الحوار المتمدن - موبايل



مباحث في الاستخبارات (125) مكافحة التسريب

بشير الوندي

2018 / 7 / 13
الارهاب, الحرب والسلام


مدخل
--------------
تناولنا في المباحث الاربع السابقة مواضيع استخبارية هامة هي على التوالي (التسريب , امن المعلومة , الارشيف , التصاريح الامنية ) ولكي تكتمل الصورة لابد من الحديث عن المعالجة.
ولقد فصلنا في مبحث 121 (التسريب ) عن انواعه وخطورته..وهنا نريد بحث مكافحة التسريب , مع تسليمنا بأن اكبر اجهزة الاستخبارات (قوة وحرفية ) قد تعرضت للتسريب , بل ان اشهر حالات التسريب كانت قد ضربت اكبر الاجهزة احترافاً , ويكفي ان نذكر القراء بفضيحة المخابرات البريطانية العريقة عام 1963 , التي وصل الامر بها الى ان تتمكن الKGB السوفيتية من تجنيد (كيم فيلبي) مسئول مكافحة نشاط المخابرات السوفيتية في جهاز المخابرات البريطانية لصالحها رغم أنه كان قاب قوسين او ادنى عن تولي إدارة المخابرات البريطانية!!!!.
-------------------------------------
بين الوقاية والعلاج
-------------------------------------
كما هو الحال في تعليمات الصحة حول الوقاية خير من العلاج , فان المعنيون بالقضاء على التسريب في اجهزة الاستخبارات يعتمدون على تلك الحكمة الذهبية , ذلك ان كافة انواع التسريبات التي سبق ان اشرنا اليها في مبحث سابق (مبحث 121) يتم علاجها بالطرق الوقائية التي سنتطرق اليها , الا ان نوعاً واحداً من انواع التسريب لامجال معه لارشادات الوقاية ولابد حينها من العلاج .
فالتسريب يعتمد في تصنيفه بحسب الفائدة المتوخاة من المتحصل للمعلومات المسربة , فان كان هدفه التجسس فسوف يكتم المعلومات ويحتفظ بها ليستفيد منها في خططه ولذا يكون التسريب صامتاً, وهو الاخطر والاهم والذي عرّفناه بالتسريب الصامت.
واحيانا يقوم شخص او كيان بالاستيلاء على معلومات سرية والقيام بنشرها لدوافع سياسية او شخصية او انتقامية او للشهرة , فالمعلومات هنا سُرقت لتكشف وتنشر لذا نسميها بالتسريب الصارخ , وهو نوع اقل خطورة من الصامت ولكن يتم التعامل معه بكل جدية وصرامة ولكن التعامل يكون من خلال تشديد الاجراءآت الوقائية اي بالوقاية .
ونخلص هنا , ان التسريب الصارخ يُكافَح بالوقاية , والتسريب السري ُيكافَح بالعلاج , مع الاخذ بالاعتبار ان كلا نوعا التسريب يقوم سارقوا الاسرار فيهما بسرقة الاسرار بسرية.
وحتى في التسريب العلني الصارخ , فان المسربون لايشيرون في اغلب الاحيان الى من سرق الوثيقة من اقبية الاستخبارات او اجهزتها الالكترونية , ولاينشر الطريقة التي تمت فيها سرقة الوثائق .
ومن هنا , فان التسريب الصارخ لايتم الاكتفاء بمعالجته بالوقاية , الا ان كل حالة تسريب علني لابد ان تدرس لمعرفة المسبب والمقصر والاسلوب الذي تمت به السرقة وكيفية سد الثغرة , منعاً من تكرارها .
اما تسريب المصيدة الذي تصطاد به الاجهزة الاستخبارية جواسيس الاعداء حيث تلقي بمعلومات سرية مفبركة وتراقب من سيهتم باخذها ونقلها للعدو , فلاتتم مكافحته لانه من صنع الاجهزة ذاتها , الا ان الاجهزة الاستخبارية تنبه جواسيسها ان لايقعوا في المصيدة , وان يكونوا شكاكين لاسيما في المعلومات التي تمتاز بخطورة المحتوى وسهولة الاستحصال , فهنا لابد من ان يدق ناقوس الخطر لدى الجاسوس المحترف المدرب فيعمد الى عدم الالتفات لتلك المعلومات .
-------------------------------------
الوقاية من التسريب
--------------------------------------
ذكرنا سابقاً , ان الاجهزة العسكرية والامنية والاستخبارية تطلق تسمية دفاعية ملطفة على الدوائر الاستخبارية المعنية بمكافحة التجسس , فتسميها حماية اجهزة المعلومات او امن المعلومات , ذلك ان الاجهزة الاستخبارية تشعر بالحرج من الاعتراف بوجود تجسس ضدها يستحق المكافحة.
ان علاج التسريب الصارخ هو بالانضباط في الجهاز الاستخباري وسد الثغرات والتقييم المستمر لمواطن الخلل وعدم التهاون في تطبيق الانضباط العالي لكل المنتسبين والعاملين , ونذكر هنا بعض النقاط الوقائية المهمة لمنع التسريب :
1- سد جميع الثغرات في التكنلوجيا بإعتماد اقصى درجات الامان والحماية , وإحكام الكودات والاقفال والرموز .
2- السرية والكتمان .
3- الرقابة المستمرة بكافة الوسائل التقنية والبشرية .
4- تقييم موقف الافراد و تحديث الاحصاء المعلوماتي المستمر عن الموطفين.
5- توزيع المهام بشكل علمي ومنع الفوضى والعشوائية والتداخل من خلال تحديد الاهداف لكل اقسام المؤسسة والعاملين ووضع خطوط فاصله بين فروع الجهاز.
6- تطوير المهارات والثقافة الامنية.
7- تشديد العقوبات وصرامة الالتزام بتطبيق التعليمات واليات العمل.
8 - منع التحزب داخل المؤسسة .
9- دقة الالتزام بالتصاريح الامنية.
10- الانضباط الاداري والمالي والامني.
11 - ضبط التوزيع الداخلي والخارجي للمعلومات .
12- تفعيل مبدأ التفريق والارشفة المتفرقة.
-----------------------
علاج التسريب
------------------------
قلنا ان هنالك طرق وقاية للمعلومات لابد من تطبيقها لمنع اي نوع من التسريب , الا انه بعد حصول التسريب لابد من التحقق سواء بسرية او بعلنية لمعرفة معلومتين اساسيتين , من هو الذي قام بالتسريب وشركاءه , وماهي الكيفية التي تم بها التسريب .
فان كان نوع التسريب هو النوع الصامت (اي التجسس لصالح العدو) , فان الاجهزة الاستخبارية لاترحم من يسرب معلوماتها , فاما ان ينال عقوبة صارمة تصل الى الاعدام القانوني او الاغتيال , او ان تسيطر على المسرب ليعمل وفق ارادتها كعميل مزدوج , وفي الحالتين تتم الاستفادة القصوى من الجاسوس لمعرفة اجابات على عدة اسئلة هامة منها طرق اتصاله وطريقة تجنيده وشركاءه ونوع المعلومات التي يستهدفها العدو وماهي المعلومات التي يعلمها العدو الى الان وغيرها من التساؤلات التي تنفع الاجهزة الاستخبارية في حفظ معلوماتها واسرارها .اما دراسة الطريقة التي تم بها التسريب فينتج عنها ان تتم مراجعة وتعديل الاجراءآت الوقائية وكافة الثغرات.
--------------------------------
التسريب الشامل
--------------------------------
تعتبر معرفة مايعرفه العدو من معلومات عنا من اهم الاسئلة التي تود الاجهزة الاستخبارية معرفته , فمن المهم ان تعرف كم هي درجة نجاح العدو باختراق اجهزتك , ذلك ان هذا النوع من الاختراق يكون صامتاً ولاتتبجح به الاجهزة المعادية ولاتكشف عنه .
وما ان يعلم اي جهاز استخباري بمدى التسريب لديه و نوع المعلومات المسربة منه فحينها سيتعرف على مكان التسريب ومستوى التسريب , وسيكون لديه مشتبه بهم محددون , كما يمكن ايضا تطبيق التسريب (الموجّه) ولاحقا التسريب (المصيدة) لاكتشاف مصادر العدو , كما تعد المعلومات الاعتراضية مهمة جدا ويمكن ان نعرف مستوى التسريب من خلالها .
فعندما تكتشف الاستخبارات ان هنالك تسريب يخص احد الالوية دون ان يكون هنالك تسريب في الفيلق , فهذا يعني ان للعدو مصدر في لواء تابع لاحد الفيالق , ,ولكن اذا كان الجاسوس في مقر قيادة الفيلق فحينها ستكون التسريبات شاملة لكافة الفرق والالوية التابعة للفيلق اضافة الى ان بعض الوثائق ستكون استراتيجية لانها من قيادة الفيلق , اي ان المصدر يرتفع انتاجه الى اقصى حد حين يكون مزروعاً في مصادر القرار العليا , ويسمى التسريب حينها شاملاً , لخطورة المعلومات التي يطلع عليها ,
وحين يواجه جهاز استخباري تسريباً شاملاً . يتم اعتماد فريق عمل من خبراء مكافحة التجسس ولاسيما من المتقاعدين , ويبدأ الفريق بتقييم عمل التسريب وحجمه ومعطيات المعلومات الاعتراضية وقد يلجا الى المصيدة او التسريب الموجه لفتره من الزمن , وقد يغير في الاجراءآت ومقررات الجهاز اوقد يصمت (اوتصمت اللجنة التحقيقية ) لفترة من الزمن لتجعل كل شيء طبيعي وعادي حتى لا تثير عوامل التسريب , فكلما كان التسريب جزئياً , كانت مكافحته وكشفه وتحديده اسهل والسيطرة عليه اسرع .
ان اجراءت مكافحه التسريب لا تختلف عن مكافحه التجسس بالاطار العام (راجع مبحث 39 مكافحة التجسس) , لكن مكافحة التجسس غالباً ماتقوم بها اجهزة امنية عملياتية مضادة تهتم بقطع اليد ومنع التواصل والاستمرار.
اما مكافحة التسريب فيقوم به الجهاز الاستخباري نفسه , لذا يهتم ان يصل الى الهدف واين يصل التسريب , فمكافحة التسريب لاتقف عند معرفة التسريب ومحله بل تمتد الى معرفة الى من يصل هذا التسريب ومن امر به .
------------------------------------------------
التسريب في اجهزتنا الاستخبارية
------------------------------------------------
ان الحديث عن التسريب في اجهزتنا الاستخبارية حديث ذو شجون , لو لاحظنا اجهزتنا الاستخبارية ومقدار التسريب عموماً والصامت خصوصاً فيها لاكتشفنا كوارث لاحصر لها للاسف الشديد بسبب شدة الخروقات الحزبية والسياسية وشدة اختراق اجهزة دول الجوار لاجهزتنا الاستخبارية بكافة المستويات للاسف الشديد .
ولذا لابد من اعادة شاملة للانضباط
والهيكلة وادخال التقنيات والتعامل الصارم مع التسريبات اذا اردنا ان تكون لنا اجهزة استخبارية فاعلة .
------------
خلاصة
------------
مكافحة التسريب هو بوابة الخزنة , فلافائدة ان تشيد خزانة ضخمة فولاذية اذا كان بابها من الكارتون المتهريء , ان ثروات الاجهزة الاستخبارية في معلوماتها , فان كانت مخترقة فلافائدة من مشقة جمع وتخزين المعلومات السرية , ولمعرفة اهمية ذلك فان الاجهزة الاستخبارية تقيم سنوياً وحتى فصلياً ليس فقط ماجمعته من معلومات ولكن تقيم اجراءآتها في الحفاظ على السرية كما تقيم مدى معلوماتها عن اسرار اجهزة العدو الاستخبارية , وهو امر مهم لقياس مستويات النجاح والفشل , والله الموفق







اخر الافلام

.. منصة إلكترونية مفتوحة للتعلم بالأردن | الليلة


.. أسرار الدولة في مكالمات هاتفية بين وليد زروق ورجل أعمال سوري


.. فرنسا.. وخطط مكافحة الفكر المتطرف




.. تركيا.. سياسة الإفلاس وبيع الجنسية


.. موسكو وواشنطن.. والحرب السيبرانية