الحوار المتمدن - موبايل



حول عمل التنسيقيات والمنتديات الاجتماعية

عذري مازغ

2018 / 7 / 13
مواضيع وابحاث سياسية


نحيى الجديد دون ان يكون حاضرا في وعينا الذاتي، فالنضال الذي كانت احزاب اليسار والنقابات العمالية هي من تؤطره ، أصبح اليوم، نظرا لما آلت إليه الظروف من تدجين هذه الاجهزة من طرف القوى المهيمنة والمسيطرة سياسيا في شخص الدولة الحاكمة نفسها، من حيث شل قدرتها على الفعل والتفعيل، أصبح اليوم هذا النضال تقوم به التنسيقات والمنتديات الإجتماعية، أصبحت هذه الآليات هي من يؤطر الشارع ويفعل فيه بشكل يحتم على النقابات والأحزاب السياسية إعادة النظر في هيكليتها الكلاسيكية التي لم تعد تتوافق مع العصر، هذه التنسيقات والمنتديات الخارجة عن فعل التدجين هي من يمارس بحرية أكبر مهمة النضال الجماهيري الحقوقي والإجتماعي والسياسي.
صحيح جدا ان هذه المنتديات والتنسيقات تشارك فيها جميع القوى السياسية إلا أنها عمليا، في تصريف المواقف، تخضع لآلية ديموقراطية مختلفة تماما عن شكلها التقليدي، بشكل لا يعود هذا التصريف إلى توجهات حزب معين وفرضه على حساب مواقف أخرى تشكل عناصر التنسيقية او المنتدى بل إن الطابع التشاركي لمختلف عناصر التنسيق هي من يصنع القرار او التوجه النضالي حول قضية معينة .
إن الشيء المميز في هذه التنسيقيات أو المنتديات هو تنوع عناصرها واختلاف مذاهبهم ، إنها تمثل شكلا مناهضا لشيء مرفوض دأب الجميع على نبذه من قبيل الالتزام بتوجه تيار معين إذ ان ما يفرض التنسيقية هو شكل وزمان وجغرافية المشكلة القائمة أي أن اي مشكلة اجتماعية قائمة في مكان ما وزمان ما تفترض حلا معينا ، هذه المشكلة ربما لا تحظى في سياسة حزب معين بأهمية كبرى نظرا لتبريرات معينة يتقن التبحر فيها أو اولويات معينة لديه، لكن بالنسبة للمحلي لها اولوية فائقة وتفترض توجها ملحا لحلها كما تفترض مواجهة المشكل محليا، أما إذا كان هذا المشكل له طابع عام بحيث لا يمس فقط محليا بل يمس مناطق اخرى فتفترض مواجهته تنسيقا أكبر يوحد المواجة إضافة إلى كونه كان ضمن أعمال تنسيقيات محلية لجهات أخرى، على أن مفهوم التنسيقية قد اتخذ أخيرا في إطار المنتديات الإجتماعية فهما مغايرا لما كان عليه سابقا حيث كان عبارة عن تنسيق داخل نفس الجهاز الحزبي أو النقابي أو المدني بشكل خاص، أي ضمن إطار واحد أو ضمن إطارات توحدها أيديولوجية معينة، بمعنى كانت سجين رؤية نخبوية معينة مؤطرة إيديولوجيا وسياسيا، أما المفارقة التي تطرحها الآن المنتديات والتنسيقيات الإجتماعية فهي كونها تنويعية تتجاوز الإيديولوجية نسبيا من خلال التعاطي مع مشكلة اجتماعية معينة، فمثلا مشكل غياب الماء في بلدية معينة يفترض إجماعا يتجاوز القراءات الأيديولوجية سواء كانت يمينية أو يسارية أو محايدة كما يتجاوز أولوياتهم السياسية، فالتنسيقية هنا حول هذا المشكل تأخذ طابع الأولوية القصوى سواء عند اليميني أو اليساري أو اللامنتمي .
نحن الآن امام نمط جديد من التنسيقيات يتجاوز التحديدات أو التعريفات السابقة ، إذ لم تعد شأنا حزبويا أو نقابويا أو جمعويا داخل نفس الإطار المحدد بل هي تنسيقات اجتماعية تخترق الأحزاب والمنظمات نفسها وتفرض عليها تفتحا نحو الآخر كما تقصي توجهاتها الانفرادية .
من مميزات التنسيقيات والمنتديات الاجتماعية أنها تنشأ حول مشكل معين وتفسخ بمجرد انتهاء المشكل وحله، وقد تبقى حية لظروف خاصة موروثة عن طابع التنسيقيات الحزبية الكلاسيكية أو لأن المشكل لم يعالج بصفة نهائية، ففي الحالة التي يعالج فيها المشكل الذي تشكلت لأجله بشكل نهائي يبقى وجودها ترفا إلا في حالة تحولها إلى تناول مشكلات أخرى لذلك نجد بعض التنسيقيات تاخذ طابعا عاما من قبيل تنسيقيات الرباط، او البيضاء أو غيرهما من المدن.. وتعمل على أساس خلق تنسيقيات صغيرة خاضعة لها من قبيل لجنة كذا أو كذا إلا أن مفهوم اللجنة هنا تأخذ حركتها طابعا عكسيا لما دأبنا على تآلفه في اللجن الحزبية، فهي ليست لجنة موجهة من طرف حسب أو منظمة، بل لجنة موجهة من طرف تنسيقية لها طابع خاص وهذا طبعا يقلب التعريفات التقليدية سواء كانت ذات طابع برلماني حكومي أو كانت ذات طابع حزبي أو أي مؤسسة، هذه التنسيقيات لا تخضع لمنطق المأسسة، فهي وليدة حركة اجتماعية حول قضايا معينة يشترك في تحديدها كل أعضاء المجتمع، هي تتطلب حلا لا يستند إلى رؤية زعيم معين، بل قراراتها هي قرارات تشاركية بين مكوناتها على اختلاف مذاهبهم، هي شكل نبذ الزعامة، رفض آخر لما يشكل سيادة رمزية معينة ، مسح لقانون تبرير الأولويات عند تيار معين يعتقد انه يسود، رفض للنمطية التدجينية التي تمارسها الاحزاب والنقابات والجمعيات الكلاسيكية، وهي في الأخير تحول ناجح في تطور المجتمع.
التنسيقيات الإجتماعية او المنتديات، لا ترفض أي رأي حتى لو كان من عناصر غير مرغوبة، إذا كانت الفكرة فعالة في حل معضلات هي تأسست لأجل حلها ، فلا يهم من اقترح الحل ، ما يهم هو نجاح الفعل.
التنسيقيات اصلا هي ثمرة تراكم تجمعات معينة مستقلة نسبيا،غالبا هي مدنية محلية قد تتطور إلى وطنية حسب طبيعة الموضوع الذي يراد معالجته، هي نتيجة سيل أفكار (مطر فكري حول قضية معينة)، سيل فكري هو مجموع تدخلات المواطنين في جمع عام قد يكون جماهيري أيضا (مع تحفظ خاص، أقصد الجموع التي انتهضت حول مشكل معين وليس تجمع جماهيري يخطب فيه زعيم سياسي معين فهذه التجمعات الخطابية لا تمثل مطرا فكريا حتى وإن تنوعت اطروحات الزعيم، إنما نقصد بالمطر الفكري تدخل الجماهير في طرح أفكارها)، هذا المطر الفكري هو ما يحدد التوجه العام للتجمع وهو أيضا من يحدد طابع التنسيقية ومهمتها وهو أيضا من يحدد توجه اللجن وتكوينها، هذه بتواضع معرفي هي آلية عمل ما نسميه باليسار الجديد.







اخر الافلام

.. وقود إيران.. غضب الشارع في مواجهة الإجراءات


.. البصرة.. وفرق الموت التابعة للميليشيات الإيرانية


.. ميليشيات الحشد الشعبي.. استغلال الميدان لمكاسب سياسية




.. تركيا وواشنطن.. ملفات خلافية واتفاقات استفزازية


.. سوريا.. خرق الهدنة وتحرك الضامنين