الحوار المتمدن - موبايل
الإسلام والشبكة العنكبوتية

كامل النجار

2006 / 12 / 11

بدأت المسيحية في فلسطين بداية متواضعة وتحمّل أتباعها أضطهاد اليهود وتعسف الرومان لفترة من الزمان ثم نزحوا شرقاً للهرب من الرومان ولنشر دعوتهم المسالمة. وانتشرت المسيحية في شبه الجزيرة العربية من الشام إلى اليمن ثم عبرت البحر الأحمر إلى الحبشة والنوبة ومصر. وباعتناق الإمبراطور قسطنطين للمسيحية في عام 325م أصبحت هي الديانة الرسمية للإمبراطورية وبالتالي اعتنقتها أوربا. وكعادة الأوربيين الذين كلما أخذوا شيئاً من الشرق أجادوه وبرعوا فيه، فقد وحدوا الكنيسة وكرسوا إدارة المسيحية في يد البابا في روما بينما تفرقت المسيحية الشرقية إلى كنائس أرثوذكسية في الإسكندرية وبيزنطة والحبشة. وقد أدى انقسام الكنيسة الشرقيةإلى ضعفها وسهّل على الإسلام اجتياح أراضيها في زمن وجيز من ظهوره.

في أوربا الإقطاعية الزراعية قويت شكيمة البابا وتضخمت سلطته حتى أصبح الملوك والساسة يخضعون لسلطته ولا يتم جلوسهم على عروشهم إلا بعد موافقة البابا. ومع ازدياد قوة البابا ازدادت ثروة الكنيسة وأصبحت تمتلك الأراضي الشاسعة التي وهبها لها الإقطاعيون، مع فلاحيها، ليكسبوا مباركة البابا لهم وليزيدوا من سلطاتهم السياسية. وكما قال الفيلسوف الإنكليزي بيرتراند رسل: السلطة تُفسد، والسلطة المطلقة تُفسد إفساداً مطلقاً، ففسدت الكنيسة فساداً مطلقاً واستغلت جهل اتباعها الفقراء المعدمين فباعتهم صكوك الغفران التي تضمن لهم الخلاص من العذاب يوم القيامة، وسرقت منهم طعام أطفالهم مقابل الوعود الغيبية. وتحكمت الكنيسة في كل شيء في حياة أتباعها من تعميدهم عند ولادتهم إلى زواجهم وموتهم ودفنهم وأكلهم وشربهم. وأصبحت القوانين الوضعية خاضعة للقوانين الإلهية Cannon Laws. ولم يكن في مقدور أي ملك أو إمبراطور إصدار قانون يتعارض مع الشريعة المسيحية. وكبلت الكنيسة المرأة وفرضت عليها الحجاب واللباس الطويل الذي يغطي كل جسمها لدرجة أن المرأة في فرنسا كانت ترفض أن تكشف صدرها للطبيب ليفحص عليها، فأضطر الأطباء لاختراع السماعة الطبية ليسمعوا نبضات القلب عن بعد بعد أن كانوا يضعون آذانهم على صدر المريض مباشرةً.

وبحلول القرن الثالث عشر الميلادي كان التعليم قد بدأ ينتشر في أوربا وازداد عدد الجامعات في أغلب أقطارها. وبما أن العلم يبدد خرافة الثيولوجية كما يبدد النور الظلام، فقد بدأ التمرد على الكنيسة يأخذ طابعاً علنياً بعد أن كان في الخفاء وفي أوساط القلة المتعلمة. وكردة فعل طبيعية لانتشار التمرد أقامت الكنيسة محاكم التفتيش التي أحرقت العلماء وكتبهم في محاولة يائسة لإيقاف عجلة التطور، وصادروا الكتب وأصحت الكنيسة مسؤولة عن مراقبة ما يصدر من كتب ونظريات علمية. ولم يكن المشرفون على الكنيسة أقل جهلاً من أتباع الكنيسة. وحاكم القسيسون الجهلاء جاليليو وكوبرنكس واتهموهما بالهرطقة عندما قالوا بكروية الأرض وأن الأرض تدور حول الشمس. ولأن القسيسين كانوا يمتلكون الحقيقة الكاملة، في اعتقادهم، لم يخطر ببالهم أن يكون غيرهم على صواب وهم على خطأ.

ثم جاء الشاب الألماني مارتن لوثر الذي كان قد بدأ دراسة القانون قبل أن يغير رأيه ويدرس اللاهوت. وفي العام 1510 عندما سافر لوثر إلى روما ورأى الفساد الكنسي الذي لم يكن قد تخيله، رجع إلى المانيا وبدأ ينتقد الكنيسة وطالب بالإصلاح. وفي عام 1517 عندما أصدر البابا ليو العاشر صكوك غفران جديدة ليبيعها للفقراء أعلن لوثر تمرده فاتهمه البابا بالهرطقة. ولكن ذلك لم يثنه عن مواصلة الكتابة ضد الكنيسة وحث النبلاء الألمان على التمرد على الكنيسة وفصل القوانين المدنية عن قوانين الكنيسة. وتجمهر الفقراء والمعدمون حول لوثر خاصة عندما أصدر البابا منشوراً يهدد بفصل لوثر عن الكنيسة. وكان رد فعل لوثر هو حرق المنشور البابوي وسط تجمع جماهيري كبير، وانفصل عن الكنيسة وأقام كنيسته الخاصة. وكانت الكنيسة طوال تلك القرون تمانع أن يُترجم الإنجيل من اللاتينية الميتة إلى اللغات الحية، حتى يستمر احتكارهم للنصوص الدينية و حتى يوهموا العوام أن النصوص لا يفهمها غير المتخصصين. وكان من مصلحة الكنيسة التعتيم على عقول العوام، فالدين يعتمد على الجهل في انتشاره واستمراره. ولكن لوثر ترجم الإنجيل إلى اللغة الألمانية وكانت هذه بداية النهاية للكنيسة الكاثوليكية. ومع انتشار التعليم وقيام الثورة الفرنسية عام 1789 والثورة الصناعية، انفصلت الكنيسة عن الدولة وأصبحت شيئاً ثانوياً في حياة الفرد الأوربي. وبعد خمسمائة عام من إصرار الكنيسة على الخطأ، اضطرت أخيراً للاعتراف بخطئها واعتذرت من جاليليو.

وتكاد مسيرة الإسلام أن تكون صورة المسيحية المنعكسة في مرآة الزمن. فالعالم الإسلامي كان قد بدأ انفتاحه الثقافي في أيام الدولة العباسية ولكن سرعان ما وضع فقهاء بغداد حداً لذلك بإعلانهم قفل باب الاجتهاد والرجوع إلى النقل بدل العقل، وأصبحت مقولة (لا اجتهاد مع النص) تتحكم في حياة الشرق. وتقهقرت الحريات في العالم الإسلامي. وبمجيء الخلافة العثمانية تم استعباد المرأة وفصلها عن المجتمع في بيوت الحريم وفرض السلطان عبد الحميد على المرآة التي تخرج من دارها بلا حجاب وبرقع أن يُحلق رأسها وتحمل على حمار ووجها صوب ذنب الحمار ويُطاف بها في الأسواق عبرةً لغيرها من النساء. وزادت سلطة رجال الدين على العامة لأنهم تحالفوا مع السلطة السياسية وأصبحوا وعاظ سلاطين يؤلفون الأحاديث التي تحث الناس عل طاعة أولي الأمر، فيخضع الناس لنير الحاكم ولنير رجل لدين في نفس الوقت، وكلا السلطتين مكملٌ للأخر.

وبانهيار الخلافة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى ودخول المستعمر الغربي إلى الشرق الأوسط، بدأت نسائم الحرية الفكرية تهب على الشرق وتحررت المرأة بعض الشيء، وأصبحت مصر منبر الحضارة الشرقية وحامل شعلة العلم والتكنولوجيا. وكان يقود صرح العلم فيها –الجامع الأزهر- رجال متنورون أرادوا إصلاح ما أصابه العطب من الدين. ولكن تجربة الحرية والعلم هذه حفر لها الأمريكان حفرة عميقة لدفنها يوم حفروا آبار البترول في المملكة العربية السعودية.

مع ازدياد تدفق البترول السعودي ازدادت البترودولارات التي تدفقت على الأشخاص والهيئات الدينية في مصر واليمن والسودان والصومال والأردن وغيرها لإنعاش الصحوة الدينية التي حمل لواءها جماعة الأخوان المسلمين. وبما أن الجهل والأمية ما زالا يعشعشان في أرض خير أمةٍ أُخرجت للناس، فقد وجدت فكرة الصحوة أرضاً خصبة ترويها الدولارات، وبين ليلة وضحاها أصبحت مصر، أرض الكنانة، المنجم الذي يُنقّب فيه أهل الصحوة لاستخراج الأحاديث التي تحث الجهلاء على زيادة النسل وحجب عقولهم وعقول نسائهم بالحجاب. وأصبح من الصعب على المرء أن يعرف هل هو في السعودية أم في مصر عندما يسير في شوارع القاهرة أو يتفرج على تلفزيوناتها. وتنازل وزير العدل المصري للجامع الأزهر عن حق وزارته وحقنا جميعاً في حماية حرية الفكر، وأعطى الجامع الأزهر حق مراقبة ما يُنشر ومصادرة ما يراه غير لائق بعقولنا محدودة الفهم. وكان داء الرقابة قد استشرى في كل الأقطار العربية، تحمل لواءه وزارات الإعلام التي أصبح وجودها محصوراً في العالم الإسلامي فقط

وحتى تتحكم الصحوة الدينية أكثر فينا وتزيد من جهلنا وفقرنا فقد سمح الرئيس المصري لجماعة الأخوان المسلمين المجظورة قانوناً، بخوض انتخابات مجلس الشعب تحت مسمي "المستقلون" وبمساعدة البترودولارات تمكنت جماعة الأخوان من الحصول على عدد من المقاعد في مجلس الشعب استطاعت بواسطتها أن تعقل المجلس كما يعقلون البعير في الحجاز، فلا يستطيع أن يتحرك. وأصبح المجلس يرغي ويزبد ويهدر وقته وطاقته في مناقشة تصريحات وزير الثقافة عن الحجاب بدل مناقشة الفساد الإداري والمالي وتدني الأحوال المعيشية والعلاجية والتعليمية، وانتشار الخرافة في مصر.
وما يحدث في مصر يطال بقية البلاد العربية. فالإسلاميون قد عقلوا برلمانات الأردن واليمن و البحرين. والإسلاميون الذين لم يصلوا إلى البرلمانات عن طريق الترشيح وصلوا بالبندقية كما حدث في السودان والصومال. وأصبح الشيخ المعمم تُفتح له القنوات الفضائية ويستشيره رئيس الدولة في القوانين قبل إصدارها. ويتسابق الرؤساء والوزراء في التشديد على أن قوانين بلادهم مصدرها الشريعية الإسلامية ولا يمكن أن يسمحوا لأي قانون جديد يتعارض والشريعة السمحة، أن يرى النور. وأصبحت إقامة الشعائر الدينية هي المقياس لملئ الوظائف الخكومية، وأصبح الدشداش علامة استقامة المواطن.
وأصبحت المرآة في كل البلاد الإسلامية أقرب منها إلى الجماد من الإنسان، فهي أرض يشقها الرجل بمحراثه، كما قالت الدكتورة وفاء سلطان. ويحدث كل هذا بسبب الجهل والرقابة الصارمة التي فرضها المتعممون والسياسيون على العقول. وحتى عندما لا تجد البرلمانات العربية ما تدور حوله من القضايا الهامشية، تشغل الحكومات شعوبها بأمور دينية ثانوية، مثل المعركة الصحافية التي دارت بين المغرب والجزائر أخيراً حول الطريقة الصوفية التيجانية. فقد عُقد موتمر في الجزائر عن الطريقة التيجانية وتشاجر مندوبو المغرب مع مندوبي الجزائر الذين أصروا على أن الطريقة التيجانية هي أصلاً جزائرية، فهاجمهم مندوبوا المغرب وساندت الصحافة المغربية مندوبي ذلك البلد، (غير أن جريدة "الشروق" الجزائرية نقلت عن ما سمته شيخ الطريقة سيدي محمد لحبيب التيجاني، في تصريح للإذاعة الجزائرية يؤكد فيه أن "الزاوية التيجانية موطنها جزائري ومؤسسها جزائري والدولة الجزائرية لن تفرط فيها". وتحدثت الصحيفة عن "تزايد اهتمام بعض الأطراف منها المغرب في الاستحواذ على الإرث التيجاني بحجة أن الزعيم الروحي للزاوية الشيخ سيد أحمد التيجاني يرقد بمدينة فاس المغربية"، وربطت بين زيارة العاهل المغربي الملك محمد السادس إلى السينغال بموضوع هذه الطريقة الصوفية، وأنه يدخل في سياق "ترويج الرؤية المغربية حول مزاعم تقول إن فاس هي الأولى باحتضان المقر الدولي للطريقة التيجانية".) (إيلاف، 29 نوفمبر 2006). فكل مشاكل الجهل والأمية والدعارة واستغلال الأطفال في المغرب والجزائر قد قضت عليها الحكومات الإسلامية الرشيدة ولم يبق لهم غير تبني الطريقة التيجانية ليتشاجروا عليه.
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله **** واخو الجهالة فى الشقاوة ينعمُ

وكما يقولون فإن التاريخ يعيد نفسه، والعاقل من تعلم من أخطاء غيره. والنار تضطرم من مستصغر الشرر. وشكراً للعلماء الحقيقين وللعلم الحديث الذي وهبنا طوق النجاة في الابتكار العظيم الذي يسميه الغربيون الإنترنت وتسميه الأعراب الشبكة العنكبوتية. ورغم أن القرآن يقول (وإنّ أوهى البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون) فإن الشبكة العنكبوتية هي مارتن لوثر الشرق الأوسط وهي التي سوف تترجم القرآن بحيث يفهمه العامة كما فهم عامة الأوربيين الإنجيل عندما ترجمه لهم مارتن لوثر. وسوف نستطيع عن طريق هذه الشبكة العنكبوتية قراءة كل الكتب التي صادرها الأزهر وغيره من المؤسسات الدينية. ولن يستطيع أي حاكم عربي أن يحجب الحقيقة عن أعيننا، رغم المحاولات المضنية التي تقوم بها جامعة الملك عبد العزيز في السعودية وغيرها من الجامعات لحجب مواقع الإنترنت المستنيرة. فالجامعات التي أوجدت لنشر العلم، تخون نفسها في البلاد العربية وتصبح أداة لحجب العلم. ولن يدوم احتكار المتعممين للقرآن الذي يصرون ألا يفسره إلا هم لأنهم يحفظون أقوال السلف عن ظهر قلب. فعما قريب سوف يصبح تفسير القرآن والأحاديث في متناول الجميع وسوف يسقط قناع حفظة الإرث السلفي. وقد بدأت علامات الصحوة العقلية تظهر بانتشار مواقع الملحدين العرب على الأنترنت، مثل موقع "لادينيين" وموقع "إلحاد". وسف يظهر غيرها الكثير من المواقع.

وقد قال عمر بن الخطاب منذ أربعة عشر قرناً من الزمان (إنّ الإسلام قد بزل) أي أصبح كالجمل البازل أي الذي وصل قمة نموئه الجسدي واكتملت أسنانه ولم يبق أمامه إلا الاضمحلال. والإسلام الآن يمر بنفس المراحل التي مرت بها المسيحية من تسلط الكنيسة على العقول إلى إفولها نهائيا. وعجلة التاريخ لن توقفها العمائم الهشة هشاشة أفكار لابسيها. وسوف تصدق نبوءة عمر عما قريب بواسطة أضعف البيوت: الشبكة العنكبوتية