادلة بين الذوات باعتبارها روحاً مطلقاً. ونستطيع القول أن حسن حنفى هو الآخر يتبنى الفينومينولوجيا الهوسرلية بعد ذلك الانقلاب الهيجلى لهوسرل.
فإذا استعرضنا مشروع حسن حنفى ابتداءً من رسالة الدكتوراه فى الستينيات مروراً بأعماله فى السبعينيات وحتى ” من العقيدة إلى الثورة “ فى الثمانينيات نلاحظ أن منهجيته الفينومينولوجية تمزج بين الملامح الهوسرلية والملامح الهيجلية. وهذه الملامح الهيجلية جعلته يتبنى تطوير فويرباخ لفينومينولوجيا هيجل وخاصة لتحليل هيجل للوعى الشكى فى صورة فينومينولوجيا للوعى الدينى المغترب فى ” جوهر المسيحية “. ولذلك نراه فى ” من العقيدة إلى الثورة “ يمارس رداً لمباحث علم أصول الدين إلى الوعى الإنسانى، بعد أن كان الوعى الإلهى هو المسيطر على المصنفات القديمة فى ذلك العلم، مع استخدامه لطريقة تحليل الوعى الدينى باعتباره وعياً مغترباً الذى هو فى حقيقته وعى إنسانى ملحق بالإله. فما يحكم منهجية حسن حنفى تقنيته فينومينولوجية هوسرلية تمكنه من التعامل مع علوم التراث على أنها كاشفة عن أشكال فى الوعى، وذلك كله فى إطار أوسع يتعدى نطاق فينومينولوجيا هوسرل يستخدم فيه مقولات وتقنية نقد الوعى الدينى المغترب الظاهرة فى الفينومينولوجيا الهيجلية - الفويرباخية.
أولاً - القراءة الفينومينولوجية لعلم أصول الفقه :
يستند علم أصول الفقه على القرآن والسنة، ويتأسسان فى وعى الراوى عن طريق منهجين: منهج النقل المكتوب فى حالة القرآن، ومنهج النقل الشفاهى فى حالة السنة. ولكن قبل أن يبدأ حسن حنفى فى تحليل هذين المنهجين يتناول واقعة الوحى، ويذهب إلى أن الوحى هو المسلمة الأساسية فى كل علوم التراث. ويعامل الوحى على أنه وعى خالص أو قبلى تاريخى مستخدماً تعبير هوسرل( ).
ويتأسس علم أصول الفقه فى وعى الفقيه بناءً على أشكال ثلاثة من الوعى: الوعى التاريخى، والوعى النظرى وينطوى تحته الوعى اللغوى، ثم أخيراً الوعى العملى. وهذه الأشكال الثلاثة تعبر عن أشكال الزمان الثلاثة؛ فالوعى التاريخى يعبر عن الوعى بالماضى، والوعى النظرى يعبر عن الوعى بالحاضر، والوعى العملى يعبر عن الوعى بالمستقبل( ). أى أن الفقيه توجهه ثلاثة اعتبارات زمانية فى بحثه عن علمه هى الماضى والحاضر والمستقبل. وقد نجح حسن حنفى بذلك فى تطبيق تحليلات هوسرل للوعى بالزمان الداخلى وكيفية تأسيسه للموضوعية على مجال الفقه وأوضح كيفية إنبناء أقسام أصول الفقه انطلاقاً من الأشكال الأساسية للوعى التى ترجع بدورها إلى الوعى بالزمان.
1 - الوعى التاريخى :
وما يبرر القول بأن رواية القرآن والسنة تكشف عن الوعى التاريخى أن مناهج الرواية فى الحالتين تأخذ فى اعتبارها الزمان الماضى، حيث قد تم نزول الوحى وكتابة آيات القرآن ونقل أحاديث الرسول فى لحظة ماضية من الزمان، ويكون ضمان صحة القرآن والسنة بحثاً فى كيفية انتقال هذين النصين كتابة وشفاهة عبر الأفراد والأجيال.
وإذا كان القرآن والسنة يعبران عن الوحى المكتوب، فإن الأصلان الآخران لأصول الفقه وهما الإجماع والقياس يعبران عن الوحى الحى( ). ويؤول حسن حنفى الإجماع على أنه ذاتية متبادلة بين الذوات Intersubjectivity مضيفاً بذلك بعداً فينومينولوجياً جديداً لقراءته لأصول الفقه( )، ذاهباً إلى أن اعتماد الفقه للإجماع كأصل بعد القرآن والسنة تعبير عن العصمة( ) (لا تجتمع الأمة على باطل) وعلى إمكانية تعبير المجتمع عن الحقيقة بعد انقطاع الوحى، إذ تستمر الأمة باعتبارها وحياً حياً بعد انتهاء الوحى المكتوب.
أما القياس فهو يعبر عن العقل الفردى بعد أن كان الإجماع معبراً عن العقل الجمعى. ويتوسع حسن حنفى فى تحليل القياس ذاهباً إلى أنه يكشف عن الخبرة الفردية، أى خبرة الفقيه بأحداث مجتمعه وظروفه، وعن العقلانية الطوعية أو التلقائية التى تستجيب للظروف الجديدة وغير المسبوقة بأن تحاول إيجاد فهم جديد للنص من خلال الواقع المستجد( )، وتأخذ فى الاعتبار الواقع الحالى للأشياء والظروف المستجدة التى تفرض فهماً جديداً للنص( ).
كما تكشف الأدلة الأربعة عن أربعة أنواع من الخبرة: الخبرة اللاشخصية فى حالة القرآن L experience anonyme على أساس أن الوحى رسالة للناس كافة لا لشخص بعينه أو لأمة بعينها( )، والخبرة المتميزة أو الصفوية L experience privilegiee فى حالة السنة، حيث أن مستقبلى السنة الأوائل كانوا هم الصحابة وحيث إنها صادرة عن الرسول الذى هو الشخص المصطفى من بين الناس لتلقى الوحى وتبليغه( )، هذا بالإضافة إلى أن السنة قد انتقلت على أيدى أناس ينظر لهم على أنهم الصفوة أى التابعين وأهل البيت، والخبرة البينذاتية فى حالة الإجماع L experience intersubjective، وقد سبق الإشارة إليها، وأخيراً الخبرة الفردية فى حالة القياس L experience individuelle من حيث تعبيرها عن العقل الفردى؛ ولما كان القياس يستخدم مباحث لغوية منطقية لفهم النص وذلك فى إطار المصلحة ومقاصد الشرع الخمسة: الدين والنفس والعقل والنسل والمال، فإنه يمثل اتحاد الوعى التاريخى والوعى التأملى أو النظرى( ) La conscience eidétique، بناء على انتماء مباحث اللغة والمنطق إلى مجال النظر، كما أنه يمثل نقطة النهاية بالنسبة للوعى التاريخى ونقطة البداية بالنسبة للوعى التأملى.
2 - الوعى التأملى :
يتعامل الوعى التأملى مع الوحى المنطوق (القرآن) والوحى الشفاهى (السنة)، ولما كان هذا الوحى موضوعاً فى صورة لغة فإن أول ما يتعامل معه الوعى التأملى هو الألفاظ من حيث تراكيبها اللغوية. وبعد فهم التركيب اللغوى للألفاظ يتم البحث فى معانيها. واهتمام علم أصول الفقه يكون بالنصوص المنطوية على حكم، وبالتالى يتم التعامل مع النص من جهة كونه معقولاً أو متضمناً استدلالاً وعللاً، وهنا ينشا مبحث العلل.
وبناءً على المنطق الداخلى لكل مبحث تنقسم موضوعاته وتتطور، وذلك حسب قسمة عقلية فى الوعى التأملى للفقيه؛ فينقسم مبحث الألفاظ إلى الأسماء، والأسماء إلى إصطلاحية وتوفيقية( )، أما مبحث المعانى فيقسم الكلام إلى ما يدل وما لا يدل، وما يدل فإنه إما يدل على معنى ظاهر أو معنى مؤول، أو أمر أو نهى، أو عام وخاص. وأما مبحث العلة فإنه يتمثل فى القياس، ويكون القياس فى أربعة أركان: الأصل والفرع والعلة والحكم( ). ويذهب حنفى إلى أن مباحث الألفاظ والمعانى والعلل قد تطورت إلى منطق خالص وابتعدت عن الأحكام، وذلك يرجع إلى أنها نشأت أساساً انطلاقاً من الوعى التأملى، فأدى الاستمرار فى المنطق الداخلى لكل مبحث إلى تحوله إلى مبحث تأملى خالص وهو المنطق الخالص. كذلك تكشف هذه المباحث عما يميز كل وعى تأملى بوجه عام وفى كل حضارة مثل ” منهج البداية الأولى والقسمة العقلية التى تقوم باحتواء الموضوع كله وتحديد بنائه ومعرفة احتمالاته ورصد المواقف كلها ... مما يدل على التوحيد بين العقل وموضوعه حيث تكون خطوات المنهج هى ذاتها بناء الموضوع “( ). ويكشف حنفى بذلك لا عن قراءته الفينومينولوجية لعلم أصول الفقه كما لو أن الفينومينولوجيا منهج غريب
على موضوع الدراسة ومطبق عليه من الخارج بل عن أن ذلك العلم يكشف فى داخله عن الوعى بالمعنى الفينومينولوجى، أى الوعى باعتباره خبرة حية معاشة. ذلك لأنه يرصد بدقة الاتحاد بين فعل الوعى noesis وموضوعه noema وكيفية بناء فعل الوعى لموضوعه كما يذهب هوسرل. وحنفى بذلك يثبت صحة نتائج فينومينولوجيا هوسرل باكتشافها من داخل علم أصول الفقه.
3 - الوعى العملى :
هو اتحاد الوعى التاريخى بالوعى التأملى، إذ بعد أن أثبت الوعى التاريخى صحة النص، وفهم الوعى التأملى النص من حيث اللغة والتراكيب والمعنى، ينتهى الوعى العملى باستنباط الأحكام الشرعية من النص( ). وينظر حسن حنفى إلى مبحث الأحكام الشرعية على أنه نظرية فى العقل العملى، ويمارس رداً لموضوعاته إلى موضوعات أخلاقية ظهرت فى علم الأخلاق فى الفلسفة الغربية. ففعل الحكم ذاته آتٍ من الوحى وهو حكم الشارع، ويصفه حنفى على أنه فعل خالص فى وضع الحكم L acte positionnel؛ ويشمل حكم الشارع خمسة اعتبارات أو أسباب أو غايات: السبب الغائى La raison finale، والسبب الكافى La raison suffisante، والسبب المادى La raison materielle، والسبب حسب الكفاية La raison efficiente، والسبب الصورى La raison formelle( ). أما المحكوم فيه فيضم عدداً من الأحكام منها الغرض الذى هو فعل فردى ضرورى( ). والمباح الذى هو فعل متعادل Act neuter أى الذى لا يترتب على القيام به أو تركه أية عواقب، والواجب الذى هو فعل إيجابى ضرورى Act positif necessaire. والمكروه الذى هو فعل سلبى ممكن Act negative possible، أى أنه من الممكن القيام به ولا يتبعه عقوبة لكنه مكروه أى سلبى.
أما مقاصد الشارع الأربعة فهى: وضع الشريعة ابتداءً، ويفسرها حنفى على أنها قصدية كلية نحو الحياة، حيث أن الهدف من تنزيل الشريعة استقامة الحياة الإنسانية( )، ووضع الشريعة للإفهام وهى قصدية كلية نحو العقل L intention universelle posee pour la raison، ووضع الشريعة للتكليف التى هى قصدية كلية نحو توجه الفعل الإنسانى Pour l action، ووضع الشريعة للامتثال، أى الامتثال لما هو موضوعى ثابت والبعد عن الهوى وهى قصدية كلية نحو رسالة الإنسان فى الحياة Pour la vocation.
يمارس حسن حنفي طريقة نقل الدلالة في دراسته لعلم أصول الفقه، بحيث يترجم مباحث هذا العلم الأساسية والفرعية إلى لغة الفلسفة الحديثة، وفي النهاية نرى أمامنا الفقه الإسلامي وقد تحول إلى فلسفة في العقل أو ابستمولوجيا، وفلسفة أخلاقية عملية تضاهي المذاهب الأخلاقية الغربية، وذلك بعد أن أعاد تأويل الوحي باعتباره وعيا خالصا والسنة باعتبارها وحيا عمليا والإجماع عقدا اجتماعيا وذاتية متبادلة بين الذوات والقياس عقلانية استدلالية.
وقد لفت نظري في مشروع حسن حنفي مجموعة من المصطلحات التي لم أدرك أنها تشكل ثنائيات متقابلة إلا في نهاية الدراسة، وذلك مثل العلم المقلوب الذي يعد تعبيرا عن الوعي القلوب، والتشكل الكاذب الذي يعد نقيض مفهوم نقل الدلالة. لكن ألا يعد الفقه الإسلامي كما تعامل معه حنفي تشكلا كاذبا في شكله التراثي التقليدي عمل على أن يضفي على الأخلاق طابعا عقائديا؟ إن حسن حنفي ينزع عن الفقه الإسلامي طابعه التراثي ويضفي عليه دلالات عقلانية، وإذا كانت هذه الدلالات العقلانية هي جوهره الحقيقي، فهل يكون شكله التراثي تشكلا كاذبا له؟ الحقيقة أنني وجدت إجابة على هذا السؤال بالإيجاب في كتاب "من العقيدة إلى الثورة".

ثانياً - النقد الفينومينولوجى لعلم أصول الدين :
إذا كانت المنهجية الهوسرلية هى الظاهرة بوضوح فى قراءة حسن حنفى الفينومينولوجية لعلم أصول الفقه، فإن المنهجية الهيجلية - الفويرباخية هى المسيطرة فى نقده الفينومينولوجى لعلم أصول الدين؛ إذ يتعامل حنفى مع هذا العلم باعتباره ” المخزون النفسى لدى الجماهير “( ). هذا المخزون النفسى هو مخزون فى الوعى الجماهيرى، ويأخذ حنفى الوعى الجماهيرى باعتباره معطى محللاً له أو قالباً له من المضمون اللاهوتى إلى مضمون آخر إنسانى وتحررى. هذا النوع من الفينومينولوجيا القائمة على أنسنة اللاهوت لا ترجع إلى هوسرل بل إلى ممارسة هيجل وفويرباخ للنقد الدينى وخاصة إلى معالجة هيجل للوعى الشقى Unhappy consciousness فى ” فينومينولوجيا الروح “ ومعالجة فويرباخ للوعى الدينى المغترب فى ” جوهر المسيحية “.
يريد حنفى القضاء على الإزدواجية ” وفصام الشخصية الوطنية بين الحركة الدينية المحافظة والحركة النقدية العلمانية “. وهذه الرغبة هى التى تحكم اختياره وممارسته للمنهج الفينومينولوجى، إذ أنه يستعيد الإطار الهوسرلى للفينومينولوجيا والمضمون الهيجلى - الفويرباخى لها. فالإطار الهوسرلى هو الذى يمكنه من التعامل مع علوم الدين باعتبارها كاشفة عن ثلاثة أنماط من الوعى، التاريخى والنظرى والعملى، وبذلك يحفظ للتراث أصالته بتحذيره فى الوعى الإنسانى، والمضمون الهيجلى - الفويرباخى هو الذى يتيح له إعادة ملء أنماط الوعى هذه بدلالات ثورية تحررية. وفينومينولوجيا هوسرل وحدها لا تستطيع أن تخدم حنفى فى عملية نقل الدلالة Transposition التى يمارسها على علوم الدين من اللاهوتى إلى الإنسانى، ولذلك كان عليه الاستعانة بمنهجية هيجلية - فويرباخية فى نقد الوعى الدينى مستخدماً مقولات الوعى الشقى والاغتراب الدينى.
يكشف حنفى عن أن المضمون اللاهوتى لعلم أصول الدين لدى القدماء ينتهى إلى السلبية باكتشاف الذات لعجزها عن معرفة الكائن المطلق، وكذلك إلى تحولها من الاستسلام للسلطان الإلهى إلى الاستسلام للسلطان الدنيوى. وبعد التوجه إلى الله يجد العالم الأصولى نفسه يتوجه إلى السلطان. ويقلب حنفى هذا المضمون الإلهى إلى مضمون إنسانى تحررى، ويقول:
” لكن هذه المعطيات المسبقة (معرفة الحق والباطل، الصواب والخطأ، والمعرفة النظرية ) تنبع من طبيعة العقل، ويدركها الشعور بحدسه، وليست فعلاً لكائن خارجى مشخص، يفعل مباشرة أو بطريق غير مباشر من خلال الإنسان. ولا يمكن التسليم بشئ على أنه حق ما لم يعرض على العقل ويثبت فى الواقع أنه كذلك “( ). والحقيقة أن هذه المقولة تنسف علم
أصول الدين من أساسه باعتباره علماً للاهوت، لكن يحتفظ حنفى ببناء العلم مؤولاً مضمونه تأويلاً إنسانياً تحررياً قادراً على إيقاظ وعى الجماهير.
يمكن أن يكون حنفى ممارساً لتقنية ” قلب النظرة من الخارج إلى الداخل “ المعروفة عن هوسرل، ويظهر ذلك فى قلبه للنظرة من الإله إلى الأمة ” فالله والأمة واجهتان لشئ واحد بنص القرآن “( )، وفى تأويله لوحدانية الله على أنها توحيد للأمة، إلا أن ذلك يحدث من حيث الشكل فقط، أى من حيث بناء العلم، أما من حيث مضمون هذا القلب فهو مضمون ناقد لعلم الكلام باعتباره لاهوتاً يمارس منهجية النقد المحطم للأصنام defetishizing critique الظاهرة لدى ممارسة هيجل وفويرباخ للفينومينولوجيا. فقلب النظرة عند هوسرل كانت من المادة إلى الروح، ومن التجريبى إلى العقلى، أما قلب النظرة من الإله إلى الإنسان فكانت من عمل هيجل وفويرباخ.
1 - المقدمات النظرية أو نظرية العقل :
إن تأصيل حنفى لعلم أصول الدين يرده إلى الفلسفة تحقيقاً لمشروعه فى رد الإلهيات إلى الإنسانيات، واستكمالاً للاتجاه الذى بدأه فلاسفة الإسلام فى تطوير مباحث علم الكلام إلى مباحث الفلسفة، ذلك الاتجاه الذى تعرض للتوقف ثم التقهقر مرة أخرى إلى الإلهيات بعد سيطرة الأشعرية( ). وبالتالى يجعل حنفى مبحث الواجب ميتافيزيقا للوجود( )، ومبحث الأعراض فينومينولوجيا الوجود( )، ومبحث الجواهر أنطولوجيا للوجود. إنه إذا يضع ميتافيزيقا وفينومينولوجيا وأنطولوجيا فى مكان الواجب والأعراض والجواهر. ويعبر حنفى عن هدفه من هذا الرد بقوله: ” فإذا كان مسار علم الكلام التقليدى وتطوره فى التاريخ يثبت أن النظرية العقلية تطغى على الموضوع الإلهى أو أن الأساس العقلى يبتلع تدريجياً الموضوع نفسه فإننا بتطوير علم الكلام لمرحلة أخرى نصل إلى صياغة نظرية عقلية شاملة تتلاشى فيها الموضوعات الإلهية حتى يصبح علم الكلام علماً عقلياً خالصاً “( ). والحقيقة أن ما يبرر التطوير القديم لعلم الكلام إلى الفلسفة واستكمال حنفى لهذا الاتجاه الذى توقف هو أن علم الكلام ليس إلا نظرية عقلية إنسانية يحتل فيها الإله مكان الإنسان، والوعى الإلهى مكان الوعى الإنسانى وتصعيداً وتأليهاً لموضوعات إنسانية ولأشكال إنسانية فى الوعى. فما يمكن حنفى من هذا التحويل كون علم الكلام كاشفاً عن وعى دينى مغترب.
وبعد أن يحول حنفى نظرية العلم لدى علم أصول الفقه إلى نظرية فى العقل، ومباحث الواجب والأعراض، يتساءل هل نظريتا العقل والوجود كافيتان لإقامة العلم ؟ ويجيب بقوله أنهما فى حاجة إلى نظرية فى الشعور (الوعى) باعتبار أن العقل هو الجانب الفاعل للشعور، والوجود هو الجانب الوجودى للشعور( ). وها تطغى منهجية هوسرل، ذلك لأن نظرية العقل باعتبارها الجانب العاقل تناظر فعل الوعى لدى هوسرل noesis ونظرية الوجود باعتبارها الجانب الوجودى أو وعى الشعور بوجوده تناظر مضمون الوعى noema, لكن تعود المنهجية الهيجلية - الفويرباخية للظهور من داخل هذا الإطار الهوسرلى بتحويل حنفى نظرية العلم من نظرية تعبر عن تصور دينى إيمانى للعالم إلى تحليل عقلى خالص يكشف عن البناء الشعورى للموضوع (noesis)، وتحويله نظرية الوجود من تنظير للوجود الإلهى مسيطراً عليها القسمة التقليدية بين قطب موجب وآخر سالب، أولهما إلهى والثانى إنسانى - طبيعى، إلى تنظير للخبرات الشعورية بالعالم (noema) منحياً الإلهيات جانباً. ونلاحظ هنا تداخلاً ومزجاً تذوب فيه الأبعاد الهوسرلية والهيجلية - الفويرباخية للفينومينولوجيا، حيث أن تحويل علم الكلام من الإلهيات إلى الإنسانيات يحتوى على تحويلين: تحويل على مستوى الشكل وتغلب عليه المنهجية الهوسرلية، وتحويل على مستوى المضمون، أى مضمون هذا التحويل نفسه نحو العقلى - الإنسانى وتغلب عليه المنهجية الهيجلية - الفويرباخية، ذلك لأن علم الكلام الجديد بعد أن يتحول إلى نظرية فى العقل ونظرية فى الوجود ونظرية فى الشعور سوف يحتوى على المضمون الإنسان التحررى الذى هو ثمرة منهجية تحليل الوعى الدينى المغترب.
2 - التوحيد أو الإنسان الكامل :
يؤول حنفى مبحث التوحيد فى علم أصول الدين باعتباره نظرية فى الإنسان الكامل، ذاهباً إلى أن ما ألحقه المتكلمون بالإله من ذات وصفات هى فى حقيقتها الذات الإنسانية وصفاتها، وبذلك يكون سعى القدماء نحو التوحيد هو سعى مغترب نحو نموذج للإنسان الكامل مشخصاً على أنه الإله( ). ويشمل التوحيد البراهين على وجود الله والذات والصفات. ويذهب حنفى إلى أن الوعى بوجود الإله هو وعى خالص، ولما كان الإله تعبيراً عن الإنسان الكامل فإن براهين وجود الله تعد براهين لوجود الوعى الخالص. أما أوصاف الله وهى القدم والبقاء والمخالفة للحوادث والقيام بالنفس والتوحيد فهى كلها مقولات إنسانية وخبرات حية معاشة ملحقة بالإله. فالقدم ليس صفة لكائن متعال غير منظور بل هو مقولة إنسانية تعبر عن الأقدمية والأسبقية والأحقية والاستحقاقية والشرف، وهو كذلك العمق التاريخى للبشرية
و ” وعى الإنسان بالزمان باعتباره وعياً تاريخياً “( ).
أما البقاء فهو تعبير عن رغبة الإنسان فى الخلود والاستمرار فى المستقبل، وعن خبرة معاشة فى حياة الإنسان وهى بقاء الفكر بعد موت صاحبه، وبقاء الذكريات فى وعى الآخرين، وبقاء الأبطال فى خيال وشعور الناس، وبقاء الأعمال الصالحة والخير والرزق والصلاح( ). أما المخالفة للحوادث فهى تعبير عن رغبة الإنسان فى الارتفاع عن كل ما هو زائل وعارض ومادى وفاسد، وينتهى القول بالمخالفة للحوادث إلى التأليه( )، وتأليه الأشخاص دليل آخر على أن صفات الله هى فى حقيقتها صفات الإنسان الكامل الذى يعد النموذج المثالى الذى من أجله أله الناس بعض الأشخاص. أما القيام بالنفس فهو الآخر تعبير عن رغبة الإنسان فى الاستقلال عن الحوادث واكتفاءه منها وعدم اعتماده عليها فى وجوده( ). وأما التوحيد فهو عملية وليس وصفاً لشئ قائم، عملية تهدف تحقيق الوحدانية فى النفس والشعور والشخصية والمجتمع، والوحدانية فى المجتمع تعنى ” مجتمعاً بلا طبقات أو الوحدانية فى الإنسانية ... التوحيد فعل من أفعال الشعور يظهر فيها الشعور ذاته من حيث هو شعور متوحد “( ). وتعبر ” لا إله إلا الله “ عن فعل سالب وفعل موجب، الفعل السالب ” هو تطهير الموضوع من صياغاته الزمانية والمكانية، والفعل الموجب هو الوقوف عند إحدى هذه الصياغات باعتبارها تعبيراً عن فعل الشعور الموجب “( ). ويعبر الفعل السالب والفعل الموجب عن معنى نظرى للشعور، أما المعنى العملى فهو ” تحرر الشعور الإنسانى من كل القيود الاجتماعية والسياسية والمادية “( ).
وينظر حنفى إلى الصفات على أنها وعى متعين، ذلك لأنها تتصف بالفاعلية والامتلاء العينى فى مقابل أوصاف الذات المجردة. أما العلم فهو علم بالذات أى الوعى الذاتى( )، والقدرة هى الوعى العملى باعتباره تالياً على العلم الذى هو الوعى النظرى، وهو تعبير عن الرغبة فى تجاوز المستحيل وفى الفعل الإنسانى الشامل فى الطبيعة، والحياة هى الحياة الدنيا وحياة الناس، والسمع والبصر ما هى إلا صفات إنسانية بحته مرفوعة، وملحقة بالإله( )، والكلام معنى فى الشعور الإنسانى وليس صفة للذات الإلهية، والكلام هو القدرة الكلية على الكلام وهى صفة للبشر، لأن الإله لا يمكن أن يتكلم لغة البشر( ). والإرادة .... مع سبق فكر وتردد وهو ما لا يمكن إلحاقه بالإله، وهى أيضاً صفة للكمال تنفى عن الذات الأهواء والميول والرغبات والتحيزات والمحاباه( ).
3 - العدل أو الإنسان المتعين :
يحول حنفى مبحث العدل فى علم أصول الدين من مبحث فى الإلهيات إلى مبحث فى الإنسانيات، من منطلق أن العدل هدف إنسانى بصفة أساسية( ). فكلما اختفى العدل من حياة الناس أضفى الفكر صفة العدل على الإله وبذلك يجعلها مفارقة، ويصبح الإله وحده هو العادل وهو القادر على تحقيق العدل. لكن العدل فى النهاية هدف إنسانى يجب تحقيقه فى الدنيا، وهو واجب فردى واجتماعى ملزم للجميع؛ البشر وحدهم يستطيعون تحقيق العدل، فهو ليس صفة لكائن مفارق بل صفة للحياة الإنسانية.
ويشمل مبحث العدل موضوعات خلق الأفعال والحسن والقبح( ). ويضم خلق الأفعال موضوعات الجبر والكسب والحرية والتوليد. ويتناول حنفى تلك الموضوعات من زاويتين: أفعال الشعور الداخلية التى تتحدد بالحرية والمسئولية، وأفعال الشعور الخارجية التى إما أن تنكر الحرية وتقول بالجبر، أو تعتبر بمعوقات الفعل الإنسانى الخارجى والمادية وبالتالى تقول بالتوليد( ). أما الحسن والقبح فيصدران عن العقل الغائى.
4 - النبوة والمعاد أو التاريخ العام :
ويتضمن هذا الجزء تحويل تاريخ الرسل والأنبياء إلى تاريخ إنسانى، مع القول بأن النبوة وسيلة وليست غاية( )، وأن اكتمال النبوة يعنى انتهائها وبالتالى إعطاء الإنسان ثقة بالنفس وفرصة للفعل. فاكتمالها معناه أن تربية الوحى للبشر وقيادته لهم قد انتهت وأن البشر قد وصلوا إلى سن الرشد وإلى العقل ويمكنهم الاستمرار فى حياتهم دون الاعتماد على أى مصدر مفارق لحياتهم المعاشة. أما المعاد فهو تعبير عن مستقبل الإنسانية، هو اليوتوبيا التى تأمل فى أن يكون نهاية تطور الإنسانية إلى السعادة والنعيم والراحة. فالجنة يمكن تحقيقها على الأرض وفى هذا العالم، لكن الوعى الدينى المغترب يقذف بها إلى العالم الآخر بعد نهاية الزمان.
5 - الإيمان والعمل والإمامة، أو التاريخ المتعين :
وهى موضوعات إنسانية صرف تبتعد عن الإلهيات وتدخل فى صميم الإنسانيات ويعبر الإيمان والعمل عن أبعاد الشعور الأربعة: الفكر والقول والوجدان والعمل. وعندما يكون الإيمان موضوعاً للشعور يكون مضمونه الإيمان بالله والكتب والرسل واليوم الآخر( ). أما الإمامة وما يتفرع عنها من موضوعات مثل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وخلع الإمام أو الخروج عليه فهى نظرية فى الحكم والثورة، تعطى للإثنين شرعية وقانوناً.
ثالثاً - حسن حنفى واليسار الهيجلى :
ليست الفينومينولوجيا التى يطبقها حنفى فى ” من العقيدة إلى الثورة “ هى فينومينولوجيا هوسرل، ولا حتى فينومينولوجيا الدين عند هوسرل، بل هى الفينومينولوجيا الفويرباخية والتى مارسها فويرباخ فى ” جوهر المسيحية “، والتى ترجع بدورها إلى تحليلات هيجل للوعى الشقى وللوعى المغترب. حنفى إذن يمارس انقلاباً هيجلياً - فويرباخياً من داخل علوم التراث، وهذا هو معنى الثورة لديه فى عنوانه ” من العقيدة إلى الثورة “. لكن تظل محاولته ثورة فكرية فى الأساس منتظرة الثورة الفعلية، وهى محاولة تخضع فى نفس الوقت للنقد الذى وجهه ماركس لفويرباخ وللهيجليين الشباب، إذ كانت الثورة لديهم ثورة فكرية، واعتقدوا أن تغيير الواقع يأتى بتغيير الأفكار. إن الثورة التى يقصدها حنفى هى ثورة فكرية فى الأساس، تعتقد مثل اليسار الهيجلى أن ثورة فى تصوراتنا عن الدين هى المقدمة الحتمية لثورة واقعية، أى قلباً للمضامين اللاهوتية لعلوم الدين إلى مضمون اجتماعى ثورى. وبذلك لا يزال حنفى واقعاً فى مرحلة اليسار الهيجلى الفويرباخى.
لكن هذا لا يمنع حنفى من تبنى التطوير الماركسى لليسار الهيجلى مستعيداً ماركس فى قوله: ” ليس المهم لدينا هو فهم العالم كما كان عند القدماء بل تغييره وتطويره والسيطرة عليه “( ). وكما يتناول ماركس فلسفة هيجل فى الدولة لأنها أكثر الأشياء تقدماً فى ألمانيا، يتناول حنفى علم أصول الدين لأنه كان ولا يزال أكثر الأشياء تقدماً فى تراثنا. لكن يمارس حنفى فى نفس الوقت قراءة لواقعنا المتردى من داخل علم أصول الدين، وبذلك يكون جامعاً لفويرباخ وماركس فى نفس الوقت.
إن حنفى بعد أن يضفى المضامين الإنسانية التحررية على علم أصول الدين نجد أمامنا لاهوتاً للتحرير، أى نفس نتاج اليسار الهيجلى عبر شترنر وفويرباخ وبرونو باور؛ ذلك لأننا لا يمكن أن نحول اللاهوت الإلهى التقديسى إلى لاهوت إنسانى تحررى ما لم نسلم مسبقاً أن اللاهوت الإلهى القديم نفسه كان نتاج العجز والسلبية والاستسلام ومحاولة لإلحاق كل ما هو إنسانى بما هو إلهى، أى دون التسليم بأن اللاهوت الإلهى القديم نفسه كان اغتراباً دينياً؛ هذه مسلمة أساسية فى تحليلات حنفى، وهى ضرورية فى عملية قلب المضمون التى يمارسها، وكذلك ضرورية لدقة المنهج الفينومينولوجى الذى يستخدمه، ذلك لأنه لا يمكن ممارسة هذا المنهج دون المسلمة الهيجلية - الفويرباخية عن الاغتراب الدينى. والقول بأن المضمون الإلهى لأصول الدين القديمة تعبير عن اغتراب دينى يجعلنا نذهب إلى أن نقد حنفى ينسحب على الشعور الدينى الحالى للجماهير المعاصرة، وينسحب أيضاً على وعى القدماء، وبذلك لن نستطيع الاحتفاظ بعلم أصول الدين كما هو بعد أن ثبت انه تعبير عن اغتراب دينى لدى القدماء والمحدثين ولدى الوعى الجماهيرى قديماً وحديثاً، بل يجب تجاوزه والاستغناء عنه كلية. لكن حنفى يفضل الاحتفاظ بالعلم مع تغيير مضمونه، فى حين أن المطلوب الآن تحطيم أصنام العقيدة.
إن الذى جعل مشروع حسن حنفى فى ” من العقيدة إلى الثورة “ يأخذ الطابع الهيجلى - الفويرباخى هو سبب بنائى تاريخى متمثل فى تواز وتشابه عضوى بين الوضع التاريخى الاجتماعى لألمانيا فى النصف الأول من القرن التاسع عشر والوضع التاريخى الاجتماعى للعالم العربى ومصر خاصة فى النصف الثانى من القرن العشرين. هذان الوضعان المتوازيان والمتشابهان عضوياً تمثلا فى تخلف اقتصادى واجتماعى نتيجة عدم وجود طبقة وسطى قوية تستطيع مباشرة مهمة تضيع البلاد ونقل ثقافته من التراث الدينى إلى الحداثة والعقلانية، وبذلك ظهر التناقض بين الثقافة الموروثة التى هى المسيحية فى حالة ألمانيا والإسلام فى حالة مصر والعالم العربى، والثقافة التنويرية الحداثية التى أتت إلى ألمانيا ومصر فى نفس الوقت تقريباً وعلى يد نفس الشخص، نابليون وحملته العسكرية. وبذلك تحولت مقاومة الغازى المستعمر إلى اتجاه رافض لثقافته وتنويره وحداثته وإلى حركة راجعة إلى الوراء منسحبة إلى التراث. وتصبح مهمة المثقف فى هذا الإطار الاجتماعى - التاريخى العودة إلى التراث لإعادة تأويله تأويلاً ثورياً تحررياً، فمع عودة المجتمع كله إلى التراث، سواء تمثل فى إحياء دينى وتقوية دينية فى حالة ألمانيا أو سلفية فى حالة مصر، يعود المثقف المستنير أيضاً إلى التراث لكن لإعادة تأويله ثورياً، وهذا هو مصدر التوازى العضوى بين فويرباخ واليسار الهيجلى من جهة وحسن حنفى من جهة أخرى. هذا التوازى العضوى هو من نوع القرابة الاختيارية Elective affinity، وهو مصطلح وضعه ماكس فيبر للإشارة إلى الأوضاع الاجتماعية المتشابهة فى حقبتين مختلفتين ولدى أمتين مختلفتين والتى تدفع المفكرين فى كل منهما لتبنى نفس النماذج الفكرية، ويكون هذا التبنى لنماذج فكرية متماثلة أو متشابهة راجعاً إلى تشابه المرحلة التاريخية التى تمر بها الأمتين.
إن فشل الأيديولوجيات الثورية الاشتراكية والقومية هو الذى دفع حنفى نحو العودة إلى الدين وعلم أصول الدين. يقول حنفى: ” وقد بدأنا بعلم أصول الدين كأول جزء من ” التراث والتجديد “ لأنه هو العلم الذى يمد الجماهير بتصوراتها عن العالم وببواعثها على السلوك. فهو البديل لأيديولوجياتها السياسية خاصة بعد فشل جميع الأيديولوجيات العلمانية للتحديث “( ). مشروع حسن حنفى إذن هو رد فعل على فشل تلك الأيديولوجيات، وبذلك فهو خطوة إلى الخلف، وهذه الخطوة هى التى تجعله يقف عند موقف اليسار الهيجلى الفويرباخى ولاهوته فى التحرير. إن نقد ماركس الشاب لليسار الهيجلى ينطبق على حنفى، لأنه يعتقد أن الوعى هو الذى يحرك الشعوب، وأن مجرد تغيير الوعى كفيل بتغيير الواقع، فى حين أن حنفى الذى أعلن أن مهمته ليست فى فهم العالم بل فى تغييره، يستمر فى محاولة الفهم مرة أخرى، وفى هذه المرة فالفهم ينصب على النصوص القديمة؛ صحيح أنه فهم ثورى تحررى إنسانى، إلا أنه يعتقد أن تغيير واقعنا لن يتم إلا بتغيير فهمنا له. ولهذا السبب ينجذب حسن حنفى لفلاسفة الوعى الذين يعتقدون فى إمكان مثل هذا التغيير انطلاقاً من الأفكار: فخته، هوسرل، فويرباخ، عثمان أمين.
يقدم حنفى وصفاً جديداً لعلم أصول الدين بقوله: ” هو العلم الذى يقرأ فى العقيدة واقع المسلمين من احتلال وتخلف وقهر وفقر وتغريب وتجزئة ولا مبالاة، كما يرى فيها مقدمات التحرر وعناصر التقدم ... لو تم إعادة بنائه طبقاً لحاجات العصر بعد أن بناه القدماء تلبية لحاجات عصرهم “( ). والحقيقة أن الذى جعل ذلك العلم معبراً عن واقع المسلمين هو أنه قد استخدم كأيديولوجيا تبرر بها السلطة التخلف والفقر والظلم والقهر، إنه البناء الفوقى الذى يضمن جماهيراً مستكينة راضية متدينة، ويضمن للسلطة سهولة قيادتهم. والملاحظ فى العبارة السابقة أنها جمعت بين اتجاه ثورى وآخر محافظ فى نفس الوقت، فالاتجاه الثورى يرجع التردى إلى الفهم التراثى المغترب للعقيدة، والاتجاه المحافظ يضع التقدم والتحرر فى فهم جديد لها. كان يمكن لحنفى بعد أن أرجع أسباب التردى إلى العقيدة أن يتخلى عنها باعتبارها اغتراباً دينياً ووعياً زائفاً على شاكلة ماركس ويحكم عليها بأنها ” أفيون الشعوب “، لكنه يظل ممسكاً بها مقرراً أن التقدم والتحرر لن يأتى إلا انطلاقاً منها، وحجة حنفى فى ذلك أنها تشكل المخزون النفسى لدى الجماهير من ناحية وأنها هى ما بقى لنا بعد فشل الأيديولوجيات العلمانية من ناحية أخرى. وفى ذلك نلمح الطابع المحافظ فى فكر حنفى، والذى يتمثل فى النظر إلى العقيدة على أنها سبب التخلف والتقدم فى نفس الوقت، والاعتقاد فى أن حال المسلمين لن ينصلح إلا بإنصلاح عقيدتهم وأن ثورتهم على أوضاعهم لن تكون إلا من خلال تثوير عقيدتهم، ونلحظ كذلك اتجاهاً مثالياً يعتقد فى إمكان تغيير الواقع انطلاقاً من تغيير الأفكار. ليست العقيدة إلا تعبيراً نظرياً عن التخلف أو التقدم، إنها مجرد بناء فوقى لن يتغير إلا بتغيير المجتمع ذاته.
إن الأفكار لن تتغير إلا بتغيير الواقع الذى أنتجها لا العكس. واللاهوت الثورى لحنفى سيظل فكراً معلقاً فى الهواء ما لم يكن ممثلاً لحياة اجتماعية وسياسية ثورية. إن أفكاراً ثورية يجب أن تكون أفكار جماعات ثورية، وبالتالى يجب أن تنشأ تلك الجماعات أولاً كى تتبنى لاهوتاً ثورياً. لكن حنفى يعتقد أن أفكاراً ثورية وحدها كفيلة بأن تخلق حواملها الاجتماعية وممثليها الاجتماعيين. إن لسان حال حنفى يقول: ” فلننشئ الأيديولوجيا الثورية أولاً ثم ستنجب هذه تلقائياً حواملها الاجتماعية. لكن الحقيقة أن لاهوت الثورة سيظل أيديولوجيا ومجموعة من الأفكار ما لم تتبناه قاعدة اجتماعية، أى ما لم يحدث ما يصفه فيبر على أنه تقارب مختار Ellective affinity بين أيديولوجيا وفئة اجتماعية تتبناها. يذهب حنفى إلى أن هذه الفئة موجودة وجاهزة وهى الجماهير المحرومة المقهورة، لكن لا يبدو أن هذه الفئة مستعدة الآن لتقبل لاهوت التحرير، ذلك لأنها خاضعة للمؤسسة الدينية التى عاندت حنفى وضايقته كثيراً. وفى هذه الأوضاع يظل مشروع حسن حنفى موجهاً للصفوة الفكرية لا للجماهير، لطليعتها المثقفة التى عايشت فشل الأيديولوجيات العلمانية لا لقاعدتها العريضة؛ وهذا ما أثبتته أحداث قضية نصر أبو زيد عندما كتب حنفى مقاله الشهير: ” علم الكلام بين العامة والخاصة “ مكرراً فيه تحذير القدماء من إطلاع العامة أو الجماهير على هذا العلم.
يذكر ماركس الشاب فى ” مخطوطات باريس “ أنه كى يكون الفكر مؤثراً فى الواقع وقابلاً لأن يتحقق فيه، فلا يكفى أن يقترب هذا الفكر من الواقع، بل يجب أن يرتفع الواقع نفسه إلى مستوى الفكر.
لقد قام حسن حنفى بمهمته وأنزل علوم العقيدة من سماء التأليه إلى الواقع الإنسانى، وكان فى ذلك محققاً لهدف الفكر وهو الاقتراب من الواقع، لكن يبقى أن يرتفع الواقع نفسه إلى مستوى الفكر.

د. أشرف منصور







اخر الافلام

.. روسيا تحاول نشر التعاليم المسيحية في الغوطة الشرقية عبر المس


.. ميليشيا أسد الطائفية تواصل قصفها لجنوب وشرق إدلب


.. البابا تواضروس يترأس قداس -50 عاما على تدشين كاتدرائية العبا




.. الجيش النيجيري يحبط هجوما لبوكو حرام على قاعدة عسكرية


.. تعيين وزير يهودي في تونس يثير جدلا