الحوار المتمدن - موبايل



في ماهية القول الفلسفي وضرورته .

عزالدين جباري

2017 / 1 / 12
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


لعل من نافل الكلام قولنا إن الفلسفة عصية عن التعريف، وإن أبسط تعريف لا يداخله جدل، التعريف المعجمي في أصله اليوناني، محبة الحكمة. وتعني التوجه العاشق نحو المعرفة المجردة، المعرفة المانحة للفهم والمحققة للسكينة، إذ العشق سعي نحو سكون النفس من الأذى النابع من الإحساس بالخواء، العشق سعي نحو الامتلاء، الامتلاء هنا قرار، ويقين، إنه فعل حركة كافة للحركة.
العشق صورة قصوى للمحبة، وكلاهما نزوع، العشق نزوع والمحبة نزوع، وهما حالتان من الوجود يمكن وصف وضع الإنسان فيهما بكونه " انقذافا " من موطن الدعة والطمأنينة إلى ميدان الفكرة، فالنزوع "هنا" حركة، والحكمة "هناك" قرار.
سؤالنا اللحظة: لم النزوع ؟ لم حركة النفس الوادعة؟ ومتى كانت الوداعة؟
الوداعة طمأنينة إلى قول. حين يعجز القول عن تفسير حدث ما، ينشأ الخلل، فتنفر النفس عن إجابة القول إلى مجابهة الفراغ، القول يفرغ من مقوله، والنفس تهيج عن غفل الفراغ، حيث لا يمكنها أن تعشق الفراغ، إذ النفس لا تعشق سوى الصورة، و الصورة تبدأ في النفس فكرة، ثم تسعى النفس إحلالَها صورةً محسوسة في زمن لاحق.
لمَ لمْ يعد القول قولا ممتلئا بالحكمة؟
القول هنا حدث ناتج عن حدث قبله اتسم بالدهشة وفقدان المعنى، القول رتق يبدد الذهول وينسج خيوط المعنى المنفلتة. وإذا كانت الخيوط دوما هناك، فالإنسان ظاهرة لاحقة لقول سابق وحدث أسبق.
القول الفلسفي اكتشاف لتهدل النسيج، ولترهل الإجابة.حيث لا إجابةَ مكتملةٌ، لأن الأحداث لا تتوقف.
تعريف الفلسفة إذن،هو أنها قول أول، يندهش من فداحة الحدث، وضآلة الأقوال المجيبة عنه، ف"يجترح" المعنى. إن الاجتراح في التعبير يصاحبه إحساس غامض باقتراف الخطيئة وارتكاب فعل آثم، فاجترح الإثم ارتكبه، يقول الله تعالى: " أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون " . الجاثية، الآية 21 . ويتفق كل المفسرين وعلماء اللغة على أن الاجتراح اكتساب، يقول الزمخشري في الكشاف : ( والاجتراح الاكتساب. ومنه الجوارح وفلان جارحة أهله، أي كاسبهم . ). الفيلسوف بهذا إذن، وبهذا المنزع من القول، منذور لاقتراف قول جديد، مُفرَد، بِدعةٍ من القول، وهو لذلك منذور لسخط الجماعة ومجافاتها. بيد أن الفيلسوف إذ يجترح، فهو يسعى لاكتساب سبيل لحقيقة موضوعة أمامه ، ماثلة للانكشاف. فالفيلسوف جارحة أمته، وقد يرقى في مدارج الإنسانية فيؤول جارحة عصره.
إننا حينما نسمع كلمة اجتراح يوخزنا إحساس كامن في لاوعي الضمير، هو شعور متلفع بغبش مشوش، يجعلنا نفزع من العلاقة بين لفظ الجارحة ومعنى الجرح. كيف لنا أن نفهم تسمية يد الإنسان بالجارحة التي تفيد اسم فاعل من الجرح؟ فهل معنى ذلك أن الوجود الأصيل للإنسان هو وجود لا-وَسَلي، هو وجودُ كمون وسكينة واكتمال؟ وأن الفعل إيجادٌ ، زمن ثمة حركة ترج السكون، وتمزق غشاء الكمون، فتألَم الكينونة مثلما يتألّم الجسد من الجرح الحسي؟
يجترح الفيلسوف المعنى بأن يشقه من ثياب الغياب، من غمرة السهو. فالإنسان كائن لا يقوى على أن يظل في حالة استثارة للفكر بشكل متصل، بل يتوجب عليه أن ينسلك في مسالك النسيان، فيحتمي بغطاء الأجوبة الجاهزة، ويؤجل مهمة التقصي، والتحليق في الأعالي، هناك، حيث تنفتح كينونته، إلى أن تتوارى بالحجاب، فتغمره الحواس، وتملأ جوانب تفكيره وانشغاله، فيسقط في السهو، وتتراكم طبقات من الصور والأفكار والتجارب والقيم، فاصلة إياه عن وجوده الأصيل، وعن الإنصات لخطاب الكينونة.
حين يكشف الفيلسوف الخلل بين القول كإجابة والحدث كتحد، حين يقيم في هذه المسافة بين القول والمقول- الحدث، تتخلق عنده أزمة القيمة والنبض، يجرب إجابة القيمة التي يوفرها له مناخ النشأة، ويصارع من أجل إعلاء كلمتها، إلا أنه يفشل في الوصول إلى القرار، يظل النزوع لا يجد له مأوى يقر فيه، الدفق النابض أشد وطأة من الإناء الذي تقدم فيه إجابة القيمة. النبض الغرزي لا يفي بالجواب، فإرادة الغريزة لا تحررها بالكامل، هناك دوما ثقافة تعدل مسارها، كما أن المجتمع الإنساني سياسي بالاجتماع، لذلك فالغريزة لا يمكنها أن تسود، لأنها تنطوي على خطر الإبادة. يقول " نيتشه " في " إرادة القوة " : ( في البنية الداخلية للنفس، لدى الإنسان البدائي، تسود خشية الشر ) . الغريزة إرادة للقوة في اتجاه واحد.. البقاء للأقوى.
أما القيمة فهي سيادةٌ للثقافة المتغلبة السائدة، وهي بذلك تطمر الأفراد الإشكاليين، إن الإشكال عنوان إقامة السؤال الفلسفي، والذي هو إدراك للمسافة بين الحدث الفادح والقول الهزيل المهترئ.
إن القول الفلسفي اجتراح للممكنات التي لم توطأ أرضها بعد، حرث في مجال الإمكان، لأن التاريخ حركة لولبية لكنها متقدمة نحو الأمام، لها حلقات تشبه في أشكال منها حلقات قبلها، لكنها تفارقها، لأنها أعلى منها، وصورة ذلك قانون " نفي النفي " في تفسير حركة التاريخ لدى " كارل ماركس ".
إن قولنا إن الفلسفة تلفظ كل المسلمات السابقة، وتفتح طريقا جديدا من التفكير منبعه الدهشة، هو أقرب تعريف لحقيقة القول الفلسفي.
إنه بهذا الاعتبار، لا معنى لقولنا فيلسوف مادي، أو فيلسوف إسلامي، وآخر نيتشوي. هؤلاء يقدمون إجابات على هدى مصابيح تنير لهم الطريق، فهم شراح إذن، أوخريتون خبروا ملتويات الطريق، أما الفيلسوف فهو الذي سلك كل الطرق ولم يعثر إلا على الطريق التي تنبع من جهده، فانفتح له ضوء مكان جديد.
لايمكن للفلسفة أن تنشأ من فراغ، هنالك دائما قول أول، أو أقوال أولى، و ثانية ، هي شارحة للأقوال الأولى.
والفيلسوف لا " يقنع بما دون النجوم "، إذا استعرنا قول المتنبي. هو صاحب قول أول، يريد سبر الأصول، وتعرف أسباب النشوء، وردم الفجوات.
القول الفلسفي إذن، قول " لا أدري " بالتحديد. واللاأدرية هنا عارية عن كل معنى تلبس بها عبر تاريخ الأفكار السابقة لهذه اللحظة التي نفكر فيها. لذا، لا يُهمنا كثيرا تقصي دلالاتها في بطون الكتب، فمعناها ليس بالعمق الذي يخفى على أحد. ولعل أعمق لحظة لاأدرية عاشها مفكر عربي مسلم هي لحظة خروج الإمام الغزالي للبحث عن الحقيقة، بالرغم من أنه كان من أشهر منارات الهداية نحو القيم الدينية السامية، غير أن النبض فيه تخطى القيمة لروح الإمكان.
اللاأدرية التي أعني، هي لحظة توهج، تشبه توهج الشمعة في رمقها الأخير، فهي سرعان ما تخبو لأن المادة انتهت، مادة الجواب فقدت أن تظل حكمة، أو مصدرا لليقين. في هذا الزمن الخابي تتخلق الحاجة وينشأ الفراغ، ويصبح القول الأول ضرورة وجودية.







اخر الافلام

.. الحرب الأفغانية ضد طالبان


.. قوات سوريا الديمقراطية تمهل داعش مدة قصيرة للإستسلام


.. إيران تتحدى التحذيرات الدولية وتدشن مصنع صواريخ باليستية




.. موسكو وواشنطن .. صداقة في الأجواء وعداء على الأرض


.. الحرب على الإرهاب.. وما بعد منعطف مانشستر