الحوار المتمدن - موبايل



سلفية معان ... الأفكار والنشأة .... الحلقة ..1

وليد حكمت

2014 / 7 / 4
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


انتشرت الدعوة السلفية في معان* مع بداية تسعينيات القرن الماضي وعقب عودة بعض أتباع التيار من أفغانستان من الذين كانوا قد أقاموا فترة من الزمن في ولاية كنر تلك الولاية الأفغانية التي كانت تسيطر عليها وتحكمها جماعة جميل عبد الرحمن الأفغاني وهو مؤسس جماعة الدعوة إلى القرآن والسنة الملتزمة بالمذهب السلفي والمطبقة للشريعة في تلك الولاية. تشكلت نواة سلفية في معان بعد البدء بنشر أفكار المذهب والمرتكز على الإطار الحنبلي في إطاره السعودي المعاصر، والتزمت تلك النواة بآراء هيئة كبار العلماء في السعودية والشيخ محمد ناصر الدين الألباني المقيم في عمان والذي يعتبر المرجعية الدينية الرئيسة حينها للسلفية المحافظة في الأردن عموما ، واللافت للنظر أن العديد من أبناء معان كانوا قد غادروا الأردن وأقاموا في أفغانستان في فترة (1979 -1988) وهي فترة الحرب الجهادية ضد الروس هناك، ولم يكن الكثير من أولئك الجهاديين يطيقون جماعة السلفيين بل كان غالبيتهم يتبنى مذهب عبدالله عزام في الجهاد وينظرون بعين ملؤها الشك نحو السلفيين باعتبارهم صناعة سعودية لا أكثر ، وقد قاتل العديد من أولئك الشباب المتمسكين بأفكار عبدالله عزام في ولايات متفرقة في أفغانستان بينما أقام العديد من أتباع الإخوان المسلمين – وهم من معان - في بيشاور وتلقوا تدريبات عسكرية متقدمة والبعض أكمل تعليمه في معاهد وجامعات باكستان حيث كان يقيم غير أن اولئك الاخوانيين لم يشاركوا في أي من المعارك هناك . الأفكار السلفية انتقلت بواسطة عدد محدود جدا الى معان بينما كانت الغالبية من شباب الجهاد ترفض السلفية السعودية وتتبنى منهج عبدالله عزام في السياسة والجهاد.
وتركزت المبادئ التي نادت بها سلفية معان في بداياتها على طلب العلم واتباع منهج التصفية والتربية وهي نظرية الشيخ الألباني المتعلقة بأسلمة المجتمع (تصفية التراث من الشوائب والبدع وتربية المجتمع على القيم السلفية) ومحاربة البدع وعدم الانشغال بالسياسة واتخذت سلفية معان المحافظة من شعار الألباني (من السياسة ترك السياسة) موجها ومرشدا يحدد لها الخطوط العريضة في التعامل مع الدولة والمجتمع ، وكان من أبرز المترددين على معان حينها طالب العلم السلفي من أصول فلسطينية مراد شكري سويدان من مدينة الزرقاء والذي يعتبر المرجعية الثانوية أو التنفيذية لجماعة معان، حيث كان ينظم زيارات دورية لتثقيف الجماعة في الفقه والعقائد، وكان يلقي بتوجيهاته ويجيب على تساؤلاتهم ويعمل على ترسيخ بعض الأفكار والقيم لديهم ، ويعتبر مراد شكري أنموذجا للسلفية المعتدلة نسبيا وقد اتهم بتبني عقيدة الإرجاء فيما بعد من قبل هيئة كبار العلماء في السعودية وبفتوى منهم وهو أبرز شخصية أسهمت في تنشئة التيار السلفي المحافظ في معان وتعميقه فكريا ودفعه باتجاه محاربة التكفير ودعاته والتبرؤ منهم ومن الجدير بالذكر أن شكري كان يضع الإخوان المسلمين في خانة الخوارج ويرى أنهم عبارة عن عصابات دينية تضع طموحاتها السياسية في قالب ديني.
كانت أبرز المبادئ والأفكار التي رسخها شكري لدى جماعة معان هي : خطورة جماعة الإخوان على المجتمع والدولة ، شرعية الهاشميين (الهيئة الحاكمة في الأردن) في الحكم ، رفض تكفير الدولة والمجتمع والتأكيد على إسلامية الدولة الأردنية والتي تطبق 80% من الشريعة حسب رأيه، المشاركة في الانتخابات البرلمانية باعتبارها أخف الضررين، وكان شكري على صلة قوية بسلفية نجد وسلفية بغداد وحنابلتهم إذ كان يشد الرحال على مدار العام للقيام بزيارات دورية بين السعودية والعراق .
كما أن ثمة طلبة علم آخرون من تلاميذ محمد ناصر الألباني كانوا يترددون على معان كعلي الحلبي وأبو اليسر المصري وسليم الهلالي وغيرهم لكن تأثيرهم كان محدودا للغاية ، ولم تكن الأمور لدى سلفية معان المحافظة حينها تتجه نحو الاشتغال بالسياسة، إذ عدت السياسة لديهم من المحرمات نظرا لوجود أولويات فكرية متمثلة بطلب العلم وإتباع منهج التصفية والتربية ومحاربة البدع والضلالات وتفسيق جماعة الإخوان المسلمين ومحاربة الجماعات الصوفية في معان والتركيز على المسائل الهامشية كإعفاء اللحية وتحريم إسبال الثياب وغير ذلك ، والتزم أفراد الجماعة بطاعة الشيخ أو الأمير معتبرين أن رأيه واجتهاده هو الصواب ، كما حرمت القيادات السلفية الصغيرة نقد العلماء وخصوصا علماء السعودية فلحومهم مسمومة على حد قول السلف ، وقد أخذت مسألة الاستعانة بالكفار أثناء أزمة الخليج 1991 م منحى يبرر للمشايخ السعوديين بأن يفتوا بجواز الاستعانة بالأمريكان وهم النصارى ضد البعثي صدام والذي يعتبر خارجا من الملة بحسب فتوى ابن باز الصادرة عام 1981 م والتي تكفر الاشتراكيين وتحرم الصلاة خلفهم،كما ظهر بعض طلبة العلم المتنطعين في عمان حينها وسموا بالألبانيين لشدة تطرفهم وغرورهم وتقليدهم للشيخ الألباني في حركاته وسكناته ونبرات صوته ، ولم تأخذ مسألة الحاكمية أي اهتمام يذكر لديهم لكونها في نظرهم ذات خطورة فكرية وعقائدية فهي قد تقود إلى التكفير والضلال في ظل الفقر المعرفي واللغوي لدى فئات الشباب، الأنظمة السياسية العربية بحسب رأي شكري والألباني حينها هي أنظمة إسلامية وسكان البلاد مسلمون ولكن ثمة تقصير وأخطاء لا ترقى إلى الكفر المطلق تمثلت في عدم تطبيق الشريعة بالكامل لكن هذا التقصير يندرج تحت مصطلح الكفر الأصغر فهو (كفر دون كفر) بحسب رأي الصحابي ابن عباس وهكذا ترسخت تلك الآراء لدى العشرات من سلفيي معان الذي كانوا يرون أن الدولة ترتكب مخالفات لكنها لا ترقى إلى الكفر الأكبر والخروج عن الملة المحمدية لكون القوانين الوضعية غير ناتجة عن تقديس الهي للمشرع البشري...الخ ، و استطاعت تلك المجموعة السلفية استقطاب شباب معان أكثر من جماعة الإخوان المسلمين التي تحاشت الصدام ونأت بنفسها عنه حيث كانت جماعة الإخوان نخبوية تركز على المثقفين وطلبة المدارس ،أما سلفية معان فكانت تضم فئات اجتماعية وعمرية مختلفة مرتكزة على روح المبادرة والجرأة في الطرح وكسر التقاليد الاجتماعية ومعاندتها جهارا نهارا ، ولم تكن نظرة الأهالي إلى أولئك سوى أنهم جماعات تتلقى الدعم من السعودية من أجل نشر المذهب الوهابي، ومن جانب آخر استطاع سلفيو معان أن يطيحوا ببعض الأفكار التكفيرية المتطرفة التي نقلها وافدون مصريون ينتمون إلى جماعة التكفير والهجرة والجماعة الإسلامية في مصر غير أن هذا الأمر لم يطل كثيرا حتى بدأ التحول الفكري لدى الجماعة يتمحور حول مسائل الحاكمية وتكفير المعين
جرى التحول تدريجيا الى تبني مسألة الحاكمية أواخر التسعينيات حيث طغت مسألتي الإرجاء والتكفير والحاكمية وغيرها من مسائل الاعتقاد على المشهد الفكري والديني لدى سلفيي معان لعدة اسباب منها عقد معاهدة السلام مع إسرائيل والتي تسببت في إحداث تغيير مفاجئ لدى أفكار وتوجهات قيادات التيار الذين واجهوا أسئلة صارمة من قبل اتباعهم حول الإسلام والحكم والممارسة السياسية وقضايا الولاء والبراء وحكم مولاة اليهود ...الخ ، لقد شكلت معاهدة وادي عربة نقطة تحول من التفكير المعتدل إلى التفكير المتشدد في قضايا الحاكمية ، لقد رأى أفراد الجماعة أن ثمة أمور وقضايا سياسية مصيرية تحتكرها الهيئة الحاكمة وأن الإسلام اكبر وأوسع من مجرد دراسة للفقه أو بحث في التراث أو محاربة بدعة ، كما تولدت قناعات لديهم بأن المرجعيات الدينية لا تمتلك أدوات فقه الواقع أو أن بعضها يميل إلى مداهنة السلطة ، ومن الجدير بالذكر أن بعض قيادات الجماعة كانت ترى بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالسر أو العلن ، فوقعت بعض حوادث الحرق بحق ببعض الممتلكات الخاصة كصالونات التجميل النسائية وحادثة اطلاق النار على إحدى العائلات المسيحية في معان، ولم يكن أبو سياف حينها قد انضم إلى الجماعة السلفية في معان، بل كان مجرد ناشط اجتماعي وديني مستقل ومنفتح على مختلف التيارات الدينية والاجتماعية ، وكانت تربطه بالشيخ محمد أبو شقرة مستشار الملك حسين الديني والناشط السياسي ليث شبيلات وكثير من الزعامات السياسية الأردنية علاقات وثيقة فقد امتاز بالقدرة الفائقة على التواصل والذكاء الاجتماعي وبذل المال بدون حساب إضافة إلى القدرة على الاستقطاب وسرعة احتواء المخالفين، إذن نستنتج مما سبق أن معاهدة وادي عربة خلقت تحولا نحو ممارسة السياسة وتعزيز الانقسام الفكري في الجماعة حيث انقسمت إلى فريقين : الأول الذي يميل إلى تكفير النظام الحاكم ويوجب قتاله والآخر وهو الأضعف وهو الذي يحرم قتال الدولة ويعتبرها دولة إسلامية مشوهة لكن لا ينبغي تكفيرها، وقد أطلق على هذا القسم لقب (المرجئة) لأنهم لا يربطون الايمان مع العمل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*: معان : مدينة أردنية تقع في الجهة الجنوبية من البلاد على الأطراف الغربية للهضبة الصحراوية الممتدة من شبه الجزيرة العربية حتى بادية الشام وتبعد عن جنوبي العاصمة عمان مسافة 220 كم.







اخر الافلام

.. روسيا تحاول نشر التعاليم المسيحية في الغوطة الشرقية عبر المس


.. ميليشيا أسد الطائفية تواصل قصفها لجنوب وشرق إدلب


.. البابا تواضروس يترأس قداس -50 عاما على تدشين كاتدرائية العبا




.. الجيش النيجيري يحبط هجوما لبوكو حرام على قاعدة عسكرية


.. تعيين وزير يهودي في تونس يثير جدلا