الحوار المتمدن - موبايل



جنون الارتياب

حسين عجيب

2006 / 2 / 23
الادب والفن


جنون الارتياب _ثرثرة مفتوحة

نصيبي الشخصي من عقدة الاضطهاد,لا يتجاوز الحد الطبيعي المتوافر في سوريا. مع أن موقعي, الذي تحدّد غالبا بتأثير معكوس من مواقفي في المجتمع والسياسة والثقافة, كان على الدوام بلا سلّة أو عنب ويتلقى بشكل مستمر عدوان الناطور والحرس.كل حمايات العائلة والطائفة والحزب تخلّيت عنها قبل العشرين.
وذلك السبب الأول _كما أعتقد _الذي أصابني بجنون الارتياب.
.
*
بعد هذه الفقرة فتشت في"المعجم الموسوعي في علم النفس" ترجمة وجيه أسعد, وإصدار وزارة الثقافة, عن الارتياب و جنون الارتياب بلا جدوى, لم يعترف بعد بهذه الحالة كمرض صريح, الحمد لله. شعوري مزيج من الفرح والأسى, فرح لأن لدينا ما نقدّمه للآخر وإن يكن على مستوى المرض, والأسى بسبب معاكس, مازالت عتبة الثقة في تلك البلاد أعلى من سقف الطموح لديّ, صرت أخاف من الحديث عن السوريين, مع ظني أن أغلب من يصلهم هذا الكلام ليسو أقل مني قلقا وارتيابا, وفقدان ثقة بالنفس والآخر.
أستطيع تكملة كلامي عن جنون الارتياب بحرية أكبر, طالما أعرض تجربة شخصية بشقيها المعيشي والثقافي. تتحصل درجة الثقة أو نقيضها الارتياب أولا عبر النصيب الشخصي من عاملين متعاكسين الخوف والأمان, لتضاف مؤثرات جديدة لا يتعدّى دورها تضخيم الحالة والشعور بها.
أن تكفّ عن الحلم, ثم تعرض عن الشأن العام, ثم تهمل حقوقك وواجباتك المباشرة لتتوقف أخيرا عن الاهتمام بنتيجة عمل تقوم به أو رأي تحمله, في ذلك حالة اكتئاب صريح أو مضمر. الحاجات القهرية تعيدنا إلى الواقع.
أن يثير قلقك الشديد اتصال تلفوني متأخر أو شخص غريب ينظر إليك بتمعن شيء مبرر ويدلّ على الفطنة والحذر, أما أن تتحول العادات اليومية الروتينية إلى تعذيب مستمر, ففي ذلك جنون الارتياب قولا وفعلا.
*
توجد علاقة مباشرة بين جنون الارتياب وصورة الآخر في النفس اللاواعية أولا.
كان الآخر في جوار منزلنا, وكان واضحا ومباشرا والتعامل معه يتم بشكل واعي ويكفي الانتباه والحذر لتجنب شرّه. وامتد إلى خارج عائلتنا, ثم قريتنا, كنت أكبر ويكبر الآخر معي وتتسع حدوده, ومع نهاية طور الشباب والدخول الشاحب في الكهولة, تحول الآخر إلى عالمي الداخلي, وصرت أكره وأرفض بعض الأجزاء الأساسية في شخصيتي, مع تغير اللغة والقاموس, بدل أعرف صارت يمكن أو ربما, بدل أريد أو أرفض صارت برأيي أو أعتقد أن في ذلك الخيار أو التصور أو, ربما ما لم أنتبه إليه.
بالمقابل صارت لوائح الأوامر والنواهي المحيطة بي تتقلّص إلى البعد اليقيني,
قاطعوا البضائع الدانيماركية_ هكذا قرأت في شوارع اللاذقية_هذا الملصق الآمر القطعي المنفصل تماما عن الشك أو التخمين والعالم النسبي بمجمله.
يا إلهي...أنا لا أعرف عن الدانيمارك أي شيء, سوى الكاريكاتير الشهير, ومطلوب مني أن أقاطع بضائعهم,حسنا سأفعل. لكنني أفكر بطفولتي وشبابي الضائعين وأنا أتخيل هذا الجيل الفتي الذي يتم حقنه بجنون الارتياب, ماذا بعد عشر أو عشرين سنة, هل سيهتف شعب بكامله الموت "لسويسرا" مثلا, إذا غنّى أحدهم أو رسم أو كتب مادة سفيهة أو وقحة أو جريئة.
عدنا من مناقشة كتاب" الحداثة المعطوبة" في عاديات جبلة للكاتب ياسر اسكيف, والعدد الإجمالي للحضور 12 نفرا, أكثر من نصفنا لم يقرأوا الكتاب بكامله, مع انه وزع مجانا وباليد, ماذا يمكن القول!؟
جنون الارتياب هو الاستجابة الصحية والملائمة للمناخ العام في بلادنا.
عدا ذلك حالة ذهانية منقطعة بشكل تام عن الواقع الموضوعي.
لست غاضبا ولست حزينا ولست فرحا ولست أي شيء, سوى ضجران يثرثر, ثم يعاتبه أصدقاءه على جملة مجازية أولا: من تحت الأحذية يجري الواقع.







اخر الافلام

.. حوار خاص مع الممثلة اللبنانية ستيفاني صليبا


.. دورة تدريبة لفنون العمل المؤسساتي في ريف حماة


.. 21 طلقة وموسيقى عسكرية في وداع العميد ساطع النعماني




.. -كتاب مصر- يكرم كبار مبدعى السينما والتليفزيون


.. الغناء الجماعي يساعد على التنفس