الحوار المتمدن - موبايل



نوري السعيد / الحلقة الخامسة عشرة

حامد الحمداني

2015 / 10 / 2
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


نوري السعيد رجل المهمات البريطانية الكبرى
الحلقة الخامسة عشرة
حامد الحمداني 2/10/2015

نوري السعيد يؤلف وزارته السادسة وينتقم من الانقلابيين
فور استقالة حكومة جميل المدفعي في 21 أيلول 1941،أوعزت السفارة البريطانية إلى الوصي عبد الإله أن يستدعي نوري السعيد، الذي كان يشغل منصب وزير العراق المفوض في القاهرة، لتشكيل الوزارة الجديدة، وهذا ما كان، فقد صدرت الإرادة الملكية بتكليفه في 9 تشرين الأول 1941، وبدأ نوري السعيد باختيار أعضاء وزارته من العناصر المشهود لها بالولاء التام لبريطانيا، وعدائها لحركة الكيلاني والعقداء الأربعة لكي تستطيع تصفية الحسابات مع جميع العناصر التي ساندت حكومة الكيلاني، ولتنفيذ معاهدة 1930 العراقية البريطانية، بما يؤمن مصالح بريطانيا ومجهودها الحربي في العراق، وجاءت الوزارة على النحو التالي:
1 ـ نوري السعيد ـ رئيساً للوزراء ووزيراً للدفاع .
2 ـ صالح جبر ـ وزيراً للداخلية .
3 ـ علي ممتاز الدفتري ـ وزيراً للمالية .
4 ـ صادق البصام ـ وزير العدلية .
5 ـ تحسين علي ـ وزيراً للمعارف .
6 ـ محمد أمين زكي ـ وزيراً للمواصلات والأشغال .
7 ـ جمال بابان ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية .
8 ـ عبد المهدي ـ وزيراً للاقتصاد .
1 ـ منهاج حكومة السعيد :
وضع نوري السعيد في منهاج حكومته ثمانية أهداف سطرها في رسالة شخصية إلى السفير البريطاني، وبعث بنسخة منها إلى السفير الأمريكي الذي أرسلها بدوره إلى حكومته ببرقيته المرسلة في 15 تشرين الأول 1941، وجاء فيها: (1)
1ـ التعهد بتنفيذ المعاهدة العراقية البريطانية بصورة كاملة، ولاسيما بالنسبة لتحضيرات بريطانيا الدفاعية والمواصلات.
2ـ التعهد بتطهير الجيش من العناصر المؤيدة لحركة رشيد عالي الكيلاني وللمحور.
3 ـ التعهد بإحالة الكيلاني والعقداء الأربعة الذين ساهموا وساندوا الحركة إلى القضاء.
4 ـ التعهد بفصل كافة الموظفين المؤيدين لحركة الكيلاني والمحور، واعتقال العناصر النشطة منهم.
5ـ التعهد بفصل كافة المعلمين والأساتذة الذين أيدوا حركة الكيلاني، وتغير كافة المناهج والكتب المدرسية المعادية لبريطانيا.
6ـ التعهد بإجراء تغيرات واسعة في وزارة الداخلية بمشورة المستشار البريطاني للوزارة.
7 ـ التعهد بعدم إثارة قضية فلسطين والقضايا العربية الأخرى خلال فترة الحرب.
8 ـ التعهد بغلق سفارة حكومة[فيشي] الفرنسية التي نصبها الألمان بعد سحق فرنسا.

وهكذا بدأ نوري السعيد خططه باعتقال عدد من كبار الشخصيات السياسية الوطنية، وتم حجزهم في [معتقل الفاو] في جنوب البصرة، في 29 تشرين الأول 1941، ثم أعقبهم بمجموعة أخرى جاوزت الأربعين من الشخصيات السياسية المعارضة للاحتلال البريطاني في 20 تشرين الثاني ،ثم جرى اعتقال مجموعة كبيرة من الضباط الذين أحيلوا على التقاعد بعد فشل حركة الكيلاني في 27 منه، وتم إيداعهم معتقل الفاو أيضاً. (2)

وفي 7 آذار 1942 جرى اعتقال وجبة رابعة من الوطنيين وسيقوا إلى معتقل الفاو كذلك، ثم تلتها وجبة خامسة في 7 تموز من نفس العام وجرى إيداعها [معتقل العمارة]، وقد ضمت تلك الوجبات خيرة الشخصيات الوطنية من المهندسين والأطباء والمدرسين وأساتذة الكليات ورجال الصحافة، والسياسيين الحزبيين والكسبة والعمال والطلاب والتجار، وقد جرى اعتقالهم جميعاً بموجب مرسوم [صيانة الأمن العام وسلامة الدولة] رقم 56 لسنة 1940 الذي تم بموجبه تعطيل الحقوق الدستورية للمواطنين، وإطلاق أيدي الأجهزة القمعية لوزارة الداخلية [الأمن والشرطة] لتعتقل من تشاء دون أسانيد أو مسوغ قانوني. (3)

وبسبب تمادي نوري السعيد في حملته ضد الوطنيين استقال وزير العدل السيد [صادق البصام ] احتجاجاً على تلك السياسة، وقد تم قبول استقالته في 9 شباط 1942، وصدرت الإرادة الملكية بتعيين [ داؤد الحيدري] بدلاً منه. (4)

ويصف السيد توفيق السويدي تصرفات وإجراءات نوري السعيد تلك قائلاً: لقد قامت الحكومة السعيدية بأعمالٍ لم تكن حكومة المدفعي مستعدة للقيام بها، وقد كان من المتوقع أن تقوم الوزارة السعيدية بأعمال ملائمة جداً للرغبات البريطانية، إذ ظهر ذلك بانتقاء الوزراء ممن كانت تميزهم صفة التودد إلى البريطانيين إن لم يكونوا من رجالهم. (5)

بدأت حكومة السعيد بعد الاعتقالات بمحاكمة الكيلاني ورفاقه الوزراء كل من: [علي محمود الشيخ علي] و[يونس السبعاوي] و[الفريق أمين زكي] وكيل رئيس أركان الجيش، والعقداء قادة الجيش [ صلاح الدين الصباغ] و[محمود سلمان ] و[كامل شبيب] و[فهمي سعيد] حيث أصدر المجلس العرفي العسكري حكمه بالإعدام غيابياً بحق الجميع، وتم أبدل حكم الإعدام الصادر ضد الفريق أمين زكي إلى الأشغال الشاقة المؤبدة.
كما صدر حكم بالأشغال الشاقة لمدة 15 عاماً على الوزير[ ناجي شوكت]، وحكم على الدكتور[ محمد حسن سلمان] بالسجن لمدة سنة وعلى[ صديق شنشل] بالسجن لمدة 5 سنوات.
ولم يكتفِ نوري السعيد بكل ذلك بل حرض المحتلين على اعتقال الوزراء السابقين كل من [ناجي السويدي] و[رؤوف البحراني] و[محمد علي محمود] و[موسى الشابندر] و[عبد القادر الكيلاني]، وتم إبعادهم إلى [ سالسبوري ] في جنوب أفريقيا.

وفي 4 أيار 1942، سلمت بريطانيا كل من: [يونس السبعاوي] و[محمود سلمان] و[فهمي سعيد] إلى الحكومة العراقية التي أعادت محاكمتهم بنفس اليوم أمام المجلس العرفي العسكري، الذي أيد الحكم السابق الصادر بحقهم، والقاضي بإعدامهم، ونفذ بهم الحكم في اليوم التالي المصادف 5 أيار 1942، بحضور عبد الإله ونوري السعيد.

كان الجو العام ذلك اليوم مكفهراً، وكان الحقد والغضب على حكومة نوري السعيد وعبد الإله والمحتلين البريطانيين يتطاير كالشرر من عيون أبناء الشعب، مما ألقى الرعب في نفوس أولئك القتلة لدرجة أن نوري السعيد لازم داره شهراً كاملاً خوفاً من غضب الجماهير، وقد رثى الشاعر العراقي الكبير [ معروف الرصافي ] أولئك الشهداء بقصيدة عصماء. (6)
بعد تنفيذ تلك الأحكام طلبت حكومة نوري السعيد من بريطانيا إعادة المعتقلين في جنوب أفريقيا لمحاكمتهم، وقد تمت إعادتهم بالفعل، وأحيلوا إلى المجلس العرفي العسكري الذي أصدر حكمه على [كامل شبيب] بالإعدام في 16 آب 1944، ونفذ الحكم فيه في اليوم التالي المصادف 17 آب.
كما حكم على كل من الوزراء : [محمد علي محمود] و[موسى الشابندر] و[رؤوف البحراني] بالسجن لمدة خمس سنوات،وعلى الوصي [ شريف شرف ] بالسجن لمدة ثلاث سنوات، وعلى [رؤوف البحراني] بالسجن لمدة سنتين، و[على عبد القادر الكيلاني] بالسجن لمدة ثلاثة أشهر، وقد أمر عبد الإله اعتبار هؤلاء جميعا سجناء عاديين، كما أمر بربط أرجلهم بالسلاسل الحديدية.

أما [صلاح الدين الصباغ] فقد فرّ إلى تركيا، وبقي هناك حتى عام 1945، حيث سلمته الحكومة التركية تحت الضغط الشديد من الحكومة البريطانية، إلى الحكومة العراقية في تشرين الأول 1945، حيث جيء به إلى بغداد، وأمر الوصي عبد الإله بشنقه أمام وزارة الدفاع صباح يوم 16 تشرين الأول، وبقي معلقاً فـوق مشنقته لعدة ساعات، وحضر الوصي لمشاهدته، والشماتة به. أما[ ناجي شوكت] فقد اعتقلته القوات الأمريكية بعد نهاية الحرب في إيطاليا، وأعيد إلى العراق حيث حكم عليه بالسجن لمدة 15 عاماً. (7)
وهكذا اثبت نوري السعيد أنه بحق رجل المهمات البريطانية الكبرى واستحق ثناء وإطراء [ونستن تشرشل] رئيس الوزارة البريطانية في برقيته المرسلة إليه والتي جاء فيها :
{ لقد تتبعت بشديد الاهتمام سير الأحداث في العراق في خلال الخمسة عشر شهراً الأخيرة، وإن التحسن المطرد الذي تم برعاية الوصي وإرشادكم الحكيمين، مما يدعو إلى مزيد من ارتياح أصدقاء بريطانيا المخلصين، وإني لأقدر حق التقدير الوجه الذي أنجزت عليه حكومة العراق الحاضرة عهودها المقطوعة وفق المعاهدة العراقية البريطانية، وأسلوب تعاونها مع حكومة جلالته في مكافحة الطغيان النازي، وأجناد الشر....}. (8)

أدت إجراءات نوري السعيد القمعية ضد الوطنيين من أبناء الشعب، والطاعة العمياء لإرادة المحتلين البريطانيين إلى خلق جو من التذمر الشديد وصل حتى إلى مجلس وزرائه، وأخذ الوزراء يتسللون من الوزارة واحداً تلو الآخر بحجج شتى، تخوفاً مما قد تسببه سياسة نوري السعيد من رد فعل شعبي، مما اضطر نوري السعيد إلى تقديم استقالة حكومته إلى عبد الإله في 3 تشرين الأول 1942.

لكن وزارة الخارجية البريطانية طلبت من عبد الإله تكليف نوري السعيد بإعادة تشكيل الوزارة الجديدة، وطلبت من السعيد أن يختار رجلاً قوياً لوزارة المالية، وقد اختار السعيد السيد [صالح جبر] لهذا المنصب وجاءت وزارته السابعة على الوجه التالي: (9)
1 ـ نوري السعيد رئيساً للوزراء ووزيراً للدفاع .
2 ـ تحسين العسكري ـ وزيراً للداخلية .
3 ـ صالح جبر ـ وزيراً للمالية .
4 ـ عبد الإله حافظ ـ وزيراً للخارجية .
5 ـ داؤد الحيدري ـ وزيراً للعدلية
6 ـ عبد المهدي ـ وزيرا للأشغال والمواصلات .
7 ـ تحسين علي ـ وزيراً للمعارف .
8 ـ عبد المحسن شلاش ـ وزيراً للاقتصاد .
9 ـ احمد مختار بابان ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية .
وفي معرض حديثه عن منهاج وزارته الجديدة قال نوري السعيد أن الوزارة الجديدة هي امتداد للوزارة السابقة، وأنه سوف يركز جهوده لإصلاح وزارة المعارف !!، وعلى تنظيم الشؤون الاقتصادية، وقضايا التموين .
لم يمضِ أسبوعان على تأليف الوزارة حتى استقال اثنان من أعضائها هما [عبد المحسن شلاش] وزير الاقتصاد و[عبد المهدي] وزير الأشغال والمواصلات، بسبب خلافاتهم مع نوري السعيد حول السياسة الاقتصادية والخارجية، واضطر السعيد إلى إدخال وزيرين جديدين في وزارته هما [عبد الرزاق الازري] و[سلمان البراك] .
السعيد يزج العراق في الحرب الاستعمارية:
كان على نوري السعيد أن يمضي قدماً في تنفيذ كل ما يطلبه منه المحتلون البريطانيون، وفي مقدمة تلك المطالب إعلان الحرب على دول المحور، وهكذا لم يمضِ على تأليف الوزارة سوى 28 يوما حتى أعلن السعيد الحرب على تلك الدول، حيث صدرت الإرادة الملكية بإعلان الحرب ليلة 16 / 17 كانون الثاني 1943، وبذلك أدخل نوري السعيد، وعبد الإله العراق في أتون تلك الحرب، التي لا مصلحة له فيها سوى خدمة المحتلين البريطانيين، وأخذ السعيد يوغل في سياسة القمع واعتقال الوطنيين، وكل من يشم منه رائحة العداء لبريطانيا، واستمرت المحاكم العرفية العسكرية تطحن بالأبرياء، فلم يكن نوري السعيد سوى أداة منفذة لإرادة الإمبرياليين البريطانيين الذين صاروا هم الحكام الفعليين للبلاد، يتدخلون في كل صغيرة وكبيرة، ويصدرون الأوامر باعتقال وسجن من يشاءون من المواطنين.

السعيد يعدل الدستور ويعين عبد الإله ولياً للعهد ويمنحه صلاحيات واسعة:
لم يمض على حكومة السعيد سوى شهرين حتى أقدم على تعديل القانون الأساسي [الدستور] بغية توسيع صلاحيات عبد الإله والحكومة، وقد شمل التعديل 43 مادة من مواد الدستور،كان أبرزها منح الوصي عبد الإله صلاحية إقالة الوزارة، وإقرار تنصيبه ولياً للعهد،على الرغم من أن الدستور قد نص على عدم جواز إجراء أي تغيير فيما يخص حقوق الملك طالما يمارس الوصي حقوق الملك.

فقد شكل نوري السعيد لجنة خاصة برئاسة[ جميل المدفعي] وعضوية [توفيق السويدي] و[عمر نظمي] و[ محمود صبحي الدفتري] و[مصطفى العمري] و[نوري القاضي] و[عبد الوهاب محمود] لدراسة إمكانية إجراء التعديل، وقد قررت اللجنة تشكيل محكمة دستورية عليا برئاسة السيد [ محمد الصدر] وأربعة أعضاء من مجلس الأعيان هم السادة [ عمر نظمي ] و[محمود صبحي الدفتري ] و[ صالح باش أعيان] و[محسن شلاش ] بالإضافة إلى رئيس محكمة التمييز وثلاثة من أعضائها . (10)
وكان من أبرز تلك التعديلات :
1 ـ حق الملك أو الوصي في إقالة رئيس الوزراء.
2 ـ حق الملك في حل مجلس الوزراء أو تعطيله أو فضه.
3ـ تفويض الحكومة حق إصدار القوانين أو المراسيم القاضية بحجز الأموال، أو مصادرتها، وفرض القروض الإجبارية.
4ـ منع مخاطبة السلطات العامة وحصرها بالهيئات الرسمية لقمع الاحتجاجات التي كان يرفعها قادة الأحزاب السياسية للوصي أو للحكومة ضد الإجراءات غير الدستورية.
5ـ حق الملك بالغياب عن الدولة وحقه في تنصيب نائبه بقرار من مجلس الوزراء.
6ـ تعديل المادة المتعلقة بولاية العهد والتمهيد لتعيين عبد الإله ولياً للعهد وقد تم ذلك فيما بعد.
7ـ عدم جواز إصدار تشريعات بإعفاء من ارتكبوا جرائم من شأنها المساس بشكل الحكومة، وقد قصد بها نوري السعيد مجموعة رشيد عالي الكيلاني وسائر المساهمين معه في أحداث 2 أيار 1941.
8ـ جعل عدد أعضاء مجلس الأعيان ربع عدد أعضاء مجلس النواب بعد أن كان الدستور ينص على أن العدد عشرون عيناً، وقد حصرها نوري السعيد برؤساء الوزارات والوزراء وفئات معينة أخرى. (11)

وهكذا جاءت هذه التعديلات الواسعة لمنح صلاحيات واسعة للوصي عبد الإله وللحكومة، وجرى كل ذلك على حساب حقوق وحريات الشعب العراقي التي نص عليها الدستور .
ولم تكن هذه التعديلات هي الأخيرة التي أجراها نوري السعيد، فقد أعقبتها عند توليه وزاراته اللاحقة تعديلات اشد وطأة سلب فيها معظم حقوق وحريات الشعب، وأفرغ الدستور العراقي من تلك الحقوق كما سنرى فيما بعد . وقد أراد نوري السعيد أن يجري التصديق على التعديلات من قبل مجلس نواب حكومة الدفاع الوطني [ حكومة رشيد عالي الكيلاني ] لكي يكتسب التعديل الشرعية، وتم له ما أرد، وتم التصديق على التعديلات من قبل مجلس النواب في جلسته بتاريخ 27 أيار 1943، حيث صادق عليها78 نائباً، هم كافة النواب الحاضرون في الجلسة، وتغيب عن الجلسة 59 نائباً. (12)
ثم تم عرضها على مجلس الأعيان الذي صادق عليها في جلسته المنعقدة في 9 حزيران 1943، وصادق عليها الوصي عبد الإله. (13)

نوري السعيد يزور الانتخابات، ويؤلف وزارته الثامنة:
كان على نوري السعيد، بعد أن صوت مجلس النواب على التعديلات أن يحل المجلس، ويجري انتخابات جديدة ليصادق على التعديلات المجلس الجديد، كما ينص الدستور، وعليه فقد أقدم السعيد في التاسع من حزيران 1943،على حل البرلمان، وأجرى انتخابات جديدة تحت ظل الأحكام العرفية، و[مرسوم صيانة الأمن العام وسلامة البلاد] السيئ الصيت، وقد تم إعداد قائمة بمرشحي الحكومة والسفارة البريطانية والوصي عبد الإله، وجاء المجلس الجديد بأكثرية موالية للوصي.

ولقد أدان نوري السعيد نفسه عند تحديه للنواب المعارضين لحكمه في جلسة المجلس بتاريخ 15 كانون الثاني 1944، حيث قال رداً على أحد النواب قائلاً :
{ إن نظام الحكم يقتضي بإجراء انتخابات في المملكة، وللشعب أن ينتخب من يعتمد عليه ليراقب، ويسيطر على أمور الدولة، وهذا هو أساس الحكم. ولكن بالنظر إلى أن قانون الانتخابات الموجود بأيدينا هل بالإمكان أناشدكم الله أن يخرج أحد نائباً مهما كانت منزلته في البلاد، ومهما كانت خدماته في الدولة، ما لم تأتِ الحكومة وترشحه ؟ فأنا أراهن كل شخص يدعي بمركزه ووطنيته،عليه أن يستقيل الآن، ويخرج ونعيد الانتخابات، ولا ندخله في قائمة الحكومة، ونرى هل هذا النائب الرفيع المنزلة الذي وراءه ما وراءه من المؤيدين يستطيع أن يخرج نائباً}. (14)

بهذا الأسلوب أجرى نوري السعيد انتخابات المجلس النيابي ليخرج بنتائج تضمن له الأغلبية المطلقة في البرلمان تتيح له تنفيذ الأهــداف التي ترسمها له السفارة البريطانية، والتي تهدف إلى ضمان هيمنتها على مقدرات العراق.
وبعد الانتهاء من الانتخابات تقدم نوري السعيد باستقالة حكومته في 19 كانون الأول 1943، وتم قبول الاستقالة، وكلفه عبد الإله من جديد بتأليف الوزارة الجديدة في 15 منه، وجاءت الوزارة على الوجه التالي :
1 ـ نوري السعيد ـ رئيساً للوزراء، ووزيراً للدفاع .
2 ـ توفيق السويدي ـ نائباً لرئيس الوزراء .
3 ـ محمود صبحي الدفتري ـ وزيراً للخارجية .
4 ـ عمر نظمي ـ وزيراً للداخلية.
5 ـ علي ممتاز الدفتري ـ وزيراً للمالية.
6 ـ أحمد مختار بابان ـ وزيراً للعدلية.
7 ـ صادق البصام ـ وزيراً للأشغال والمواصلات
8 ـ عبد الإله حافظ ـ وزيراً للمعارف.
9 ـ سلمان البراك ـ وزيراً للاقتصاد.
10 ـ محمد حسن كبه ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية.
11 ـ ماجد مصطفى ـ وزيراً بلا وزارة.
كان في مقدمة المهام التي أخذها نوري السعيد على عاتقه، بعد تأليف وزارته الجديدة، هي ترويض الجيش، عن طريق تقليصه وإضعافه وتجريده من سلاحه، لكي يأمن جانبه بعد تلك الحركة التي قادها الكيلاني خلال شهري نيسان وأيار 1941، والتهاب الشعور الوطني الجياش الذي عم جنوده وضباطه على حد سواء، وخاصة بعد اصطدامه بالجيش البريطاني، الذي احتل العراق مجدداً.

فبعد أن كان الجيش العراقي قبل أحداث أيار 1941 يضم [ 45 ألف جندي ] و[1800 ضابط ] قلص نوري السعيد عدد أفراده إلى[ 25 ألفاً ]، كما فصل عدداً كبيراً من الضباط ، وضباط الصف، وأعاد إليه الضباط والمستشارين البريطانيين الذين كانت حكومة [رشيد عالي الكيلاني] قد أنهت خدماتهم.
وبنفس الوقت سعى نوري السعيد إلى زيادة عدد أفراد جهازي الأمن والشرطة، وتنظيمهما وتدريبهما، وتم رفع ميزانيتهما إلى ثلاثة أضعاف عما كانت عليه قبل أحداث أيار 1941، من أجل إعدادهما لقمع الحركة الوطنية. (15)

كما أقدم نوري السعيد على إعارة كل ما لدى العراق من معامل عسكرية وذخائر للجيش البريطاني، لتعزيز مجهوده الحربي، وجاء فيضان نهر دجلة، وغرق معسكر الرشيد، ومعسكر القوة الجوية، وغرق مخازن العتاد المشيدة تحت الأرض فيهما، على البقية الباقية من العتاد الذي أصابه التلف، وبذلك غدا السلاح العراقي البسيط أصلاً، بدون عتاد.
كما أقدم نوري السعيد على زج بقية القطعات العسكرية في الحرب ضد الأكراد في كردستان، حيث أعلن السيد مصطفى البارزاني تمرده على الحكومة، وقيل آنذاك أن بريطانيا، وسفارتها في بغداد لم تكن بعيدة عن تدبير ذلك، فقد كان المخطط البريطاني يرمي إلى إضعاف الجيش العراقي وإنهاكه عن طريق إشغاله في حرب أهلية مع الأكراد.

ولم يكتفِ نوري السعيد بكل ذلك، بل سخر كل إمكانيات البلاد المدنية والعسكرية، والخدمات المخصصة أصلاً لأبناء الشعب، لخدمة جيش الاحتلال. فقد وضع الميناء، وسكك الحديد، ودوائر البريد والبرق والهاتف في خدمة القوات البريطانية دون مقابل، حارماً أبناء الشعب من الاستفادة منها، وحتى المستشفيات، ومديرية الأشغال العامة، والمعامل العائدة لمدارس التدريب اليدوي كلها تم وضعها في خدمة القوات البريطانية. كما أدى استخدام القوات البريطانية للآليات الثقيلة إلى إتلاف الطرق العراقية دون أن تقدم بريطانيا أي تعويض عن تلك الأضرار.

وخلاصة القول لم يترك نوري السعيد شيئاً إلا وقدمه للمحتلين ودون مقابل، فيما سيطرت قوات الاحتلال على الفائض الزراعي والحيواني كالقطن والصوف والتمور وبذور السمسم والحبوب والفواكه والخضراوات وغيرها لقاء أسعار زهيدة، مما سبب في قلة المعروض في السوق، وبالتالي ارتفاع أسعارها، وتحمل أبناء الشعب العراقي الذي يعاني أصلاً من ضائقة اقتصادية صعبة أعباء اقتصادية جديدة، نيابة عن المحتلين. (16)

وعلى الصعيد السياسة الداخلية أقدم نوري السعيد على إلغاء رخص كافة الأحزاب والجمعيات التي كانت موجودة اسمياً، ومجمدة فعلياً بسبب سياسة القمع، وذلك بموجب قانون جديد للجمعيات أصدرته حكومته، وخول القانون المذكور وزير الداخلية صلاحية تصفية كافة ممتلكاتها لصالح الدولة. (17)
إن السياسة التي سارت عليها حكومات نوري السعيد الثلاثة المتعاقبة، كانت تلقى الاستهجان والازدراء من قبل الشعب العراقي، وكلما كانت تلك الحكومات توغل في جرائمها بحق الشعب والوطن، كلما كانت المعارضة لنوري السعيد تتصاعد حتى وصلت إلى النواب الذين جاء هو بهم إلى المجلس النيابي، وبدأ العديد من النواب يشنون حملات عنيفة على الحكومة، وإجراءاتها المعادية لمصالح الشعب والوطن.

خلافات بين السعيد والوصي استقالة الوزارة:
لم تؤدي المواقف التي وقفها نوري السعيد تجاه عبد الإله إلى محو الخلافات بينهما، بل ربما كان لها دور كبير في تصاعد الصراع على النفوذ بين الطرفين، فبعد أن تم تعديل الدستور، وامتلك عبد الإله الكثير من الصلاحيات الجديدة وخاصة توليه منصب ولاية العهد تملكه الغرور وأخذ يسعى لتركيز وتقوية مركزه في حكم البلاد، وعمل على تجميع العديد من أنصاره في مجلسي النواب والأعيان، ومارس تدخلاً مكشوفاً في الانتخابات النيابية التي جرت في 9 حزيران 1943 لصالح مرشحيه مما اعتبره نوري السعيد تحدياً لسلطاته، وكاد الموقف أن يؤدي إلى وقوع أزمة وزارية لولا تنازل السعيد ورضوخه لإرادة عبد الإله ولو إلى حين.

ومما فاقم في تلك الصراعات المشادات التي حصلت داخل البرلمان بين عدد من النواب المحسوبين على البلاط وبين نوري السعيد، وهذا ما أشار إليه السعيد في مذكرته الآنفة الذكر للوصي، والتي كتبها وهو في حالة من الانفعال الشديد، والتي تسببت في إغضاب عبد الإله. وكان نوري السعيد قد خرج من معركة تعديل الدستور وهو يشعر بالزهو والقوة، والهيمنة المطلقة على مقدرات البلاد، مما عمق من شدة التناقض بين الطرفين، وسعي كل منهما لتحجيم دور الطرف الآخر.
ولقد ظهرت الخلافات بين الطرفين بصورة أشد عندما ألف السعيد وزارته الثامنة في 25 كانون الأول 1943، فقد سلم الوصي لنوري السعيد قائمة تضم أسماء 10 مرشحين من قبل البلاط للوزارة، لكن نوري السعيد قدم للوصي قائمة مغايرة بدعوى صعوبة الجمع بين مرشحي البلاط ومرشحيه. (18)

لم يرتح عبد الإله لقائمة السعيد، ولاسيما وأن فيها أسماء [علي ممتاز الدفتري] و [صادق البصام ] اللذان كانا أعضاء في حكومة [طه الهاشمي] والذين رفضوا اللحاق به حين هربه من بغداد. واتخذ البريطانيون موقف الحياد من الخلافات بين الطرفين فهم لا يريدون إبعاد نوري السعيد رجل مهماتهم الكبرى عن الحكم، ولا يريدون إغضاب الوصي وولي العهد تجنباً لحدوث أزمة سياسية قد يكون لها نتائج سلبية على مستقبل العلاقات بين الطرفين من جهة وبريطانيا من جهة أخرى. (19)
ومما عمق في الخلافات بين الطرفين لجوء النواب المحسوبين على البلاط بمهاجمة حكومة نوري السعيد داخل البرلمان لدرجة جعلت السعيد يضيق ذرعاً بالنواب المعارضين له، وشكاهم للوصي عبد الإله، ولاسيما وأن قسماً منهم كان يلمح إلى أنهم مسندون من البلاط، وفي حقيقة الأمر أن عبد الإله نفسه لم يكن مرتاحاً لاستئثار نوري السعيد بكل شيء، وخاصة بالنسبة لعلاقاته بالسفارة البريطانية، مما جعل نفوذه يتصاعد يوماً بعد يوم، وقيل آنذاك أن الوصي نفسه أوعز لبعض النواب المحسوبين على البلاط ليهاجموا نوري السعيد وحكومته بأقذع الكلام، مما دفع السعيد إلى تقديم استقالة حكومته في 19 نيسان 1944، بعد أن أرفق استقالته بمذكرة رفعها للوصي تحدث فيها عن أعماله ومنجزات حكوماته الثلاث، صانعاً من نفسه ذلك الرجل الذي خدم بلاده وشعبه أعظم خدمة في حين لم يكن سوى خادماً مطيعاً للمحتلين البريطانيين. (20)

لم يستطع الوصي البت في استقالة حكومة السعيد فوراً، إذ كان عليه أن يحصل على موافقة السفارة البريطانية قبل البت فيها، والاتفاق على شخصية رئيس الوزراء الجديد، ولذلك فقد تأخر البت في الاستقالة أكثر من شهر، فما كان من السعيد إلا أن بعث للوصي بمذكرة جديدة في 23 أيار اتسمت بلهجة حادة أثارت غضب عبد الإله وانزعاجه و جاء فيها:
{إن الأساليب الغريبة التي لجأ اليها بعض النواب الذين كانت الحكومة قد رشحتهم في قائمتها، ممن سمو أنفسهم[ معارضين] للحكومة وأشاعوا في الأوساط العامة أن معارضتهم هذه تستند إلى رغبة كبار حاشية البلاط الملكي، ثم أخذوا يرصفون العبارات الماسة بكرامة الوزراء والحكومة بدون مبرر، حتى أنهم لم يتورعوا عن القذف والتعريض بالكرامة الشخصية، مما أدى إلى حوادث لم يسبق لها مثيل في تاريخ البرلمان العراقي، فضلاً عن هذه العبارات التي من شأنها أن تلقي ضوءاً ساطعاً على الواقع السياسي في العراق، وأضاف السعيد في كتاب استقالته تهديداً مبطناً بقوله :
أرى من الضروري أن يحسب للحاشية في البلاط حسابها لئلا تكون وسيلة يتذرع بها المخادعون وذو الأغراض في اختلاق الأكاذيب عن أسمى مقام في الدولة، وبث روح التشكيك في الثقة بين رئيس الدولة ووزراءه، وإذا لم تتلاف هذه القضية بصورة جلية، ظاهرة للعام والخاص بأي شكل من الأشكال التي تتفق ورغبة سموكم، فلا مناص من حدوث أمور غير محمودة، مما قد يؤدي إلى ضرر أعظم مما نتصوره الآن }. (21)

لكن الوصي تجاهل المذكرة هذه، وسارع إلى قبول الاستقالة، وصدرت الإرادة الملكية في 3 حزيران 1944 من دون أن يشير عبد الإله إلى المذكرة. وقد كلف الوصي السيد[حمدي الباجه جي ] في نفس اليوم بتأليف الوزارة الجديدة.

لكن التوتر الحاصل بين نوري السعيد وعبد الإله لم يدم طويلاً، ولاسيما وأن بريطانيا كانت ترى في شخص نوري السعيد دائماً أنه الوحيد القادر على القيام بأحسن وجه بالمهمات الكبرى التي تعهد إليه .
وقد علق السفير البريطاني [ كونواليس] على الصراع الدائر بين الوصي ونوري السعيد قائلاً :{مع أن نوري السعيد أبلغني حول هذه التطورات، إلا أنني لم أحاول أن القي بثقلي إلى أحد الجانبين باعتبار أن الموضوع يمثل قضية داخلية محضة}. (22)
لكن الواقع أن موقف السفير من الخلافات بين الوصي والسعيد كان نابعاً من كون بريطانيا لا تريد وضع كل بيضها في سلة واحدة كما ورد في برقية السفارة إلى وزارة الخارجية البريطانية في 3 أيلول 1943. (23)
وسعت إلى تصفية الأجواء بين البلاط والسعيد لتهيئة الأجواء لعودته إلى الحكم في وزارته التاسعة بتاريخ 21 تشرين الثاني 1947 ، كما سنرى لاحقاً .







اخر الافلام

.. شرطة ميانمار تداهم مخيما للنازحين الروهينغا وتصيب 4 بالرصاص


.. الملك سلمان يبعث رسالة شفوية لأمير دولة الكويت


.. الكرملين يحضر لقمة بوتين وترامب في الأرجنتين




.. بريطانيا: خطة برلمانية لتجنب -بريكست- دون اتفاق


.. هل سنشهد نهاية وحشية لـ -الشباب- و#داعش في #الصومال؟ ‎