الحوار المتمدن - موبايل



دور الاقتصاد في بناء الدولة العراقية

سيف نصرت توفيق الهرمزي

2014 / 7 / 15
السياسة والعلاقات الدولية


المقدمة :
في البدء من الممكن العودة الى اصول وجذور بناء الدولة ، فيعرف المفكر الاميركي "فرانسيس فوكوياما" بناء الدولة( بانه تقوية المؤسسات القائمة وبناء مؤسسات جديدة فاعلة وقادرة على البقاء والاكتفاء الذاتي )( ) وهناك تعريف اخر لبناء الدول ( بانه مدى قدرة الدولة على توفير الامن والنظام والمرافق والخدمات العامة في الدخل عبر مؤسساتها وانشطتها المختلفة ) .( )
مما لاشك فيه ان الاقتصاد يعد المقوم الاهم في بناء اي دولة، فهو البنية الفوقية الذي تبنى عليه عماد المقومات الاخرى ،العسكرية والتكنولوجية وصولاً الى البنية الفوقية المقوم السياسي، الذي يمثل شكل الدولة الخارجي ومكانتها الاقليمية والدولية .
فالاقتصاد عصب الحياة وكنتيجة ومحصلة للدول كافة . بل ان وزن الدولة يقاس بناتجها القومي الاجمالي ودخلها القومي، وان مؤشرات البطالة والتضخم هي مؤشرات خلل او ضعف للدولة ، سواء على مستوى سياسة الدولة او الاقتصاد نفسه .
والاشكالية التي يمكن ان ننطلق منها ، هي في جملة من الاسئلة التي تتوافر لدى اي باحث اكاديمي ومختص في الشؤون الاقتصادية والسياسية :
1-ما هي مستويات ومراحل تطور اي اقتصاد ؟
2-ما الفرق ما بين قوة الدولة الاقتصادية وقدرتها ؟
3-ما هو شكل ومقومات الاقتصاد العراقي-الدولة العراقية ؟
4-ما هي اسباب تعثر الاقتصاد العراقي ؟
5-ما هي اهم الحلول لبناء اقتصاد حقيقي يسهم في بناء الدولة العراقية ؟
اما فرضية البحث : فتقوم على العلاقة الطردية الموجبة فيما بين قوة الاقتصاد وقوة الدولية الشاملة ، فكلما كان الاقتصاد متنوع وقوي كلما كانت الدولة ذات مكانة على المستويين المحلي والدولي ، وبعكسه ستكون الدولة اسيرة المركز، وفق نظرية المركز والاطراف (التبعية) للخارج .

اولا: مستويات ومراحل تطور اقتصاد الدولة :
لفهم المنظومة التي يجب ان تؤسس لاقتصاد حي لأي دولة مهما كانت مواردها ، فانه من الضروري تفسير النظرية التي تنطلق من الفكرة لتتحول الى مشروع يعبر عنه بالأداء الفعلي الذي يرتبط بقمة الهرم السياسية للدولة (السلطة التنفيذية) ، وعليه يجب ان نرجع الى الاصول النظرية وبالتحديد الى نظرية التطور -كلارك .
تقوم نظرية التطور : التي طرحها (كولاين كلارك) على تحقيق العدالة في التوزيع بما يتناسب مع منحنى العمل .
توزيع (العمالة) بين القطاعات الاقتصادية الثلاثة (الزراعة، الصناعة، الخدمات)، ويركز المنحنى على توزيع عرض العمل (القوة العمل) بين القطاعات المشار اليها، طبقاً لحالة النمو الاقتصادي المتحقق، ومستوى العدالة في توزيع الدخول (عوائل عوامل الانتاج)، فأي دولة يجب ان يمر اقتصادها بهذه المراحل بحيث تتوزع العمالة في البدء في قطاع الزراعة على اعتبار ان هذا القطاع يشكل اهمية نسبية كبيرة في الناتج القومي ،وذلك من خلال تمركز قوة العمل في الزراعة (قطاع واسع يستوعب العمالة)، فعندما تتوجه النفقات الاستثمارية المعبئة تجاه هذا القطاع سيؤدي الى زيادة مساهمته في الناتج القومي (GNP)، فيرفع نصيب الفرد من الدخل، وينعكس على وضع العامل الزراعي فيزداد الطلب على القطاع الصناعي، مما يؤدي الى سحب العمالة من القطاع الزراعي الى القطاع الصناعي وبصورة تدريجية وفق الطلب على قوة العمل في هذا القطاع دون ان يؤثر في القطاع الزراعي ، ويتم ادخال العمالة في قطاع الصناعة في دورات تأهيلية وتدريب مستمر لكسب الخبرة بالعمل وصولاً الى الكفاءة ، مما يرفع من اداء الإنتاج الصناعي وبالتالي ارتفاع في مساهمة العمالة في الناتج القومي ((GNP، وكما حدث في القطاع الزراعي ليحقق ارتفاع في الدخل القومي اي ارتفاع نصيب الفرد من الدخل ، مما يثمر عن تحولات بنيوية (هيكلية)في مفاصل الاقتصاد القومي، وهو ما يدفع الى التحرك في الطلب باتجاه (قطاع الخدمات)، بعدما اشبع الافراد حاجاتهم الاستهلاكية (الزراعية والصناعية)، ليبحثوا عن هيكل جديد لتلبية طلباتهم ورغباتهم من نمط القطاع الخدمي .( )
وبذلك تتحرك قرارات الدولة الاستثمارية في سحب قوة العمل الفائضة في القطاع الصناعي وليس الزراعي صوب القطاع الخدمي ، لاعتبارات مهمة وهي ان القطاع الصناعي ذو عمالة ذات كفاءة ومؤهل للعمل في القطاع الخدمي وهو يعبر قمة الهرم في قطاعات الاقتصادي القومي، وبالتالي فهو يمثل اعلى مستوى التطور والنمو الاقتصادي، وهو ما يحصل في الدول المتقدمة ، فالقطاع الخدمي مؤشر كبير للتقدم في مختلف مفاصل الاقتصاد .
وما اريد الوصول اليه هو الفجوة ما بين القطاعات في البلدان النامية وكذلك العراق محطة دراستنا، فقطاع الخدمات في العراق والبلدان الاخرى النامية مؤشر للتخلف وليس للتطور على عكس البلدان المتقدمة ، ويرجع ذلك الى تمركز قوة العمالة في القطاع الخدمي الذي لم يكن نتيجة لهذا التطور الانف الذكر ، بمعنى انه لم يكن تحصيل حاصل المساهمات في قطاعي (الزراعة والصناعة) في الناتج القومي (GNP)، بمعنى اخر ان مشاركة القوى العاملة في قطاع الخدمات في الدول النامية او العراق الذي جاء بصورة مباشرة دون ان تمر في قطاعي الزراعة والصناعة ضمن التطور التدريجي . وكما هو معلوم ان قطاع الزراعة في العراق يعيش حالة من البطالة المقنعة وان الفائض من هذه البطالة المتخلفة يذهب مباشراً الى قطاع الخدمات وهو ما يؤشر التخلف، بمعنى اذا ما توافرت ارادة سياسية لبناء اقتصاد الدولة العراقية فانه من المهم الانطلاق من الزراعة حتى تحقيق الاكتفاء الذاتي وصولاً الى مرحلة الصناعة ثم الخدمات وكما اسلفنا.

ثانياً: مقومات الاقتصاد العراقي-الدولة العراقية :
المقومات الاقتصادية هي مجموع الموارد الطبيعية والبشرية الشاملة للدولة ، والتي تدخل عنصراً مهماً في السياسة الخارجية عند دخولها مرحلة التوظيف ، بعدها الاساس المادي للنمو الاقتصادي. وبدءا ً لابد من القول إن النفط والغاز هما عماد ثروة العراق الطبيعية، ويأتي بعدهما الكبريت والفوسفات، ثم سائر خيرات العراق الطبيعية، وكون العراق غنياً بالثروات الطبيعية، غدت هذه الثروات المرموقة سر مشكلته. فضلاً عن ان للعراق له اراض واسعة صالحة للزراعة وصولاً الى الاكتفاء الذاتي مما يعزز من استيعاب القدرات الاستهلاكية المتصاعدة مع مرور الزمن .
اما اهم ثرواته التي يتكا عليها الاقتصاد بشكل كبير (مورد النفط) ، فالعراق يمتلك كما هو معروف ثاني احتياطي نفطي في العالم بعد المملكة العربية السعودية، إذ يقدر بحوالي (115) مليار برميل من النفط على وفق تقارير "منظمة أوبك" لعام 2002، وهو ما يكفي(148) عام على مستوى الإنتاج الحالي (2.48) مليون برميل، وهو ما يمثل نسبة 10.7% من الاحتياطات العالمية ، إذ يبين الجدول مرتبة العراق الثانية في الاحتياطيات النفطية, ويبين أيضا ً أن أربع دول فقط يتجاوز عمر الاحتياطي فيها أكثر من 100 عام وهي: السعودية، العراق، الكويت، الإمارات العربية. إما الاحتياطات النفطية في العراق فتتوزع على اثنتي عشرة محافظة عراقية، في حين تقع 60 % منها في البصرة، وحوالي 10% في كركوك، إما الباقي فتتوزع على بغداد, العمارة، الناصرية ،صلاح الدين، أربيل، الموصل، واسط، ديالى، كربلاء والنجف.

جدول (1)
عمر واحتياطيات النفط في بعض الدول المنتجة
السعودية : 101
العراق : 148
إيران : 83
الإمارات : 141
الكويت : 151
أوربا الشرقية : 24
فنزولا 78:
ليبيا : 82
نيجيريا : 47
الصين : 14
Source : OPEC .Annual Statistical Bulletin , 2002,pp34 – 54.
نقلا ً عن : عبد علي كاظم المعموري في مجلة أبحاث عراقية ، مصدر سبق ذكره، ص 88 .
كما يرى البعض من المختصين في شؤون التنقيب عن النفط من أن احتياطي النفط العراقي يتجاوز هذا الرقم بكثير إذ يقترب من الاحتياطي السعودي. وتشير الدراسات ونتائج الحفريات العميقة التي أجريت بصفة خاصة في منطقة الصحراء الغربية من أن المخزون النفطي الحقيقي للعراق أعلى بكثير من الرقم المتداول، وأن هناك احتمالية عالية في أن تثمر جهود التنقيب عن موارد نفط إضافية ضخمة قد تصل إلى (100) مليار برميل في منطقة الصحراء الغربية فقط ،أي بحدود(250) مليار برميل نفط لمجمل الاحتياطي النفطي في البلاد.
نفهم من ذلك ان للعراق اراض خصبة صالحة للزراعة مما يكفي لسد الحاجة وصولاً الى الاكتفاء الذاتي بل واكثر اذا ما استغلت الاراضي واستصلحت ، فاهم الأسس الداعمة للزراعة المياه ومن المعلوم ان العراق يمر فيه نهرين ، وللأسف انها تصب في شط العرب-الخليج العربي دون ان تستغل بصورة صحيحة بما يدعم القطاع الزراعي .
اما النفط والغاز الى جانب المعادن الاخرى التي تعد من اهم الموارد الاولية التي تعتمد عليها صناعة العالم المتقدم ، ومما لاشك فيه ان اهم الاسباب المضمرة لاحتلال العراق في عام 2003 السيطرة على منابع النفط بعده شريان الحياة لدعم القطاعات المختلفة ، واصبح النفط معضلة ومشكلة فاقمت من الفقر وزادت من حدة الخلل البنيوي لمجمل الاقتصاد العراقي . وينبغي الاشارة ان العبرة ليست بتوافر الموارد الاقتصادية المتنوعة داخل الدولة فحسب ، وانما المقياس هو كيفية الاستغلال لهذه الموارد واستثمارها بدرجة تكفل معها الرخاء للدولة في وقت السلم والقدرة على الدفاع في وقت الحرب . وهو ما يعبر عن الفرق ما بين القوة والقدرة.

ثالثاً : اسباب تعثر الاقتصاد العراقي:
1. عدم وجود ارادة سياسية في بناء الدولة :
العراق في فترة ما بعد الاحتلال الاميركي عام 2003بني على اسس تحوي في ثناياها فشل الدولة، اذ قامت الولايات المتحدة الاميركية في مرحلة (مجلس الحكم) بتقسيم السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية على اسس طائفية وقومية وعرقية وعلى اساس المحاصصة تحت شعار غير معلن (تفتيت المفتت وتقسيم المقسم). اذ كانت تبعاته عدم وجود ارادة وطنية حقيقية في بناء الدولة ، وكل بحسب ولائه الطائفي او القومي التي تجذرت في احزاب دينية مذهبية وقومية . فاكثر ما يعانيه العراق اليوم باختصار افتقاره الى الارادة الوطنية على الرغم من الادعاءات التي تلقى على الارهاب في عرقلة تطور الاقتصاد ، بيد ان هناك مناطق سيما في وسط وجنوب العراق مازالت متخلفة من حيث الخدمات وافتقارها لأي بنية لعمل مشاريع صناعية او زراعية بل انها تراجعت اكثر مما كانت عليه، ورجل الدولة الحقيقي هو من يرسم مجمل السياسات ومن بينها رسم السياسات الاقتصادية التي تعبر عن البنية التحتية لكل دولة .( ) فالصراع السياسي بين الاحزاب المتنفذة كانت له اثار سلبية تتمثل في غموض وصف شكل الاقتصاد العراقي، فنجده تارة اقتصاد مركزي يعتمد على الدولة وهذا ما نلاحظه اليوم في ترهل المؤسسات الحكومية وارتفاع الميزانية التشغيلية على حساب الصناعة والقطاعات الاخرى، وتارة اخرى اقتصاد سوق يعتمد على الخصخصة في كثير من القطاعات الصناعية التي كان العراق في الثمانينات يعتمد عليها بشكل كبير لرفد الاقتصاد العراقي ، والحقيقية المرة التي لا يمكن ان تغفل عن اي باحث اقتصادي ان وجه الاقتصاد العراقي اليوم يشوبه الغموض والضبابية في مساره.

2. الفساد المالي والإداري :
الأصل اللغوي لكلمة (فساد)فهو مضاد للشيء ال(صالح),والفساد كلمة مطلقة حيث ان الفساد يتنوع بين الفساد الإداري والمالي والأخلاقي والاجتماعي. غير أن كلها تتوحد في مضمون واحد هو التجاوز على حقوق الأفراد والمجتمع من قبل صاحب السلطة وهي حالة أنانية تروم تحقيق ذاتها على حساب الآخرين.
والعراق لم يألف ظاهرة الفساد من قبل وان كانت موجوده فهي حالات قد تكون هنا او هناك ولم تصل مرحلة الظاهرة بحيث تستحق البحث. بيد ان بعد الاحتلال الاميركي للعراق عام 2003 اصبحت ظاهره سلبية ، بسبب غياب الحكومة وتعطيل مؤسساتها المالية والقانونية والخدمية من جهة وتدوير الاقتصاد العالمي ونمو اسواق المال الدولية من جهة اخرى. بالرغم من توقيع العراق بموجب القانون 35 لسنة 2007 على الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد المقرة عام 2003 وهي من الاتفاقيات الدولية الإطارية، الا انه ما زال ينخر في جسده . وبالتوقيع على أي اتفاقية من قبل الدول الأعضاء والمصادقة عليها من قبل السلطة التشريعية تكون هذه الاتفاقية جزء من القوانين المحلية ، بل وتتمتع بالعلوية على القوانين المحلية .
وللأسف تفاقم ظاهرة الفساد في العراق منذ عام 2003 ولحد الوقت الحاضر، وقد صنفت منظمة الشفافية العالمية العراق في المرتبة الثالثة في تسلسل الدول المبتلية بالفساد . واصبح الفساد في العراق مؤسسياً ينخر في كل مفاصل الدولة على حساب المواطن العراق وبالتالي انعكاسه على الاقتصاد العراقي والثقة فيه فيما يتعلق في الاستثمار واعادة بناء العراق .( )
يشكل في حقيقة الامر ضربة كبيرة لسياسات وبرامج التنمية واعادة الاعمار هي قضايا الفساد الاداري والمالي المستشري في مؤسسات الدولة، والتي تحولت من خلالها بعض عقود الاعمار الى (عقود انهاك)... الامر الذي يدفع باتجاه القضاء على الفساد الاداري والمالي المستشري في هذه المؤسسات، اذ اصبحت هذه القضية ذات أولوية من اولويات الحكومة الحالية. وتشير اغلب الدراسات والبحوث وكذلك التجارب الدولية الى ان عملية القضاء على الفساد بشتى اشكاله هي عملية معقدة جداً وتحتاج الى علاجات قبل البدء بعملية التنمية واعادة الاعمار.
وهنا لابد من البحث في الاسباب الحقيقية المؤدية الى تفاقم ازمة الفساد الاداري والمالي في المؤسسات العراقية ومن ثم المحاولة لإيجاد الحلول العملية لها. اذ تشير مفوضية النزاهة الى ان من الاسباب الحقيقية المؤدية الى تفاقم ازمة الفساد المالي والاداري في المؤسسات العراقية التضارب بين الصلاحيات في المؤسسات، فعلى سبيل المثال تضارب الصلاحيات بين مجالس المحافظات والمجالس البلدية وبعض الوزارات، وهذا يتطلب اعادة تسمية الصلاحيات وتقسيمها. فضلاً عن ذلك تشير مفوضية النزاهة ايضاً الى ان الاسباب الحقيقية تعود الى ان المؤسسات العراقية هي مؤسسات فتية تشكلت بعد الحرب الاخيرة وهي بذلك غير ناضجة بما فيه الكفاية، الامر الذي ادى الى استشراء الفساد فيها.
وتبدو مفوضية النزاهة على حق كبير في تحديدها الاسباب سالفة الذكر، الا انها لم تلتفت في حقيقة الامر الى الاسباب الحقيقية الاخرى التي يقف وراءها هذا الفساد، والتي تتمثل حسب رأينا، بالصلاحيات المطلقة الممنوحة الى مجالس المحافظات والمجالس البلدية. فتشير مفوضية النزاهة على لسان الناطق الرسمي لها (الاستاذ علي الشبوط) الى ان واحدة من قضايا الفساد المالي كانت توقيع عقد من قبل رئيس المجالس البلدية في احدى المحافظات بقيمة (8) ملايين دولار، وبغض النظر عن الدخول في تفاصيل هذا العقد واهميته، نطرح جملة من التساؤلات هي كالآتي ما هذه الصلاحيات المالية المطلقة؟ وهل يجوز ذلك؟ وهل هذا ما تتطلبه اللامركزية الادارية ؟ وهل منح الصلاحيات المطلقة يتلاءم مع اللامركزية؟ اسئلة كثيرة حساسة تحتاج الى اجوبة شافية لتكون اجندة عمل وبرنامج تستند اليه الحكومة في رسم وتنفيذ سياسات الاعمار.
وهنا لابد الاشارة الى ان اللامركزية الادارية والمالية هي حاجة ملحة لأي عملية تنموية ولاية خطة اعمار وذلك كون الوحدات الادارية الصغيرة في المحافظات والاقضية هي على معرفة كبيرة بتفاصيل الامور ضمن وحداتها، لذا فهم يعرفون مدى الحاجة الى تنفيذ هذا المشروع او ذاك. كما ان اللامركزية تختصر الوقت وتقلل من العقبات الادارية الروتينية التي تتطلبها عملية التنمية واعادة الاعمار، وهذه الامور صحيحة ولا غبار عليها، بل هي من اولويات اي سياسة تنموية ناجحة. الا ان ما يحدث الان هو ليس لامركزية، وانما منح افراد صلاحيات مالية وادارية، وهنا تكمن المشكلة الحقيقية للفساد الاداري والمالي الذي وصل حداً لا يمكن السكوت عليه، فحسب ما اشارت اليه مفوضية النزاهة ان اكثر من (1700) قضية فساد تم احالتها الى القضاء. ولمحاربة الفساد الاداري والمالي او تحجيمه على اقل تقدير، يجب على الحكومة تشكيل لجان ذات خبرات فنية وادارية ومالية لتوقيع عقود الاعمار لما تشكله هذه العقود من اهمية كبيرة لإعادة الاعمار وبناء العراق والحفاظ على ثرواته.( )

2-معدلات التضخم الكبيرة في الاقتصاد العراقي:
إن التضخم يعد من المشاكل الاقتصادية البارزة التي يعاني منها الاقتصاد العراقي، إذ أن التضخم يعطل آلية الأسعار ويفقدها ميزتها في التعبير عن الندرة النسبية للسلع والخدمات كما يلغي وظيفة العملة المحلية كأداة للتداول والادخار، ويتبع تلك الاختلالات في الأسعار صعوبات كبيرة فيما يتعلق بإمكانية تلك الشركات في تنبؤ تكاليف الإنتاج والأرباح المتوقعة وعليه فإن التضخم يؤدي إلى تراجع الرغبة في دخول الاستثمارات الأجنبية المباشرة وخاصة في المشاريع الطويلة الأجل.
3. البطالة وارتفاع معدلات الفقر في العراق :
من اكثر الامور التي تشخص في العراق مسالة ارتفاع البطالة بكل اشكالها الاجبارية والمقنعة ، بالإضافة الى افة الفقر التي تنخر في المجتمع العراق اذ ارتفع معدل الفقر في العراق الى اكثر من 30% من مجمل السكان في بلد يسبح على بحر من (الذهب الاسود) النفط، وهو يؤكد المقولة بان النفط سر مشكلته وفقره للأسباب الانفة الذكر ، الى جانب ذلك ، فان الدولة غير قادرة على استيعاب هذه البطالة بسبب الترهل الحكومي في مختلف المؤسسات الى جانب عدم قدرة القطاع الخاص من استيعاب حتى الجزء اليسير من هذه البطالة لأسباب تتعلق بالأمن والعائدات من هذه الاستثمارات التي تبحث عن الامن والاستقرار في جانب، والربح من جانب اخر ، على حساب المصلحة العامة ، ولا يخفى على كل مطلع في السياسات المالية والنقدية (بان راس المال جبان).
4. اقتصاد احادي الجانب :
مما يؤشر على الاقتصاد العراقي من سلبية انه اقتصاد احادي الجانب يعتمد بشكل كلي على قطاع الطاقة ، فالنفط هو ما يشكل الموازنة العامة للدولة ، وهو ما يشكل الاختلالات البنيوية في هيكل الاقتصاد، وقد استفاد العراق في العقد الاخير من القرن الحادي والعشرين من ارتفاع اسعار النفط لأكثر من 100 دولار في رفع احتياطاته من العملة الاجنبية فضلاً عن ازدياد الطلب العالمي على النفط ، وبالتالي فان اي انخفاض في سعر النفط في الاسواق العالمية سينعكس سلباًً على الاقتصاد العراقي بل قد يؤدي الى اعتماده على المديونية وما يخلق ذلك من تبعات وازمات تهدد الدولة ككل في مختلف القطاعات .

5-معضلة الموازنة العراقية :
ان اهم ما يمكن ان يؤشر من ملاحظات على الموازنات الحكومية العراقية هو:
1- انها موازنات تعد وفقا لمتطلبات الحاجات الانية والطارئة ولا تعكس بالضرورة رؤية استراتيجية تخطيطية واضحة. فهي موازنات حسابية رقابية تخلو من الاهداف العامة والخاصة التي يجب ان تؤطرها الموازنة خاصة وان الحكومة العراقية اقرت مجموعة من الاستراتيجيات المهمة مثل:
أ‌- استراتيجية التخفيف من الفقر.
ب‌- خطة التنمية الوطنية 2010-2014.
ت‌- سياسات التشغيل الوطنية.
ث‌- استراتيجية الاهداف الانمائية للألفية الثالثة.
وكل هذه الاستراتيجيات خلصت الى جملة من الاهداف الواجب تأطيرها في الموازنات الحكومية .
الا انها تختتم الموازنات بالعبارة التالية" الاسباب الموجبة : من اجل اقرار الموازنة العامة الاتحادية لجمهورية العراق لسنة ... شرع هذا القانون" وترك استنباط الاهداف واولويات للمهتمين حسب نسبة ما يخصص لكل قطاع.
2- انها ورثت ضغوطا إنفاقيه من الصعب تجاوزها تتعلق بحياة المواطنين مثل الامن وتوفير الدعم لمفردات البطاقة التموينية.
3-الاختلال البنيوي في تركيب الواردات من خلال هيمنة الايرادات النفطية وانحسار الموارد المالية الاخرى. كما في الجدول التالي:

رابعاً : الحلول لبناء اقتصاد حقيقي يردف بناء الدولة .
هناك امور يمكن طرحها كحلول لتفادي مشكلة ما، تتركز بشكل كبير في زاوية المثالية او الحلول التي تمثل تحدياً يفوق القدرة وهناك حلول اخرى واقعية من الممكن الوصول اليها وتجاوز العقبات بصورة انسيابية ان توافرت الإرادة ويمكن تقديم مجموع تلك الحلول ذات الصبغتين المثالية والواقعية كالاتي :
1. الحاجة الى (سلطة تنفيذية) لها القدرة على قيادة الدولة من حيث الخبرة والكفاءة ، همها الاول والاخير بناء دولة تفوق الحسابات والانتماءات الحزبية او الطائفية او القومية .
2. اكثر ما يعانيه العراق اليوم هو غياب ثقافة استمرار بناء المؤسسات بخط مستقيم وعدم وجود والمرونة في التعامل مع القضايا المختلفة على حساب المنفعة الشخصية والحزبية تحت شعارات طائفية وقومية، وان ثقافة التداول التي غيبتها سلطة الاحتلال عام 2003 بعد تأسيس مجلس الحكم رسخت مبدا يناقض مبدأ التداول او -الديمقراطية الغربية التي هي في حقيقتها ثوب غربي لا يليق للمجتمعات الشرقية وتناقضاتها في (وجهة نظري).
3. ابتعاد الطبقة العلمية والاكاديمية المستقلة في ادارة مفاصل الدولة سواء في الوزارات او المؤسسات الحكومية لصالح نفس المبدأ سيء الصيت (في نظري) القائم على المحاصصة الطائفية . وان احد الحلول هو تصدر هذه الطبقة التي تعد اهم الموارد البشرية التي يمكنها ان ترفد بناء الدولة العراقية ابتداءً من البنية التحتية القوة الاقتصادية للدولة وصولاً الى البنية الفوقية ممثلة بالقوة السياسية للدولة .
4. الاقتصاد العراقي بحاجة الى التنوع في قطاعاته المختلفة، سيما وان له من الموارد الاولية والطبيعة والبشرية ما تؤهله لهذا التنوع ، فالنفط يعد مورد ناضب بالمستقبل البعيد الى جانب ان اسعار النفط تعتمد على الاسواق العالمية الرأسمالية التي تعج بالأزمات الاقتصادية بين فينه واخرى، وحتى في دوراته المختلفة الاعتيادية (رواج-انتعاش-ركود-كساد). وان دعم الاقتصاد بجانب اخر يخرجه من احاديته .
5. المعالجة الحقيقة لمعضلة الفساد الاداري والمالي في ادق مفاصل الدولة والتي مردها الى الطبقة السياسية الحاكمة التي تحتضن حيتان ومافيات الفساد وتمنع القضاء او البرلمان او الجهات المتخصصة من ملاحقتهم ، وكلٌ يدافع من رجال حزبه، مما كرس روح التمرد على القانون واصبحت النزاهة هيئة تحاسب الموظف البسيط وتترك القوي ، بل انها اصبحت في بعض الاحيان اداة سياسية للضغط على الخصوم باتجاه معين .
6. معضلة الامن، فالأمن والاستقرار اصبح حلم للعراقيين، فالأمن والاستقرار يحقق الرفاهية والازدهار والعكس بالعكس، فعدم الاستقرار يعد من اهم المعضلات التي تهدد الاستثمارات ورؤوس الاموال الوافدة وحتى المحلية ، وتجعل من الفوائض والادخارات تتجه الى خارج العراق بصورة شرعية او غير شرعية بسبب عدم السيطرة على الحدود من جهة والتدخل الاقليمي من جهة اخرى ، بسبب الازمات المستمرة . وبسبب غياب الاستراتيجية الامنية وضعف ادائها ولاعتماد على الوسائل التقليدية النمطية جعل منها عالة على الدولة من حيث الحجم دون النوع .
7. الاقتصاد العراقي بحاجة الى دعم القطاع الخاص لتخفيف العبء الملقى على كاهل الدولة ، مما يخفف من البطالة التي يعاني منها المجتمع العراقي .
8. يجب على السلطة التنفيذية ان تبني الاقتصاد كما اسلفنا على دعم القطاع الزراعي ليساهم في رفد الناتج القومي الاجمالي وصولاً للفائض ثم الانتقال وفق نظرية التطور الى قطاع الصناعة وهكذا الى القطاع الخدمي الذي يعبر عن تقدم الدول اذا جاء بهذه السلسلة المشار اليها في مقدمة البحث .



الخاتمة :
ان التأمل في واقع الاقتصاد العراق وشكل الدولة العراقية الحالية ، يعطي صورة ضبابية حول دور الاقتصاد في بناء الدولة العراقية سيما في ظل المعطيات المتوافرة على ارض الواقع فمقدرات العراق الاقتصادية من الثروات المادية والطبيعية والبشرية كلها عناصر دعم لبناء الدولة العراقية تحت اي ظرف الا نقاط الضعف التي تم التطرق اليها تحول دون معالجة الاخفاقات والاخطاء والمشكلات العالقة والمترسخة ابتداءاً من الفكر وصولاً الى الاداء الفعلي لإدارة الدولة ، الا ان الباحث الاكاديمي يقدم ما في جعبته من افكار واقعية وان تخللها شيء من الطرح المثالي الممكن ، للأسباب السالفة الذكر ، وان روح المواطنة التي يفتقدها الكثير اليوم من ساسة العراق وغياب تلك الثقافة في الطبقات الدنيا من المجتمع يعزز من تفكك الدولة في الداخل وانعكاسه على السياسة الخارجية ، وان الدول لا تبنى على اسس ضعيفة وواهية ، وعليه يجب ان تكون هناك ارادة وطنية قوية فاعلة ، والا بخلافه سيبقى الاقتصاد ضعيفاً وبناء الدولة على اسس هشة لا يمكن ان ترتفع به البنية الفوقية للعراق .


المصادر
1. تقرير التنمية البشرية : برنامج الامم المتحدة الانمائي ،نيويورك - الامم المتحدة ، 2011.
2. فرانسيس فوكوياما ، بناء الدولة النظام العالمي ومشكلة الحكم والإدارة في القرن الحادي والعشرين ،ترجمة : مجاب الامام، مؤسسة الواحة للنشر والتوزيع ، بالتعاون مع مكتبة العبيكان، الرياض –المملكة العربية السعودية ، 2007 .
3. د. ياسين محمد عطا، بناء الدولة الحديثة ، دار الفكر العربي ، ط1، دمشق –سوريا، 1998.
4. فيدل الكساندر ، المدخل الى علم الاقتصاد ، ترجمة : سرى القدي ، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط2، بيروت –لبنان، 2010.
5. سيف نصرت توفيق الهرمزي، الحرب الاميركية على العراق الدوافع الاستراتيجية والابعاد الاقتصادية دراسة في المضمر والمعلن ، دار المحجة البيضاء ، بيروت –لبنان، 2013.
6. فؤاد قاسم الأمير ، ثلاثية النفط العراقي ، دار الغد للنشر والتوزيع ، بغداد- العراق ، 2007.
7. حسين عبد التكريتي ، فشل ادارة الدولة وانعكاساته على الاقتصاد العراقي، في مؤتمر الدراسات السياسية الثالث، عمان –الاردن ، تشرين الاول 2012 (pdf).
8. د. عبد الرسول عبد الرضا الاسدي، نفاذ تدويل مكافحة الفساد في القوانين الداخلية، مجلة شؤون عراقية ، العراق –بغداد، 2010 -2009.
9. د. رعد سامي التميمي، الفساد الإداري والمالي في العراق الأسباب والحلول، بحث منشور على شبكة المعلومات الدولية الانترنيت على الرابط التالي :
http://www.marafea.org/paper.php?source=akbar&mlf=interpage&sid=11491.
10. د. مناهل محمد جعفر ، مجلة رؤية ، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية ، العدد2، 2009.
11. د.عبد الرحمن نجم المشهداني ، تحليل الموازنات العراقية 2004-2012 واتجاهاتها التنموية ، ندوة حول اتجاهات الموازنة العراقية ، وزارة التجارة ، بغداد-العراق ، 2013.
12. عبد علي كاظم المعموري وآخرون ، مُستقبل التواجد الأميركي في العراق ، مجلة أبحاث عراقية، مركز حمو رابي للبحوث والدراسات الإستراتيجية ، بابل، العدد 3 ، 2007 .
13. عبد الكريم الخزعلي ، استراتيجية ادارة الدولة العراقية في مرحلة ما بعد الاحتلال الاميركي ، مؤسسة الشرق للطباعة والنشر ، ط1، القاهرة-مصر ، بلا .
14. OPEC .Annual Statistical Bulletin , 2002.



د. سيف نصرت توفيق الهرمزي







اخر الافلام

.. حصاد اليوم- انتخابات العراق.. جدل المشاركة والإعمار


.. حصاد اليوم- السودان.. من يوقف تراجع الجنيه؟


.. الجنيه السوداني.. تراجع غير مسبوق أمام الدولار




.. حصاد اليوم- المعارضة السورية.. تحديات الرياض 2


.. مؤتمر الرياض خدمة للسوريين أم للراعي الروسي؟