الحوار المتمدن - موبايل



فرح التفكيك .. قراءة في ديوان لك صفة الينابيع ل .. علاء عبد الهادي

محمد سمير عبد السلام

2006 / 5 / 19
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات


في ديوانه " لك صفة الينابيع يكشفك العطش " – كتابات جديدة – هيئة الكتاب ط2 - 2006 – يعيد علاء عبد الهادي إنتاج كينونة المتكلم ، بقدر ما يخرج هذا المتكلم عن فاعليته ، و معرفته الأولى حين تنجذب إلى لذة التشويه بوصفها تشكيلا آخر للبداية الغائبة ، إننا في مواجهة أنثى / مخاطبة يطلب النص بوعي أو بلا وعي أن يدمر سياقها الحقيقي و المجازي معا مثلما يبلور عالمه الخاص من خلالها .
هل هو الوجود؟
أم أنه إغواء الخروج من الثقل الحجري لعمليات اختزال الذات في تصميم و سياق؟ ما السياق ؟ أهو زيف الفراغ / الذات التي تستسلم للعواء و المطاردة التداخلية البدائية العنيفة لعناصر العالم ؟
نحن أمام سياق يستسلم للعمل المستمر .. لإعادة الإنتاج ما بعد الحداثية postmodernism التي يتقنها علاء عبد الهادي و رواته الافتراضيين في ثورتهم الوجودية على ما يختزل الوجود أو المعرفة على حد سواء.
يخرج النص إذا من قصدية الحقيقة و الفن معا ، فالكلام يستبق متكلمه ليعلن تأجيله و يقطعه من حدث الإدراك نفسه ، فيصير التأويل لذة إبداعية لحالة انعدام التوافق الكامنة في الصوت ، يقول في نص ( كمال الرحيل ) : " سكبت على دهشتي يدها / فيداك تغزل في يدي نشيجها / كل الذي خبأته في راحتيك من شجون / قدرت منه العواصف " من الالتحام تخرج العاصفة مشرقة و محملة برمال التكوين الطيفي للمتكلم ، فتقتلعه في فضاء عين أنثوية قاسية . إنه نشيد الرحيل و المطاردة معا ، فالرحيل نغمة تهدد غيرية الذات التي تبغي الالتحام من موقع ما يجسد هذه الغيرية الكونية ، فيتحول الرحيل إلى مطاردة تمثيلية للحماسة وفق مفهوم ليوتار lyotard فهي حماسة تعي زيف تقديمها للعقل و تهرب بوعي من الرحيل و ما فيه من اختيار محتمل ، إذ يعلن الجسد المولد للعواصف الحرب على مفهوم التجسد ابتداء ، إنه يجابه التماسك بالاستسلام للمجال المغرق في انعدام التحديد الأولي مثل قوافل الهواء و ذرات الرمال . هذا المجال يمدد الأنثى و يستلب رغبات الشاعر كي يعزز الانفصال و حالة مطاردة الهوية التي تستبق حضور الجسد في حركة أدائية لأنوثة الهواء " أجري .. تلاحقني عظامي / أرمي عليك اللهفة الوجلى / فيبسط من فؤادك ظله / ليس لي ذنب أن يعدو للفخار قلبي .. النار.. يصفع بالصهيل " الصلابة التكوينية للعظام تطارد الطيف .. الكلام حال التحامه بدوائر الهواء ، فينفجر زمنه الخاص و يستبق خبرته بالجسد و الأنثي في زمن آخر أكثر قابلية للتكرار و النسخ الزائف ممثلا انجذاب الأنثى للظل ، و الانتشار في اتساع الصوت ذي الطبيعة النارية الجديدة التي استبدلت المادة المتكلمة بالأثر و هو الشكلية التمثيلية لحماسة النار الزائفة .
يرى هيدجر أن الكلام يظهر خاصية الكينونة في علاقتها المعقدة بالحضور أو ما يغادر الحضور فالذات تقيم في الكلام و تتورط في انتشاره ولا تدركه إلا في انجذابها إليه و يوافق هولدرن بأن الكلام هو نشيد الذات الذي يبلور وجودها ( راجع – هيدجر – إنشاد المنادي – ت- بسام حجار – المركز الثقافي العربي بيروت 1994 ص 48) ومن الانجذاب للحضور عند هيدجر يتولد التجاوز المستمر للمتكلم و الوقوع في الاختفاء كمجاز وجودي متكرر فيما بعد الحداثة عند بودريار baudrillard . لسنا هنا بصدد فاعلية بل انفعال مستمر و متكرر في قصيدة النثر المصرية . و هو انفعال واع بالإمعان في وصف ما لا يقبل القياس .
و في نص ( ضجيج ) يمارس المتحدث لذة الرحيل ، ضمن حضوره كموقع لمراقبة تجسد الأنثى بصحبته ، كأن الإمعان في الاختفاء شرط لمراقبة الجسد ، و نفي الوعي به في آن " ومن علالة فصولي ارتحلت لأبسط جسدي بهذا العراء ، و هذا الفضاء" الكلام يمتد لينشئ الأنثى .. يخرجها من ظل الشبق إلي حركة صخرية تميز غيرية الجسد حال تصميمه في الكلام ، لكن مع عدم الاعتراف بحضوره في امتداد الشبق نفسه ، وعند هذه النقطة يكشف الوعي عن وهم المراقبة كلعبة لإنشاء ظل آخر للعاشق " فلا تستجيري بغيري / ولا تستجيري بما غير زندي و صدري / ولا تستجيري بظل ورق / أتنسين ظلي ؟ " هل كان الظل حلما لا واعيا بتكرار العشق الأول في غيابة الممتد ؟ أم أنه طيران للمادة العضوية في تحللها السماوي ؟
الظل يستبق الكلام .. الظل يهرب من الطاقة التي حرص على إعادة إنتاجها يقول الشاعر " لو كان أمري طوع يدي / لكنت ارتحلت بقدمي دون دمائي " لقد وقف الغياب المحتمل أمام المنطق المتعالي الممثل في " لو .." ليمعن في الاختفاء أكثر مما تضمنه الكلام بوصفه حدسا متطورا في فضاء التعارض الجمالي ، هذا الحدس بديل للطاقة المتروكة الانفصالية .. الطائشة في لطخاتها التصميمية التي تعبث في حدائق الهواء المرحة .
المنطق التصوري يغيب ضمن حدوده الخاصة المنشئة لسياق يلتحم بالحقيقة و يكشف زيفها في الآن نفسه ، فضمائر المتكلم التي ترد المنطق إلى الذات تود الهروب المستمر من انسجام التكوين الجمالي .. تؤسس لثورة ديونيزية نيتشوية لمبدأ القوة المتجاوز للعقل الخرب . لكن آثار الأخير تشارك في بكارة الخيانة الأولي لأحادية التكلم .
و في نص ( أنت شوق ليس لي ) يمتد الكلام / الممكن في استحالة تحقق العاشق ضمن حدود العشق ، فهو ينفلت من الموضوع الملتحم بالصوت / الأنثى إلى العنصر اللا واعي بمادة العشق نفسها و حركتها التدميرية المرحة المفجرة للوجود و الحواس معا " أنت وشم في مساءات الحقيقة و السراب / أنت شوق ليس لي فيه اختيار / من عراء دمي أو عوائي / تناديني يداك بالحريق / صبار أنا و ترسمني الحرائق و الظنون / لي في حديقتك التراب / فاعذريني لو يجاذبني / أو يلبس الريح يدا و أنتحر " إننا أمام صوت يحلل العشق في الاندفاع الأولي لطاقة العالم دون فهم أو تأمل زائف ، الصوت انتشار إبداعي للحريق الممثل للعشق كممارسة أولية تختلط بمشانق التدمير ذات القوة المتجاوزة لحدود التكوين المختزل في لحظة حضوره ، و من ثم كان الاختفاء المحتمل حريقا للآنية في اتجاه عودة ديونيسيوس dionysusو قوته الجمالية المتشظية ، أما العناصر الطبيعية فهي احتفال طقسي داخل المتكلم و خارجه بالعودة و اندفاعة الممارسة .
وفي نص ( عطش ) تصير ذات الشاعر صورة لفعل الخصوبة في كون أنثوي ملتحم بالسماء الأسطورية التخليقية لعناصر الوجود وفق مبدأ الكثرة المعروف في الآلهة الفرعونية ، فالكلام هنا يعيد بلورة الأنوثة الأولى في الغياب و بديله / العطش الذي يكشف أصالة الماء و امتناعه مع فاعليته ، فتنمو رجولة الشاعر و قصائده من غيوم الهوية الكلية للصوت ، فالتجزؤ انتحار و تضحية ، لأجل النمو و امتداد الذاكرة المائية من العطش المصاحب للتضحية و الكثرة معا " الماء قيد قد سرى في معصمي / و لانتحار الغيم جلجلة .. / صفة الينابيع لك / و الله يكشفك العطش "
و في نص ( حتى تنام الحروف ) يرتحل الحرف إلى وجود يتجاوز الكلام و المعرفة ليستشرف بدايات العالم ... حيث يلتحم التكوين بالحرف فيصير هوائيا يستبق الطيران دون أن يحققه ، فالكلام جسد مسئولية المطاردة و جعل الطيف إمكانية ينتجها كذكرى و مستقبل في آن ؛ إنه قتل للواقع لتحقيق وجود آخر لما استبقه .. ما كان مجسدا في هيئة حرف أو كتابة أولى ، فاستحال فراغا فاعلا ضمن السياق الواقعي ليدمره و يعيد تحويله في استبدال مستمر ضمن فضاء بلا هوية ، كم ينتج الراحة الكامنة في استلاب الجسد و الألم معا .
" هل يمكن أن تنسى كل الناس المنتظرين على الأبواب / أن تلتفت لرجال وقفوا دون الماء و دون سراب / هل يمكن ألا أحلم بامرأة لا تتكئ فوق هواء المعبد إن ترتاح على أحلام صباي ساقاها العابدتان " الشاعر يلامس خروج الكلام إلى ما يتجاوزه من داخل صورته التي استبقت كونه كلاما ، إذ يلتحم الجسد بالنغمة الأولى .. الكتابة وفق ديريدا حيث الانفجار الكبير خارج حدود الحروف .
و في نص ( النبوءة كاملة ) تسقط نبوءة النبع في سراب العطش لتستشرف كينونة العشق بين المتكلم و أنثاه ؛ فهي الأرض الموعودة بلا تاريخ ، لأنها تكمن في الإغواء بالتفريق و الغيرية اللا واعية التي تكثر من أطياف العاشق ، و كأنها تبشر بعودة تموز الشكلية خارج الزمكان . و لكن هذه الغيرية تسلب الشاعر هويته في ينبوع العطش .. هل كان الينبوع إكثارا للماء إلى حد التلاشي ؟ " هل ينعم الدفء الجميل و ينجلي العطش الذي قد دس قلبي في فسيلة قلبها / / فرقت في قلبي على غيري .. بلى / ترمي رعونة شهوتي حجبا علي / كم كنت عطشى وبين عينيك النداء / تأتين من أقصى السراب محض حل للعطش " الأنثى هنا تستبدل فراغ الواقع في هيئته التمثيلية / السراب كبديل للمركز الغائب دائما و هو سياق العاشق .
و في ( تقارب في الضغينة ) نرى شبح العشق في لحظة غياب متجددة " ووجهي تماثيل عاج / ولا وجه فيها / فإن كنت وجها لها علقيها و بين الهواء انثريها / لعل الوجوه تنادي الوجوه / بوجه هوى في الهوي " الصوت ينجذب في غواية التمثال فيؤدي الأخير دوره في اللعبة الوجودية كمسخ جذاب للهوى ذي المدلول الناقص ، الوجه سقوط للتمثال في العدم المحتمل .. حيث يتلاشي المجسد و الصخري في الصدى ، في وجه الأنثي المؤجل أو في ظل الشاعر الغائب الذي يطارد جسديته من خلال طاقة الظل لا الظل نفسه ، فتتجرد طاقة التلاشي من هيمنة الحدود :
" نفسي أعلقها على ظلي / و أعدو نحو منفى / منفى رحيب لا يزاحم " و في نص ( مكابدة مديدة ) يشتعل ما هو شعري بالزيادة السردية للحكاية ، إذ يستلب السرد الراوي و يشكل معرفته من خلال الممارسة المفرغة للمتكلم من حضوره الخطابي مما يكشف زيف الإحاطة الواعية بالمسرود ، فالوحدات السردية تتحول في فضاء إبداعي فارغ يماثل حلم الاتساع في القصيدة السابقة ( تقارب في الضغينة ) يقول " أجري في دمي / وحدي يسطرني الفراغ / كان ما كان / كان الرأس حجرا فوق عنقي / هدب الرتابة تضنيه الليالي . كي ينام / كان ما كان اشتكت مرأة / رافقتها الرمال حين تنسى بحرها / عل الشباك الشارعات تصطاد منها هدأة كي تطمئن مراكب الصياد في يدها الرحيبة "
الصوت سخرية ديناميكية من الحدوث ، من منطق الحكي نفسه و ما فيه من تاريخية يتجلى فيها زيف الإدراك الكلي ، مثلما تنكشف قداسة الأنثي في العدم ، فالصياد يلاحق الهوية في معبد الأم المقدس ، يجر الأفق و الضلوع إلى حرائق التدمير الكامنة في السرد الصخري المتكرر للهوية و الصوت المولد للأنثى في الحكاية ، هل هو السرد الذي اندمج في بدائل الوجود فاستبقه في الغرق ؟ " كلكم غرقى / بل كلنا محض سرود " السرد يتفوق على الوحدات السردية حين يندفع باتجاه طبيعته الانتشارية المضادة لهوية السارد و موضوعه . يقول في نص ( في كل يوم تخلقين لذة ) " إلى الغياب أنا / أنا غياب شدني حد التفسخ / حلمي على مرمى وثن / تحاصره رائحة الأفق المحجر و الظلال "
هكذا يستعيد الوجود دورته الصخرية و بديلها الطيفي معا ليعيد الصوت تمثيل الجسد و أشباه معرفته التي تدمر سياقها و تفجر زمنه في طقس خارج من حدود الطقسية لتعاين فرح العالم بالتفكيك المنتج لقوة نيتشوية قوامها سياق جديد محتمل بلا سارد أو عشق متعال .







اخر الافلام

.. مصرع قائد القوات الجوية الحوثية السابق


.. كيف تجعل الناس تحبك وتحترمك؟ #لايف_مع_عبير


.. أمريكا ستفتح تحقيق جنائي بحق شركة هواوي




.. ترامب سيزور وزارة الدفاع (البنتاغون)


.. مصرع 30 من الطوارق شمالي مالي