الحوار المتمدن - موبايل



بغداد .. من آخر والي مملوك الى آخر والي عثماني

عضيد جواد الخميسي

2014 / 6 / 30
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


حكم المماليك في العراق 1775 ـــ1831م. وأدى ضعف السلطة المركزية، والانحسار الفعلي للوجود العثماني المباشر عن أقاليم عديدة، إلى قيام سلطات محلية قوية تمكنت من ملء الفراغ الناجم عن ذلك الانحسار، فظهرت سلطة المماليك في العراق. وتميزت فترة حكم المماليك بتعاقب ولاة مماليك على السلطة في بغداد، وظهور دور ملحوظ للقوى الأوروبية في إسناد ترشيح أحد الأغوات المماليك لولاية بغداد ممن يجدون في تعيينه ما يحقق لهم مزيدًا من المصالح في العراق، الأمر الذي أضاف عاملاً جديدًا في إبقاء السلطة بيد المماليك وترسيخ السيطرة العثمانية غير المباشرة، فكان تعيين سليمان باشا الكبير سنة 1780م بدعم كل من المقيم البريطاني في البصرة والسفير البريطاني في إسطنبول. كما جاء تعيين خلفه علي باشا سنة 1802م بتدخل من المقيم البريطاني في بغداد، بينما وصل سليمان باشا الملقب بالصغير إلى الحكم سنة 1808م بمساندة ودعم من الفرنسيين، وكان آخر الولاة داود باشا. وقد استطاعت الدولة العثمانية القضاء على المماليك إثر معركة وقعت بين الطرفين في تشرين الاول/ أكتوبر 1810م. وظلت الأسر المحلية في العراق تحكم بموجب فرمانات من السلطة العثمانية كأسرة( الجليلي) في الموصل وأسرة( البابانيين) في السليمانية. وقد عينت الدولة العثمانية الوالي علي رضا باشا واليًا على بغداد وعمل على توطيد نفوذه في البلاد. وقد عملت بريطانيا على توطيد نفوذها في العراق، فأوفدت بعثات تقوم بأعمال المسح والتخطيط خلال الفترة (1830-1860م).
داود باشا
داود باشا هو آخر ولاة المماليك الذين حكموا مدينة بغداد، ولد داود في . جورجيا(1767ــــ1851) وأختطف من أهله عندما كان في سن الثالثة عشر وجيء به الى بغداد وعرض للبيع، فإشتراه أحد الميسورين من وجهاء بغداد وهو( مصطفى بك الربيعي)،وبدوره باعه الى غيره بعد عدة أيام وصار بعدها داود ينتقل من شخص لأخر حتى إنتهى به المطاف إلى الوالي( سليمان باشا الكبير) ،وخضع داود للتعليم والتدريب اسوة بمجوعة المماليك في قصر الوالي . تدرج داود في المناصب الادارية ورفّع الى مقام عالٍ وهو منصب المهردار ,, اي حامل الختم ,, بعدها تزوج داود إحدى بنات الوالي سليمان باشا . وبعد وفاة الوالي ،تمكن داود من الاستحواذ على حكم ولاية بغداد بمساندة زوجته بعد صراع مرير مع خصومه واعدائه ..

في أوائل عام 1818 م إستغل الشاهزادة حاكم كرمنشاه نزاعا وقع بين أمراء آل بابان في منطقة كردستان، وقام الشاهزادة بتوجيه ثلاثة جيوش يستهدف بها احتلال مدينة بغداد أحدها من جهة السليمانية والثاني من جهة مندلي والثالثة من جهة بدره وجصان ، ولأجل هذا حاول داود باشا استرضاء الشاهزادة حاكم كرمنشاه حيث قام بالإبقاء على شاه بابان حاكما على السليمانية ، وبعد مراسلات ومفاوضات ما بين داود باشا والشاهزادة استمرت قرابة الشهرين تم عقد الصلح بينهما . لم يستمر الصلح الذي عقد ما بين الطرفين طويلا ، ففي سنة 1821 إلتجأ عبد الله باشا بابان وهو أحد امراء الأسرة البابانية الحاكمة في منطقة كردستان إلى الشاهزادة في مدينة كرمنشاه لإاصدار الأخير أمرا بتعينه حاكما على السليمانية بدلا من أخيه المعين من قبل داود باشا ، وقد أخذ عبد الله باشا بابان بمهاجمة حدود الدولة العثمانية من جهة بلدة خانقين، ثم توجه بعذئذ بقوة كبيرة نحو مدينة السليمانية بغية احتلالها، وقد إنضم إليه ,,خسرو بك ,,رئيس عشيرة الجاف ونتيجة لهذه التطورات أرسل داود باشا إلى السلطان العثماني في اسطنبول يطلب فيه مساعدته بارسال قوات لدحر هذا الهجوم ، وقد أرسل السلطان العثماني قوات اسناد تتألف من خمسة عشر ألف الباني، فأضاف داود باشا هذه القوات إلى قواته وفي شهر تشرين الأول من سنة 1821 جرت معركة ما بين الجيش العثماني المرسل من قبل داود باشا والذي كان بقيادة الكهية ,,محمد آغا,, وبين قوات عبد الله باشا بابان المدعومة من قبل قوات الشاهزادة بالقرب من مدينة السليمانية وقد إنتهت المعركة بهزيمة الجيش العثماني . و بعد هزيمة الجيش العثماني في هذه المعركة إنفتح الطريق أمام جيش الشاهزادة للتقدم نحو بغداد ،وعند وصول جيش الشاهزادة بالقرب من قرية هبهب(حالياً ناحية في ديالى) الواقعة بالقرب من بغداد أخذ المئات من السكان القاطنين في مدينة بغداد بالهرب نحو المدن المجاورة كالفلوجة والحلة ، وعند وصول جيش الشاهزادة بالقرب من خان بني سعد والتي تقع على بعد 25 كم شرق بغداد ، قامت بعض العشائر بالقيام السلب والنهب على القرى المجاورة لمدينة بغداد. وفي تلك الآونة بالذات كان وباء الهيضة(الكوليرا) قد وصل إلى بغداد ثم أخذ يسري نحو الشمال، فأنتشر هذا الوباء في صفوف جيش الشاهزادة حاكم كرمنشاه وقد أصب الشاهزادة كذلك بهذا المرض . وكان انتشار هذا الوباء في صفوف جيش الشاهزادة الدور الحاسم في عدم استمراره بالتقدم نحو بغداد فأرسل إلى الشيخ,, موسى كاشف الغطاء,, والذي كان يتولى الزعامة الدينية في مدينة النجف ونجح الشيخ كاشف الغطاء في التوسط ما بين الفريقين المتحاربين، ولم يكد الشاهزادة يصل إلى كرمنشاه حتى مات وتولى بعده مقاليد الحكم إبنه,, حسين ميرزا,, والذي حاول من أن يهاجم بغداد كما فعل والده وقد قام بتجهيز جيش ضخم لهذا الغرض ، وعند وصول الجيش بالقرب من بلدة شهربان(المقدادية) الواقعة إلى الشرق من مدينة بغداد أخذ وباء الهيضة يهدد الجيش كما فعل في المرة الأولى مما إضطره إلى الإنسحاب والعودة إلى كرمنشاه من جديد . بعد ان فشل داود باشا في الاستيلاء على بلاد فارس وبعد أن تبينت نوازعه الاستقلالية، وجه إليه,, السلطان محمود الثاني ,,حملة عسكرية بقيادة ,,علي رضا باشا اللازر,, في عام 1830 م، فاستسلم داود باشا، وصالح قائد الجيش على أن يسلمه بغداد ويرحل إلى الآستانة وبهذا الانكسار انتهى حكم المماليك وحقبته في بغداد. بعدها أُرسل داود باشا من قبل ,,السلطان عبد المجيد,, شيخاً على ,,الحرم المكّي,, في عام 1844 م، وتفرّغ هناك للعبادة والتدريس إلى أن توفي، ودفن في البقيع.
اما اهم ماانجزه الوالي داود باشا ، اصداره اول صحيفة في بغداد باسم [ جرنال العراق ] باللغتين العربية والتركية .
إهتم داود باشا بتقوية الجيش وتدريبه على النظم الحديثة ولأجل ذلك قام باستقدام ضابط فرنسي اسمه,, المسيو ديفو,, وكان ديفو من الضباط الذين خدموا في جيش نابليون بونابرت وترك فرنسا بعد سقوط بونابرت. وكان ديفو يعمل قبل استقدامه من قبل داود باشا يعمل في تدريب جيش الشاهزادة في كرمنشاه . كما إشترى داود باشا مصنعا للبنادق من أوروبا وجلب الفنيين لإدارته، كما أسس مصانع المنسوجات لتفي بحاجات الجيش .

في عام 1831 تولى ,,علي رضا باشا,, منصب الوالي بعد عزل داود باشا من منصبه والذي كان يعد آخر حكام المماليك في العراق إلى سقوطها في يوم 11 أذارـــ مارس من سنة 1917 من قبل الإمبراطورية البريطانية وهروب,, خليل باشا,, ومن معه من قادة الجيش العثماني والذي كان آخر والي عليها خلال الحرب العالمية الأولى. وقد دامت هذه الحقبة الزمنية حوالي 86 عاما وخلال هذه الفترة الزمنية تولى بغداد عددا من الولاة العثمانيين .

الوالي علي رضا باشا(1831ــــ1842)
علي رضا باشا أو كما كان يسمى بعلي باشا هو أول الولاة الذين حكموا بغداد بعد القضاء على حكم المماليك في العراق في سنة 1831 ، وقد دامت مدة ولايته على بغداد حوالي إحدى عشر عاما ما بين عامي 1831 إلى عام 1842 وتمثل ولايته بداية عهد جديد في العراق هو عهد العودة إلى طاعة الدولة العثمانية بعد سنين من الحكم الشبه مستقل عن حكم الدولة العثمانية. علي رضا باشا هو من أهل مدينة,, طرابزون ,,الواقعة على البحر الأسود ويعتبر هو أحد اتباع الطريقة البكتاشية .
وقد قام علي باشا بعد وصوله إلى بغداد بتصفية ماتبقى من المماليك الموجودين في العراق وذلك بالقيام بمذبحة شاملة ضدهم كالتي قام بها والي مصر,, محمد علي باشا,, بعد توليه الحكم هناك. و كان لعلي باشا ثلاثة معاونين كانوا يساعدوه في الحكم وهم كل من,, علي آغا اليسرجي و,,عبد القادر بن زيادة الموصلي ,,و,,علي أفندي الذي اشتهر في بغداد باسم,, الملا علي الخصي,, ولم يكن هؤلاء المعاونين الثلاثة يحسنون معاملة أهالي المدينة ابدا. وفي 28 أيار/مايو من عام 1832 اندلعت في بغداد احتجاجات شعبية بقيادة ,,عبد الغني آل جميل,, وكانت بسبب مطالبة آل جميل لرجال الحكومة بالكف عن الأعمال الوحشية والاساءة للناس ولكن الولاة لم يستجيبوا لندائه، وسميت الاحتجاجات، بحركة( المفتي عبد الغني آل جميل) ، وعبد الغني آل جميل ، وهو مفتي بغداد ومن علمائها المعروفين تقلد مناصب دينية وسياسية وكان له الوجاهة والزعامة في الأوساط العراقية، وأصل نسبه من سوريا ، وسكنت عائلته منطقة حديثة في العراق، وبعدها سكنت في بغداد، وكان شاعراً وكاتباً وفقيهاً ومحدثاً ، وهو من مواليد بغداد 1780 وان السبب المباشر في إعلانه الحركة هو أن إحدى نساء المماليك وهي أرملة,, رضوان آغا,, وكانت سيدة من أسرة نقيب مندلي قد التجأت إلى المفتي عبد الغني تحتمي عنده من مطاردة رجال الوالي علي رضا، وأودعت لديه طفلها البالغ من العمر ستة سنوات، غير أن هؤلاء لم يحترموا حماية المفتي لها، وكانت هذه الحادثة من جملة أسباب عميقة وراء هذه الحركة منها أحساس الناس بالتعسف والجور الذي كان يمارسه رجال الوالي علي رضا، وبدأت هذه الحركة في 29 حزيران 1832م، في حي باب الشيخ والذي كان هذا الحي من أكثر الأحياء تحسساً، وأنضم الناس إلى جانب المفتي الذي ترأس بشخصه مئات الرجال المدججين بالسلاح وكان نزول المفتي إلى الشارع يعد أولى خطوات المقاومة المنظمة لأهل بغداد ضد العثمانيين، وكان له مجلساً للوعظ والأرشاد في (مسجد آل جميل) في محلة[ قنبر علي] في بغداد. وأقام مجلسهِ من بعدهِ أولاده وأحفاده . توفي المفتي عبد الغني آل جميل في بغداد ودفن رفاته في جامع ال جميل في محلة قنبر علي في مايو/ايار1863م..

تمكن الوالي علي باشا من القضاء على هذه الحركة الشعبية التي اجتاحت بغداد. وكان علي باشا هو أول والي عثماني يسمح بإقامة مجالس العزاء علانية وذلك في عام 1832 عندما حضر الوالي مجلس عزاء لدى إحدى الأسر الشيعية . وفي سنة 1835 جرى انتخاب المختارين لمحلات بغداد فصار لكل محلة مختار أول وثاني مع إمام يقوم بشؤون الزواج بالاتفاق مع المختارين ..

نزاع العشائر]] تعتبر عشيرة عنزة إحدى عشائر العراق البدوية القوية، إذ جاءت من نجد من عهد قريب. وفي صيف عام 1832 عندما كانت عشيرة شمّر تهدد بغداد ارسل الوالي علي باشا بطلب عشيرة عنزة لكي يستعين بها لقتالها. وعند وصول عشيرة عنزة انسحبت شمّر من المناطق المجاورة لبغداد من دون قتال، وبقيت عنزة بالقرب من بغداد تطالب الوالي بالمكافأة التي وعدها بهم أثناء قدومهم لقتال شمّر. وتوترت بعدها العلاقة ما بين الوالي وعنزة، اضطر علي باشا عندها بالإستعانة بشمر لقتالهم. ثم نشبت يوم 12 تشرين الثاني 1834 معركة طاحنة بالقرب من بغداد بين عنزة وبين جيش علي باشا تسانده شمر. وقد إنتصرت عنزة في المعركة إلا أنهم تركوا جيش الوالي العثماني، وراحوا يطاردون خصومهم من شمّر. وبعد انتهاء المعركة أصبحت المناطق المحيطة ببغداد في حالة من الفوضى وفقدان الأمن فقد سيطرت عشيرة عنزة على القرى والطرق المحيطة هناك.
وبينما الفوضى سائدة خارج اسوار مدينة بغداد بدأ التوتر داخل بغداد بين جيش الوالي علي باشا وعشيرة عقيل، والتي تسكن في منطقة الكرخ على الجانب الغربي من بغداد. وسبب هذا التوتر هو اشتراك افراد من عشيرة عقيل في السلب والنهب التي كانت تعم المناطق المحيطة ببغداد، فنشبت يوم 4 كانون الأول من سنة 1834 معركة بين كلا الجانبين وإستمرت حتى حلول المساء حيث إنتهت بانتصار جيش الوالي. وبعد المعركة قام جنود الوالي بنهب الكرخ من دور واسواق واشعلوا النيران في الأسواق. فإمتلأت الرصافة والتي تقع على الجانب الشرقي من بغداد باللاجئين من القاطنين في الكرخ .

محمد نجيب باشا (1842ــــ 1849)

في شهر نيسان/ ابريل نُقِل علي رضا باشا إلى الشام وحل محله في ولاية بغداد الوالي محمد نجيب باشا الذي وصلها في شهر ايلول/ سبتمبر، وبما أن الوالي الجديد كان ميالا في علاقاته مع القناصل المعتمدين في بغداد وخصوصا القنصل البريطاني، مما سبب غيرة وامتعاض القنصل الفرنسي في بغداد,, البارون دي فيمار,,، حيث كانت علاقات الطرفين تمر خلالها بمرحلة شد وجذب . واستمرت العلاقة المتوترة بين الوالي والقنصل الفرنسي إلى أن تحسنت في صيف 1844. واستمرت جيدة إلى أن حل عيد الفطر يوم 3 تشرين الأول 1845 عندما وجد القنصل الفرنسي أن القنصل البريطاني قد سبقه إلى تهنئة الوالي ،ففسر الأمر على انه تواطؤ من الوالي لأهانة كرامة فرنسا ، فعمد إلى إرسال مستشاره ليقوم بمراسم التهنئة بدلا عنه. فأثار ذلك غضب محمد نجيب باشا. وبلغت أزمة العلاقات بين الوالي والقنصل الفرنسي ذروتها في 1846 حين إقتحم جنود مدججون بالسلاح مبنى القنصلية الفرنسية ،ورفض الوالي معاقبة هؤلاء الجنود المقتحمين ، فتطور الأمر حتى طلبت السفارة الفرنسية في إسطنبول من الباب العالي بتوجيه توبيخ صارم للوالي محمد نجيب باشا ، . مما جعل محمد نجيب باشا يقيم حفلة استقبال على شرف القنصل الفرنسي، وأعترف له بالأولوية على القنصل البريطاني .
[[ الدعوة البابية ]]
ظهرت الدعوة البابية في مدينة شيراز سنة 1844 بظهور الباب وهو (علي بن محمد رضا الشيرازي). وبعد انتشار الدعوة في بلاد فارس أرسل الباب أحد حروف الحي وهو( الملا علي البسطامي) إلى العراق ، حيث وصل مدينتي كربلاء والنجف ليبشر بالدعوة الجديدة، وبعد جدل مع علماء النجف القي القبض عليه وسيق به مخفورا إلى بغداد ، فأدخل إلى الوالي محمد نجيب باشا الذي عمد إلى عقد مجلس عام لمحاكمته مؤلف من علماء الشيعة والسنة معا، وهو أول مجلس في الدولة العثمانية يجتمع فيه علماء الطائفتين معا ، وقد إرتج المجتمع البغدادي عند سماعه بإنعقاد هذا المجلس وراجت مختلف الإشاعات حوله، وظن عوام الناس من أن علماء كلا الطائفتين لا يمكنهما الاجتماع إلا بوجود سبب آخر وهو النظر في قضية( أبو بكر وعلي) وقد انشغل العوام من سكان بغداد بالمجادلة التي جرت ما بين( حسن كاشف الغطاء وابي ثناء الآلوسي) واختلفت الروايات حول ماحل بالملا علي البسطامي فقيل من إنه سيق إلى إسطنبول فمات في الطريق جراء مرض أصابه وفي رواية أخرى إنه مات مقتولا .
وكان لمجيء( زرين تاج)[ قرة العين القزوينية (1815 - 1852 م) نسبتها إلى قزوين. هي زريّن تاج بنت ملاّ صالح القزويني، مولدها في قزوين وتوفيت في طهران. كانت تلقي الدروس في مدينة كربلاء عام 1843 م. كانت داعية بابية قوية، وقد أعدمت لأجل ذلك. لها شعر بالعربية والفارسية، وأحيانًا تخلط بينهما في القصيدة الواحدة.] مجيئها إلى العراق، كان له الاثر الأكبر في انتشار هذه الدعوة، حيث انتقلت مع حاشيتها في آب 1846 إلى الكاظمية ، وأستقبلت هناك استقبالا حافلا وذاع صيتها في بغداد فأخذ الكثير من سكانها من الشيعة وغيرهم يفدون إليها لسماع دروسها ومحاضراتها، وقد مكثت في بغداد حوالي ستة أشهر ثم عادت إلى كربلاء في يوم 8 شباط من عام 1847 بمناسبة زيارة الأربعين ، .ولكنها لم تمكث طويلا إذ سرعان ماعادت إلى بغداد بعد أن دب الخلاف بينها وبين( الملا أحمد الخراساني) والذي كان يتولى رعاية بيت كاظم الرشتي فاجبرت على العودة إلى بغداد ، وقد ظلت زرين تاج تلقي دروسها في بغداد مدة غير يسيرة ولكن يبدوا من إن خصومها في كربلاء لم يسكتوا عنها ولا سيما (الميرزا محمد حسن جوهر) رئيس الشيخية (هي مدرسة فكرية شيعية اثنا عشرية) ، واخذوا يبذلون جهودهم لتحريض حكومة الولاية ضدها، وقد تم لهم ماارادوا إذ تم وضع زرين تاج تحت الإقامة الجبرية في بيت أبو ثناء الآلوسي قرابة الشهرين، وبعدها أطلق سراحها وأخرجت من العراق.

[مظاهرة في باب الشيخ الثانية ]
تعتبر محلة باب الشيخ من محلات بغداد مثلها مثل مدينة كربلاء وغيرها من المدن التي تحتوي على العتبات المقدسة من حيث كونها حرما آمنا يلجأ إليها الهاربون من الحكومة فلا تستطيع الحكومة من إلقاء القبض عليهم . وفي صيف 1847 خرجت مظاهرة معادية للحكومة من تلك المحلة واتجهت نحو محلة( باب المعظم) ومن هناك إتجهت نحو( بستان النجيبية) حيث كان الوالي يقيم في مسكنه الصيفي، لكن سرعان ماسيطر الوالي محمد نجيب باشا على الموقف والقضاء عليها، بعدها أصدر الوالي أوامره بإبعاد خطيب الحضرة القادرية( محمد أمين الواعظ) وأخيه السيد خطاب إلى البصرة إذ أتهمهما بأنهما كانا من المحركين للمظاهرة .

وفي تموز 1849 عزل نجيب باشا من منصبه وحل محله عبد الكريم باشا. وقد عزل هذا بدوره في شهر كانون الأول 1850 وحل محله الوالي محمد وجيه باشا، ثم عزل هذا أيضا بعد مضي سنة واحدة وحل محله نامق باشا .


محمد نامق باشا (1851 - 1852)
سياسي عثماني يعد من أهم رجال الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر خدم عند خمس سلاطين عثمانيين وعمل مستشارا لدى اربعة منهم. انشئ الأكاديمية الحربية العثمانية وشغل منصب والي بغداد مرتين كما شغل منصب سرعسكر (وزير الحربية) ومنصب الصدر الأعظم (رئيس الوزراء) في الدولة العثمانية. .وقد كان نامق باشا قبل تعينه بمنصب والي بغداد ، كان مشيرا في فيلق العراق ، وقد اختلف مع الوالي محمد وجيه باشا حول الطريقة التي ينبغي أن يحكم بها العراق وبالأخص بموضوع ثورة العشائر بمنطقة الفرات الأوسط وقد أدى هذا الأمر إلى استقالة محمد وجيه باشا بعد تأييد إسطنبول لرأي نامق باشا في معاملة ثورة العشائر التي نشبت آنذاك .
إمتاز نامق باشا بشدته في الحكم وكان أيضا بنفس الشدة على الأجانب الساكنين. وقد عزل نامق باشا من منصبه بعد مشكلة حدثت مع صيرفي مسيحي يحمل الرعوية الفرنسية عندما لم يترجل هذا الصيرفي من حصانه عند مرور موكب نامق باشا، فتعرض للضرب من جنود الوالي، وقد أدت هذه الحادثة إلى عزل الوالي .

رشيد باشا (الكوزلكلي) [1852 ـــ 1857]

في شهر آب/ أغسطس من عام 1852 صدر الفرمان بإسناد ولاية بغداد إلى رشيد باشا الملقب( الكوزلكلي) أي صاحب النظارات، وسماه العراقيون[ بأبو المناظر] . ،وقد إرتاب البغداديون من إسلام الوالي الجديد لأنه ولد من أبوين مسيحين في جورجيا، وبقي عدة سنوات في فرنسا بعد إيفاده من الدولة العثمانية للتخصص في الفنون المدفعية، ولكونه يطالع الكتاب المقدس ولاسيما( إنجيل توما )، ولكي يبعد عن نفسه تلك الشبهة شرع بتعمير جامع من ماله الخاص ، وقد أخذ الوالي الجديد بدفع رواتب الموظفين المدنيين والعساكر المتأخرة والتي لم تدفع منذ عهد الوالي علي رضا باشا . وفي عام 1853 وقعت حرب القرم بين العثمانيون والروس، وعند وصول نبأ إعلان الحرب إلى بغداد جمع الوالي اعيان بغداد وعلمائها وطلب منهم ان يجمعوا التبرعات من الأهالي لمعونة الدولة ، وقد قرر المجلس من أن يدفع الموسر من الأهالي مبلغ الف قرش، والمتوسط مائة قرش، والفقير خمسة وعشرين قرشا، وكذلك فرض على كل بيت رسم مقطوع قدره 100 قرش. . وعندما إشتدت الحرب وطال أمدها نشرت إشاعات في بغداد مفادها من إن( الشاه القاجاري ـــ شاهنشاه ايران) قد تحالف مع الروس وإنه يحشد جنوده لمهاجمة العراق ، ،وقد ارتفعت الأسعار في بغداد والمناطق المحيطة بها واضطرب الأهالي نتيجة هذه الأخبار. وأخذت الحكومة في بغداد تتشدد في طلب المجندين حتى الذين قد تم إعفائهم منها لاسباب صحية . وفي اواخر عام 1853 وصل خبر إلى القنصل البريطاني مفاده من إن الشاه قد ترك مسألة مهاجمة الحدود الشرقية للدولة العثمانية وذلك بتحريض من إمام جمعة طهران ، وفي منتصف آب 1857 توفي الوالي رشيد باشا بعد التهاب في حنجرته . فعينت الدولة العثمانية عمر باشا واليا على بغداد، ويعتبر عمر باشا قائدا عسكريا اشتهر في حرب القرم. وكان أهم الأحداث التي واجهت بغداد في عهد هذا الوالي هي مسالة التجنيد الإجباري الذي يطلق عليه في ذلك الحين اسم( عسكر نظام).وقد كانت خطة الوالي عمر باشا في أن يشرع بتنفيذ خطته بالتجنيد الإجباري في مدينة بغداد، فإذا نجح في خطته سعى لتنفيذها إلى باقي مناطق الولاية. وقد نجح الوالي عمر باشا بتجنيد أهالي مدينة بغداد بعد أن قام بتوزيع مبالغ مالية كبيرة على أعيان ووجهاء بغداد بغية إقناعهم بفكرة التجنيد الإجباري. وقد تم عزل عمر باشا سنة 1859، ثم تولى بعده كلا من مصطفى نوري باشا(1859ـــ1861) وأحمد توفيق باشا(1861ـــ1861) دامت ولايته سبعة أشهر فقط .

ولاية نامق باشا الثانية(1862ــــ 1867)

تولى نامق باشا منصب والي بغداد للمرة الثانية، وقد استمرت مدة ولايته زهاء خمسة سنوات . وقد أمر نامق باشا بعد وصوله إلى بغداد بعزل (الجلواز أحمد آغا) وقد كان هذا الجلواز بمنصب التفكجي باشي الذي كان يسيء معاملة الأهالي من سكان المدينة. وقد قام نامق باشا بالقضاء على الأشقياء والذين كانوا يحترفون اللصوصية وكذلك على كل شخص يخل بالأمن العام، وأن يساق إلى القلعة ويسجل هناك في سلك الجندية ثم يساق إلى اليمن والذي كان أشبه بالمنفى في تلك الأيام .ومن ثم تولي بغداد (تقي الدين باشاــــ 1867ــــ1869) .
دخلت بغداد مرحلة جديدة من التحول السياسي والاقتصادي والاجتماعي بشقيه الفكري والثقافي . منذ تولي مدحت باشا زمام السلطة في بغداد سنة 1869

ومع كل ماذكر ، فان هناك من الولاة ممن كان لهم دور في احداث بعض الاصلاحات على الصعيد الاجتماعي والثقافي والاقتصادي ، ومن ابرزهم -;-
الوالي مدحت باشا (1869ــــ 1872م)

ولد احمد شفيق مدحت سنة 1822 في اسطنبول وشهرته مدحت باشا وكان والده يعمل قاضيا ، وعرف عن مدحت باشا الجدية والمثابرة منذ صغره ،اذ اكمل تعليمه في المدرسة العرفانية النموذجية في اسطنبول 1838 ثم انتقل الى مدرسة الخوجة واستمر في الدراسة حتى عام 1841، عيّن كاتبا وهو في الثامنة عشر من عمره ، ولقد تدرج بالوظائف حتى اوكلت اليه الدولة اعادة الاستقرار لاقليم البلقان في فترة اضطراباتها ،وارسل كذلك للتحقيق في احداث البلغار واصلاح شؤونها ،فكانت هذه النشاطات سببا في ترقيته الى مرتبة وزير ، ثم الى رئاسة شورى الدولة .
صدر الفرمان السلطاني بتعيين مدحت باشا واليا على بغداد سنة 1869 بعد عزل الوالي تقي الدين باشا(1867ـــ 1869) كما عهدت اليه قيادة الفيلق السادس ، وامتدت ولايته على ولايتي الموصل والبصرة .
ولقد كان لتعيين الوالي مدحت باشا واليا على العراق عدة اسباب قد ياتي في مقدمتها-;-
1. ابعاد مدحت باشا عن اسطنبول بعد تزايد شعبيته على اثر الخلافات التي دارت بينه وبين الصدر الاعظم (رئيس الوزراء)، كما ان هناك من يرى ان مدحت باشا قد اظهر رغبته في ولاية بغداد للابتعاد عن اسطنبول التي اضحت مركزا للصراع والتنافس على المراكز والسلطة .

2. رغبة السلطان عبد العزيز في تهيئة مدحت باشا لتولي مهام ومناصب عليا في الدولة .

3. اهمية المرحلة الزمنية وضروراتها التي فرضت على الدولة العثمانية ، في جعل العراق طريق بري دوليا لمنافسة قناة السويس ، التي هي خارج اطار سيطرتها ، لمواجهة نشاط الغرب في منطقة نفوذها .

4.النفوذ البريطاني في المنطقة، والذي صار يشكل تهديدا لمصالح الدولة العثمانية ، ومحاولة بسط نفوذها على منطقة الخليج ، وهذا الامر بحاجة الى قيادة سياسية قوية ،وشخصية مؤثرة ، ومدحت باشا خير من يمكن اختياره لهذه المهمة .

5. الاهمال الذي شهده العراق بولاياته الثلاث من الولاة السابقين ، والذي اثر بصورة مباشرة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية ، والذي يؤثر بدوره على واردات الدولة العثمانية من الضرائب والمكوس ، بل هو في الحقيقة عبأ كبيرا ، بما تتحمله الخزينة ،لتجهيز الحملات العسكرية لمواجهة عصيان القبائل والعشائر وتحديهما للسلطتين المركزية والمحلية ، قد يكون هذا سببا في التفكير بشخصية مدحت باشا لايجاد حلول لتلك المشاكل المستعصية .

6. كما ان تزايد النشاط الايراني على الحدود العراقية ، وتاليب القبائل والعشائر ضد السلطات ، فضلا عن عدم التزام الجانب الايراني بمقررات لجنة ترسيم الحدود ، وكذلك باتفاقية(ارضروم) ، يستدعي وجود قيادة قادرة على اظهار قوة الدولة العثمانية ، اضافة الى تمتعها بقدر عال من الدبلوماسية السياسية ،ومدحت باشا كان يمثل الرجل المناسب في المكان المناسب .

لقد كان ظهور الوالي مدحت باشا على الساحة السياسية والاجتماعية الاثر الكبير في احداث انتقالة نوعية في جملة الاعمال والمشاريع والتوجهات الاقتصادية ، ومن بينها -;-
ــــ انشاء اول مدرسة حديثة للذكور .
ــــ انشاء اول مدرسة للصانيع للايتام .
ــــ شيد مستشفى للغرباء في جانب الكرخ .
ـــــ اسس شركة ترامواي الكاظمية (عربات تجرها الخيول على سكة) .
ـــــ شيّد عدة بنايات جديدة لاستخدامها كمقرات للحكومة .
ـــــ شيّد جسرا جديدا للمشاة في بغداد .
ـــــ انشأ اول حديقة عامة (النجيبية) ،للترفيه عن العوائل البغدادية .
ـــــ انشأ مشروع مد انابيب الماء الى بعض محلات بغداد .
ـــــ اكساء بعض شوارع بغداد الرئيسة بالاسفلت ، والتي تقع فيها المقرات الحكومية .
ــــ انشاء خان كبير(فندق) للزوار والمسافرين .
ــــ كما ان هناك انجازا على درجة كبيرة من الاهمية الا وهو [ تسجيل النفوس] ، اذ تمت في سنة 1869 اول عملية اصدار وثائق في قيد السجل العام لتثبيت البيانات الخاصة عن كل شخص ، او بما يسمى البطاقة الشخصية . وان كان قد استخدم الشدة ضد الذين كانوا يعارضون هذه الخطوة .
. . وفي عهد مدحت باشا اكتمل بناء القشلة التي كان الوالي الأسبق نامق باشا قد شرع ببناءها. وفي عهده تم إصدار جريدة الزوراء بالغتين العربية والتركية ...
ومهما كانت الاعمال والمنجزات التي قام بها الوالي مدحت باشا ، فهي بالحقيقة لاتخلو من عمليات فساد ورشاوى وعلى جميع الاصعدة ،كون القائمين على تلك المشاريع لايهمهم غير منفعتهم الشخصية ، وتحقيق مآربهم باية وسيلة وباقصى مايمكن ، وهذا ليس بغريب على نمط الحكم في بغداد ،فالقائمين والمشرفين على تلك المشاريع هم من الاتراك وهم غرباء ،لذا لم يهتموا بمصالح الناس ولا بما ينفعهم ، ولهذا نجد جميع المشاريع التي انجزت هي فاشلة ولم يستفد منها ، حيث ان ماانجز تهاوى بعد سنة او سنتين على الاغلب .

ثم تولى بغداد الوالي رؤوف باشا (1872ــــ1873) ، وجاء من بعده الوالي رديف باشا (1873ــــ1875) . وفي سنة 1876 تولى السلطان عبد الحميد الثاني مقاليد السلطة في الدولة العثمانية خلفا لأخوه السلطان مراد وكان والي بغداد أثناء تولي عبد الحميد الحكم هو عبد الرحمن باشا (1875ـــ1877) وفي سنة 1877 نقل هذا الوالي إلى ديار بكر وحل محله في الولاية عاكف باشا(1877ـــ1878) ،وفي سنة 1878 عين قدري باشا واليا على بغداد ولم يمض على تعين الوالي الجديد سوى ثمانية أشهر حتى عين بمنصب وزير الداخلية لدى الدولة العثمانية ، تولى عبد الرحمن باشا ثانية(1879ـــ1880) منصب والي بغداد وفي عهده حدثت مجاعة كبرى في المناطق التي تعرف حاليا كردستان العراق وقد سميت تلك السنة ببغداد بسنة [البرسيمة] وذلك بسبب إن كثيرا من الأكراد قد جاءوا إلى بغداد هربا من المجاعة وهم يصرخون,, برسيمة برسيمة,, اي[ جوعان باللغة الكردية] . وقد عزل الوالي عبد الرحمن باشا في سنة 1880 بعد فشله في حل قضية تمرد[ آل السعدون] في الجنوب وحل محله في الولاية الوالي تقي الدين باشا(1880ـــ1887) . أحيل تقي الدين باشا إلى التقاعد في عام 1887 وحل محله في منصب الولاية الوالي مصطفى عاصم باشا (1887ــــ1889) وقد دامت مدة ولايته زهاء ثلاث سنوات كانت مليئة بالإحداث.
الوالي مصطفى عاصم باشا(1887 - 1889)
في ايام هذا الوالي ظهر صراع بينه وبين نقيب أشراف بغداد[ السيد سلمان الكيلاني] ، . وسبب هذا الصراع هو إن الوالي كان من اتباع[ أبو الهدى الصيادي] رئيس الطريقة الرفاعية، ولما كان للكيلاني حظوة لدى السلطان فأدى هذا الأمر غلى نفور أبو الهدى الصيادي ، .وقد عانى السيد سلمان الكيلاني طوال المدة التي كان فيها مصطفى عاصم باشا واليا على بغداد. وفي صيف 1889 ظهرت الكوليرا في العراق وقد هرب الموسرون والحكام والأجانب من بغداد متجهين نحو البراري حيث خيموا هناك وقد استمر الوباء ثلاثين يوما ثم اخذ يتضائل تدريجيا شيئا فشيئا . وخلال تلك الفترة توفي [ عبد الله إبراهيم سوميخ ] وهو رئيس الحاخامات اليهود في العراق ، ولم يشأ اليهود دفنه في مقابرهم العامة والتي كانت تقع في الجهة الشرقية من بغداد ، وقد حصل اليهود على إذن من الوالي بدفن الحاخام عند مرقد النبي[ يوشع] ، ولكن عندما أراد اليهود فتح باب المقبرة عارضهم سادن المقام وتطور الأمر إلى مشكلة كبيرة بين المسلمين ومعهم رئيس بلدية الكرخ [عبد الله الزيبق] وبين اليهود يساندهم أمير اللواء[ سعيد آغا] حيث قاموا بكسر باب المرقد ودفنوا الجثة داخل السور المحيط بالمرقد ، وعندما علم الوالي بالامر، أمر بالقاء القبض على رئيس الحاخامات الجديد ورفقاؤه الذين كانوا معه وحبسوا في الكنيس الخاص باليهود ، وقد إنتشر هذا الخبر في أوروبا وثارت ضجة حوله وقد طلب الوالي مصطفى عاصم باشا من السلطان عبد الحميد الثاني بإخراج جثة الحاخام من مدفنها ودفنها في مقبرة اليهود العامة وقد وافق السلطان بهذا الاقتراح ، وتم نقل الجثة في ليلة يوم 11 كانون الأول من نفس السنة وفي اليوم التالي غادر الوالي مصطفى عاصم باشا بغداد حيث تم نقله إلى ولاية أخرى .

تولى سري باشا (1890ـــ1891) خلفا لمصطفى عاصم باشا، وكان عهد هذا الوالي من أبشع العهود من حيث انتشار ظاهرة الرشوة والمحسوبية والتفسخ لدى مؤسسات الدولة في بغداد. وكما تميز عهد سري باشا باضطهاد البابيين فقد نفي رئيس الطائفة البابية في بغداد [الحاج محمد حسين الأصفهاني ]إلى الموصل في سنة 1891 ، وفي 1891 تبادل كل من حسن باشا (1891ـــ1896) والي ديار بكر مع سري باشا على أن كل منهما يحل محل الآخر في ولايته وقد دامت ولاية حسن باشا قرابة خمسة اعوام ، وفي عام 1896 عين عطاء الله الكواكبي(1896ـــ 1899) واليا على بغداد وقد دامت مدة ولايته قرابة ثلاثة أعوام وفي عام 1899 عين والي طرابلس الغرب نامق باشا (1899ـــ1902) والذي لقب بـ(الصغير) للتميز بينه وبين والي بغداد الأسبق نامق باشا (الكبير). حاول هذا الوالي بالتشبه بوالي بغداد الأسبق مدحت باشا من خلال قيامه بالكثير من الإصلاحات في الإنشاء والتعمير .
يبدو ان المنجزات التي قدمها الوالي مدحت باشا اثناء فترة ولايته لبغداد ، جعلت بعض الولاة الذين جاؤوا من بعده ، ان يحذوا حذوه في القيام ببعض المشاريع الاصلاحية ، وربما اراد الوالي نامق باشا ان يتفوق على سلفه مدحت باشا من حيث الانجازات والخدمات ، ومن تلك الاعمال التي قام بها نامق باشا -;-
1. انشأ اول مدرسة للاناث ، وانشاء مدارس جديدة في بغداد واخرى في الحلة والديوانية وخانقين ومندلي ، وحينما وجد صعوبة في استقدام معلمين من اسطنبول ، بنى داراَ للمعلمين في بغداد ،والحق بها قسم داخلي لسكن الطلاب الوافدين من كافة الالوية العراقية .
2. اعادة نشاط مدرسة الصنايع للايتام التي كانت قد اهملت بعد رحيل مدحت باشا ، وشارفت على الاندثار، اذ لم يبق فيها عند مجيء نامق باشا سوى اربعين تلميذا من اصل مائتي تلميذ !! ، فانبرى هذا الوالي لاعادة الحياة فيها من جديد ، فرمم بنايتها واضاف لها قسما خاصا بالنجارة ، كما ادخل مادة الموسيقى ضمن المناهج ، وجاء بطاقم تدريسي كاملا من اوروبا ، وقد وصل عدد الدارسين الى المائة والثلاثين تلميذا .
3. كان المستشفى الذي بناه مدحت باشا قد اهمل مثل مدرسة الصنايع ، حتي ان بناية المستشفى تحولت في 1896 الى مدرسة!!! ، ولما جاء نامق باشا اسرع الى تشييد مستشفى جديد في باب المعظم ، في الموضع الذي اقيمت فيه السجون بعدئذ ، وجهزت بالادوية والادوات والمستلزمات الجراحية والاسعافية من اوروبا .
4. واذا كان مدحت باشا قد اسس ترامواي الكاظمية، فان نامق باشا اسس شركة نقل بالعربات التي تجرها الخيول ، وتسير بانتظام بين بغداد وبعض المدن القريبة منها ، كالحلة وكربلاء وسامراء وبعقوبة ، وهي الشركة التي اطلق عليها [ الكومبانية ] واشتركت في تاسيسها بعض الاسر البغدادية وكبار تجارها ,,كعارف اغا,, واخرين .
5. الجسر الذي انشأه مدحت باشا ، قد تهاوى ، وكان كثيرا ماتتقطع اوصاله ،وفي كل مرة يقوم البغداديون باصلاحه!!! ، فما كان من نامق باشا الا ان اوعز الى مدرسة الصنايع ببناء جسر جديد، اكبر حجما ومتانة من الجسر السابق .واطلق عليه ,, جسر بغداد,, ومن المفارقة من أن الوالي نامق باشا قد عزل من منصبه كوالي بغداد يوم افتتاح الجسر وقد قام بافتتاح الجسر نيابة عن الوالي قاضي بغداد بصفته وكيلا للوالي سنة 1902
6. كان من اثار نامق باشا ,, سراي الكاظمية,, وكان سرايا فخما في حينه وقد جرى الاحتفال بوضع حجر الاساس في20/10/1900 ، والذي ارهق ميزانية بغداد ، والذي لم يصمد سوى نصف قرن!!،والذي ظل قائما حتى عام1951 .
بعدها تتابع الولاة في حكم بغداد ، وفي ولايتهم لم تحصل تغييرات كثيرة ،بل بقي الحال كماهو ، وهم-;- احمد فيضي باشا(1902ـــ1904) ، عبد الوهاب باشا(1904ـــ 1905) ، عبد المجيد بك(1905ــ1906) ، ابو بكر حازم بك(1906ـــ1908) .
وفي أواخر شهر أذار من سنة 1907 حدث في بغداد فيضان هائل والذي لم تشهد له بغداد مثيلا منذ زمن بعيد ، وقد سمي ذلك العام بعام الفيضان ، وفي سنة 1908 أعلن عن الدستور العثماني وباعلان الدستور هذا أدى إلى تغيرات كبيرة لدى المجتمع البغدادي.
إعلان الدستور العثماني
الاصلاح الدستوري أو (المشروطة):
كان هناك بوادر وعي ثقافي وفكري قد عصفت بالمحيط الجغرافي للمجتمع العراقي وخصوصا في ايران وتركيا لكون مجتمعات كل منهما على علاقة وتماس مع الآخر الاكثر تقدما، ففيما يتعلق بتركيا كانت علاقاتها مع العالم الاوروبي بكل ما يحمل من مغريات وانجازات الثورة الصناعية الاوربية والتطور الثقافي والفكري، وتاثر عدد غير قليل من القادة السياسيين والعسكريين وطلاب العلوم الحديثة بما لدى العالم الاوروبي من نظم ودساتير ومشاركة في الحياة السياسية، اما ايران فلقد كان لاتساع النفوذ البريطاني والروسي في المنطقة الاثر الاكبر في ظهور وانتشار مفهوم المشاركة السياسية واعلان الرفض للاستبداد. ويمكن القول اجمالاً ان هذه المفاهيم كانت تشترك في مرتكزاتها الاساسية في المناداة بالحرية والمساواة والعدالة، وتبلورت بعد حين لتصبح مطالب جماهيرية تنادي بضرورة وجود حالة تعاقدية مابين الحاكم والمحكوم، اي ماكان يطلق عليها بالمشروطة او الدستور الذي يحدد صلاحيات الحاكم مع الاقرار والاعتراف بحقوق الشعب، إذ يمكن القول ان هذه الحركة كانت واحدة من مرتكزات الوعي الوطني وتحديد العلاقة ما بين الحاكم والمحكوم وجعلها تسير وفق ضوابط اكثر عصرية وملائمة للحياة المدنية والعصرية. ولقد ظهرت حركة المشروطة في تركيا قبل ظهورها في ايران بثلاثين سنة، لكون تركيا اكثر احتكاكاً بالعالم الاوروبي، واطلاعاً على ما لديه من ثقافة وآراء وافكار فيما يتعلق بالحياة السياسية وعلاقة الحاكم بالمحكوم، كما ان ظهورها في تركيا كان بصورة اكثر سلمية، في حين ان ظهورها في ايران كان نتيجة لوجود عدة عوامل خارجية وداخلية، كان من ابرز عواملها الخارجية الدعم البريطاني لحركة المشروطة، ويأتي على رأسها الظلم والتعسف الذي كان يلاقيه الشعب الايراني من صهر الشاه "عين الدولة" في حين ان الشاه كان يتمتع في اوربا بملاذها وترفها... والشعب يلاقي ما يلاقي من صهره من ظلم واستبداد... والعامل الثاني الذي هو على درجة كبيرة من الاهمية، مساندة بعض رجال الدين لمطالب الشعب الايراني في المشروطة وهذه النخبة لها تاثير في الشارع الايراني على الرغم من ان رجال الدين كانوا منقسمين الى دعاة للمشروطة ومعارضين لها، أو ما يسمون بدعاة المستبدة، ومن ابرز انصار المشروطة كل من السيدين محمد الطباطبائي و عبد الله البهبهاني ولفيف من المثقفين، اما انصار المستبدة فكان من ابرزهم الشيخ فضل الله نوري والشيخ محمد اليزدي والمجتهد المعروف كاظم اليزدي.. وهناك عامل قد يكون على درجة كبيرة من الاهمية وهو ان هذه المدة الزمنية قد شهدت ايضا بروز ظاهرة الجمعيات التي كان اعضاؤها ينتخبون كمشرفين ومراقبين على الانتخابات البرلمانية، ولكنها اصبحت ذات ثقل جماهيري، وتاثير كبير في المجتمع حتى ان أعضاءها تم ايفادهم للاماكن والقصبات النائية بغية توعية الناس بضرورة مساندة ثورة المشروطة.
شكل إعلان عن الدستور العثماني لأول مرة في 23 تموز 1908 تغيرا جذريا كبيرا لدى المجتمع البغدادي ، وقد أدى هذا الأمر إلى تحرر الكثير من الشبان من القيود التقليدية متمثلة في أمر ثلاث وهي
1. كثرة انتشار الأسلحة ومن مصادر متنوعة .
2. انتشار الملاهي والحانات .
3. كثرة إصدار الصحف والمجلات وبروز ظاهرة الشتائم الصحفية.
بعد إعلان الدستور قامت جمعية الاتحاد والترقي(هي حركة معارضة و أول حزب سياسي في الإمبراطورية العثمانية. تحولت إلى منظمة سياسية على يد [بهاء الدين شاكر] ولتضم أعضاء[ تركيا الفتاة] في 1906 خلال فترة انهيار الإمبراطورية العثمانية.) بفتح مقار لها في جميع المدن العثمانية وكانت بغداد من بين هذه المدن التي تم فيها افتتاح مقر للجمعية ، وقد كان يرأس الفرع [مراد بك سليمان] وقد قام بإصدار صحيفة,, بغداد,, وقد كان من بين أعضاء الجمعية في بغداد كذلك الشاعران المعروفان[ جميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي]. وفي 13 تشرين الأول 1908 قامت جماعة من الاتحاديين بالدخول إلى [جامع الوزير] والذي كان يقع باتجاه السراي الحكومي وكان المصلون فيه يؤدون صلاة العصر وقرأ معروف الرصافي بيانا لجمعية الاتحاد والترقي كانت قد ارسلته من مقرها في[ سلانيك]( مدينة يونانية ، وهي ليست العاصمة لمقدونيا والتي تحمل نفس الاسم) إلى بغداد ، . وإنتشرت الإشاعات المختلفة في بغداد حول هذا الأمر، وفي اليوم التالي خرجت مظاهرة في بغداد تنديدا بهذا الأمر، وحصلت خروقات كبيرة أثناء المظاهرة حيث تم نهب كل ما كان يقع بأيدي المتظاهرين وقد حاول والي بغداد آنذاك( ناظم باشا 1908 ) من تهدئة الموقف وأرسل إلى المتظاهرين بعض أعيان بغداد بغية إقناعهم وبعدها قام الوالي بإلقاء القبض على كل من[ عبد اللطيف ثنيان ومعروف الرصافي] لتهدئة المتظاهرين . .وتم التحقيق معهما ومن ثم تم إطلاق سراحهما بعد ثبوت عدم صحة ماشاع عنهما من قبل المتظاهرين. في خريف 1908 جرى انتخاب المبعوثين (النواب) في كافة الولايات العثمانية وقد فاز من مدينة بغداد كل من[ إسماعيل حقي بابان] و[علي الآلوسي] و[ساسون حسقيل] .

في نيسان من سنة 1909 تم خلع السلطان العثماني[ عبد الحميد الثاني ]وتنصيب أخاه[ محمد رشاد] سلطاناً على الدولة العثمانية. وفي اليوم التالي من خلع السلطان أصدرت [صحيفة بغداد] والتي كانت تنطق بلسان حال [[جمعية الاتحاد والترقي ـــ هي حركة معارضة وأول حزب سياسي في الإمبراطورية العثمانية. تحولت إلى منظمة سياسية على يد (بهاء الدين شاكر) ولتضم أعضاء تركيا الفتاة في 1906 خلال فترة انهيار الإمبراطورية العثمانية.]] تفاصيل واقعة خلع السلطان العثماني،. وأقبل أهالي بغداد على شراء تلك الصحيفة وبأعداد كبيرة. وقد شعر الكثير من أهالي بغداد بالفخار حين علموا بأن (محمود شوكت باشا ـــ وهو لعائلة بغدادية من أصل شيشاني ، أصبح والياً على كوسوفو عام 1905م، ثم قائداً لقوات الدولة في سلانيك فمفتشاً في الروملي. وعند أعلان الدستور (المشروطة) في السلطنة العثمانية عام 1908م، زحف من سلانيك إلى استانبول تأييداً للدستور الجديد وأحتل القصر وأجبر السلطان عبد الحميد الثاني على التنازل عن العرش) هو من كانت له اليد الطولى بخلع السلطان لكونه من أهالي بغداد .. في شهر أيار من عام 1910 وصل إلى بغداد وال جديد هو الفريق حسين ناظم باشا وهو غير الوالي ناظم باشا والذي سبق أن كان والياً على بغداد قبل سنتين ، وكان الوالي الجديد لبغداد الفريق ناظم باشا عازما على القيام بأعمال عمرانية وحضارية عديدة .
الوالي حسين ناظم باشا(1910ــــ1911)
الوالي ناظم باشا من الشخصيات المهمة في تاريخ بغداد ، ولقد كان له بصمات اصلاحية واضحة تركت آثارها على مجمل الحياة الاجتماعية في العراق. صدر فرمان تعيين ناظم باشا والياً لبغداد في عام 1910ويتضح من طبيعة الفرمان أن الرجل قد أوكلت إليه مهام كبيرة يأتي في مقدمتها قيادة الجيش السادس وتحقيق الأمن من خلال فرض سلطة القانون، وبالذات على العشائر، فضلا عن ذلك كلف بمسؤولية إحداث الاصلاحات اللازمة بكل من ولاية بغداد والموصل والبصرة، ومنح صلاحيات واسعة من خلال مسك السلطتين المدنية والعسكرية ،
ولعل من بين أهم إصلاحات الوالي ناظم باشا اهتمامه بالأمن العام، ومحاربته للمحتكرين واهتمامه بالجيش وبناء الثكنات العسكرية، والاهتمام بالمواصلات وتسييره للترام، والاهتمام بالصحة وعنايته بمسائل الري ، اهتم بنظافة المدينة وانشا صيدلية حديثة تفتح أبوابها ليلا ونهارا.
وفتح مدرسة كوجك ضابطان( أي صغار الضباط ) على النهر في جهة الكرخ. وامر بصرف رواتب الجنود المتاخرة ، واعطى اوامره بجمع الحيوانات السائبة وقتلها نظير مكافأة مالية. كما فتح شارع النهر وهدم جزء من القنصلية البريطانية لغرض عمل الشارع.
عمل الوالي ناظم باشا على تثبيت الامن والاستقرار ، ويبدو أنه كان على درجة كبيرة من المعرفة بالأمور والأحوال الاجتماعية. فعلى الرغم من أن الصفة الغالبة على المجتمع العراقي في تلك المرحلة هي الصفة القبلية والعشائرية ولجوء البعض إلى عمليات السلب والنهب والغزوات في كثير من الاحيان لطبيعة الظروف المعاشية والاجتماعية القاسية ،فكان ناظم باشا لايلجأ لاستخدام القوة معهم ابتداءاً حتى لا تكون هناك فتنة عشائرية تؤدي إلى تخريب ما كان في نيته. فكانت حنكته تتمثل في استصدار فتوى من رجال الدين المسلمين ومشايخهم بجواز هدر دم كل من تسول نفسه للقيام باعمال السلب والنهب لممتلكات الحكومة كالمعسكرات ومقرات الجندرمة ، والتجاوز على مخازن الميرة والتموين ،ولعل هذا الأمر هو من بين جملة أسباب وعوامل تضافرت على بقاء العشائر هادئة طيلة مدة حكمه.
وقع الوالي حسين ناظم باشا أثناء فترة ولايته بغرام فتاة أرمنية تدعى سارة خاتون في سنة 1910 ، وقد عرض عليها الوالي حسين ناظم باشا الزواج فأبت سارة الزاوج منه. وقد تسربت أنباء غرام الوالي إلى أوساط العامة في بغداد ، إستطاعت سارة خاتون بعدها من الهرب من بغداد متنكرة إلى باريس بعد تعرضها لمضايقات من قبل الوالي، وقد ساعد سارة خاتون في هربها القنصل الروسي في البصرة والمقيم البريطاني في مدينة بوشهر السير بيرسي كوكس .
في يوم 7 آب من سنة 1910 نشرت جريدة (المؤيد) المصرية الأسبوعية مقالا[ لجميل صدقي الزهاوي ] بعنوان "المرأة والدفاع عنها" والذي شرح فيه مضار الحجاب ومعاناة المرأة المسلمة من الظلم المستمر في المجتمع. وقد قامت جريدة( تنويرالأفكار) البغدادية من أن تحصل على نسخة من الجريدة وقامت بنقل المقال عنه. وقد اثارت هذه المقالة ضجة كبيرة لدى أهالي بغداد وسارت مظاهرة نحو السراي الحكومي تطالب بالقصاص من الزهاوي وقد طلب السيد( مصطفى الواعظ) مبعوث الديوانية من الوالي الفريق حسين ناظم بااشا بإنزال العقوبة الرادعة للزهاوي. فلبى الوالي طلب الواعظ وقام بعزل الزهاوي من وظيفته التي إذ كان يعمل مدرسا في مجلة( الأحكام العدلية) في مدرسة الحقوق، وقد قام الزهاوي بنشر بيان يوضح فيه موقفه في جريدة (الرقيب) للتوضيح ولكن هذا لم ينفعه بشيء فلم يغير الوالي رايه حول هذا الأمر.
في يوم 17 أذار من سنة 1911 ورد الأمر من إسطنبول بعزل الفريق حسين ناظم باشا عن منصب والي بغداد. وعند شيوع خبر عزل الوالي نظم أنصار الوالي بأيعاز من بعض الأشراف والذين كانوا من حزب الوالي مظاهرة تأييد للوالي وقيل أن عدد المشاركين فيها بلغ عشرين ألفا. استمر التوتر في بغداد حوالي الثلاثة ايام وقد ارسل عددا من الضباط برقيات إلى إسطنبول يهددون فيها بالاستقالة ولكن هذا لم ينفع شيئا، تم تعين أمر اللواء( يوسف آكاه باشا) واليا على بغداد بالوكالة ،.وقد عمد الأخير إلى استعمال الشدة في قمع المظاهرات وزج القائمين عليها بالسجون، فهدأت الحال في بغداد نتيجة هذه الإجراات القمعية للوالي الجديد. وفي صباح يوم 20 أذار ركب الفريق حسين ناظم باشا باخرة من بواخر( لنج) متوجها إلى مدينة البصرة ومن هناك ذهب إلى إسطنبول عن طريق بومبي .

الوالي جمال باشا(1911ـــ1912)
دامت ولاية جمال باشا حوالي سنة تقريبا. كان جمال باشا عكس سلفه الفريق حسين ناظم باشا لايهتم بالامور الدينية ، وقد كان يحضر الحفلات الراقصة والتي كانت تقيمها الجالية الأوربية التي كانت تسكن بغداد بين فترة وأخرى، وقد اعتاد جمال باشا بشكل خاص من أن يحضر الحفلات التي كان يقيمها مدير البنك العثماني وهو كان رجل بريطاني وأن يراقص زوجته . ولم يكن المجتمع البغدادي آنذاك قد الف هذا الأمر من قبل اي والي عثماني سابق.
في اواخر شهر ايلول/ سبتمبر من نفس السنة، قامت إيطاليا بالهجوم على طرابلس الغرب وخرجت المظاهرات في بغداد تنديدا بالهجوم وسارت إلى السراي الحكومي، ولم تخلوا هذه المظاهرات من حادث مأساوي إذ إلتقى في منطقة باب المعظم موكب محلة( باب الشيخ) بموكب (الحيدر خانه) ونشب قتال بين المحلّتين نتيجة وجود خلافات سابقة بينهما ، وانتصر متظاهروا محلة باب الشيخ في هذا القتال .

في سنة 1912 قام حزب( الحرية والائتلاف) بتأسيس فرع له في بغداد برئاسة السيد [مصطفى الواعظ ]. وقد انضم إلى هذا الحزب المعارض لحزب الاتحاد والترقي الكثير من الشباب المتعلم وقد حاول الوالي جمال باشا باجتذاب السيد مصطفى الواعظ إلى حزب الاتحاد والترقي الحاكم بشتى الطرق ولكنه فشل، وفي ربيع من سنة 1912 جرت الانتخابات البرلمانية وقد كان الفوز في بغداد من نصيب الاتحاديين على نظرائهم الائتلافيين . قدم جمال باشا استقالته من منصب الوالي بعد تسلم الائتلافيين الحكم في الدولة العثمانية في تموز من ذلك العام وقد غادر جمال باشا بغداد في يوم 17 آب من نفس السنة. ومن الجدير بالذكر من إنه خلال ولاية جمال باشا إجتاحت بغداد موجة برد شديدة مما أدى إلى تساقط الثلج وذلك في عام1911 ..

في بداية شهر آب من سنة 1914 ومع نشوب الحرب العالمية الاولى أعلن النفير العام أو (سفر برلك) كما كان يطلق عليها بالتركية .وقد تحولت لفظة سفر برلك التركية بين السٌن العامة في بغداد إلى ((سفر علّك) أي ,,حرب الهرب,,
كان عدد الفارين من التجنيد الذي تم فرضه من قبل الدولة العثمانية يزداد يوما بعد يوم وفي أواخر شهر شباط من عام 1915. وجرى في بغداد أول إعدام لاحد الفارين من أداء الخدمة العسكرية وكان لمجند يهودي يدعى( بنيامين بن يعقوب) من محلة,, قنبر علي ,,
وبعدها أخذت مشاهد الإعدامات تتابع في مدينة بغداد، وكانت قبل إعلان النفير العام تصدر فيها عددا من الجرائد والمجلات منها (الرقيب )لصاحبها ,,عبد اللطيف ثنيان,, و(المصباح) لصاحبها ,,عبد الحسين الآزري,, و(صدى بابل) لصاحبها ,,داود صليوه,, وغيرها من الجرائد والمجلات.

((فيضان عام 1914 ))
في منتصف الليل من مساء يوم 29 تشرين الثاني/ نوفمبر1914، أصيبت بغداد بفيضان مدمر في نهر دجلة ، وكانت الحكومة المحلية في المدينة قد تلقت قبل حدوث الفيضان برقيات من الموصل تنبئ بسقوط مطر غزير هناك، وإن في النهر سيول غير اعتيادية قادمة إلى بغداد، ولكن الحكومة المحلية في بغداد لم تعر اي اهتمام لهذه البرقيات الواردة إليها. وقد أصابت المحلات التالية الواقعة في الجانب الشرقي من المدينة الضرر نتيجة هذا الفيضان : ((الفناهرة، السنك، المربعة، العوينة، قهوة شكر، فضوة عرب، الكولات، بني سعيد، الطاطران، زين العابدين، الشيخ سراج الدين، فرج الله، الخالدية، الجوبة، العزات، طوالات، الدركزلية، خان لاوند، المعدان وقهوة حوري)) وقد استمر هذا الفيضان حوالي ثلاثة ايام وتهدم نتيجته ما يقارب 2000 دار. وتجدر الإشارة من إن جانب الغربي من بغداد لم يصب بالغرق كحال الجانب الشرقي من المدينة. وقامت السلطات العثمانية عندها بعزل [عزت بك الفارسي] رئيس بلدية الرصافة وقامت بتعين[ رؤوف بك الجادرجي ]كرئيس لبلدية الرصافة بالوكالة ..
وعند تولي (نور الدين باي 1915ـــ1916) منصب الوالي وقائد الجيش العثماني في العراق في سنة 1915 أمر هذا الوالي بإغلاق جميع الصحف الموجودة في بغداد وبنفي أصحابها في أماكن نائية وقرر إصدار جريدة خاصة بالحكومة أطلق عليها اسم (صدى الإسلام)، ونيطت إدارة سياسة هذه الجريدة برئيس بلدية بغداد( رؤوف بك الجادرجي) وقد صدر العدد الأول من هذه الجريدة في يوم 23 تموز من سنة 1915 .
وقد قام كذلك نور الدين باي بنفي نفر من وجهاء كلا الطائفتين اليهودية والمسيحية إلى الموصل .
وبعد انتصار القوات العثمانية على الجيش البريطاني في الكوت في سنة 1916 حيث تم جلب الأسرى واستعراضهم في مدينة بغداد على شكل دفعات اما قائد القوات البريطانية (الجنرال تاوزند) فقد تم نقله مع أفراد حاشيته الذين تم أسرهم والجنرالين (ديلامين ــ و مليس) بدار القنصلية الإيطالية ببغداد ، ثم قام وزير الحربية العثماني( أنور باشا) بعد هذا الانتصار بزيارة إلى مدينة بغداد تفقد خلالها جبهات الحرب في عدة مدن عراقية . بعد هذا الانتصار قام الوالي (خليل باشاـــ 1916ــ1917) بشق شارع في بغداد ممتدا بطول المدينة من محلة ,,الباب الشرقي,, إلى محلة باب المعظم بموازاة نهر دجلة وقد بدا العمل بإنشاء هذا الشارع في شهر أيار من سنة 1916 وقد تم افتتاحه في يوم 23 تموز من نفس السنة احتفاء بذكرى إعلان الدستور العثماني وقد أطلق على الشارع اسم[ خليل باشا ـــ شارع الرشيد حاليا] ..وقد كانت للرشاوى التي كان يتلقاها القائمون على أمر هذا الشارع الأثر الكبير في تحديد مساره بين الدور الواقعة في طريقه ..

((الطيران.. لاول مرة في سماء بغداد ))
إن أول ظهور للطائرة في سماء مدينة بغداد كان في 5 تشرين الأول/اكتوبر من سنة 1915 ، حيث شاهد أهالي بغداد طائرة إنكليزية في عصر ذلك اليوم . فأنتشر الخوف بين الناس عند سماعهم لصوت ازيز الطائرة وصعد مغاوير المحلات والأشقياء إلى المنائر وفوق السطوح العالية وأخذوا يرمون الطائرة بالرصاص ولكن بدون فائدة تذكر ،وبعد عشرة أيام ظهرت في سماء بغداد طائرة إنكليزية أخرى وكان ذلك في وقت الصباح ،بعدها صار منظر ظهور الطائرات في سماء بغداد أمرا اعتياديا. وفي نفس الشهر اي شهر تشرين الثاني من نفس العام تم أسر طائرة إنكليزية مع اثنين من طياريها عندما كانت تحاول قطع خط التلغراف الواصل ما بين مدينتي بغداد وسلمان باك حيث إرتطمت الطائرة بأحد أعمدة التلغراف قرب نهر ديالى وتم أسر الطائرة مع طياريها من قبل الخيالة الأعراب. وقد قرر القائد التركي للمنطقة إرسال الطائرة مع الرجلين إلى بغداد لعرضها على الناس، وقد خرج الناس للتفرج على الطائرة وكانوا يبصقون على الطيارين . وبعد هزيمة الإنكليز في[ سلمان باك] إنقطع ظهور الطائرات عن بغداد وفي كانون الثاني من عام 1917 عاودت الطائرات تحليقها فوق بغداد وفي يوم 20 كانون الثاني قامت ثلاث طائرات بقصف مدينة بغداد بسبع قنابل على كل من,, ثكنة المدفعية,, أي القلعة فأصابت رجلا فقتلته وجرحت آخر وعلى ,,المدرسة النعمانية,, وعلى نهر دجلة بالقرب من باخرة ألمانية كانت راسية هناك وسفطت القنبلة الرابعة على محطة القطار ,,غربي بغداد,, والخامسة على مقربة من السراي الحكومي (القشلة) . وقد أصبح منظر الطائرات مألوفا وهي تحلق في سماء بغداد بعد سقوطها بيد الإنكليز.

(( سقوط بغداد 1917 ))
في أواخر شهر شباط من سنة 1917 كانت القوات البريطانية قد وصلت إلى( العزيزية) والتي تقع إلى الجنوب الشرقي من مدينة بغداد .وفي يوم 5 أذار تحركت تلك القوات من العزيزية صوب مدينة بغداد ,وفي اليوم التالي الموافق 6 أذار أصدرت الدولة العثمانية أمرا بوجوب مغادرة الموظفين من مدينة بغداد، فغادرها الكثير منهم بعد صدور الأمر. وفي مساء يوم 10 أذار اجتمع القادة العثمانيون برئاسة( خليل باشا) والي بغداد في كشك من الخشب بالقرب من (جسر الخر) الواقع في الجانب الغربي من بغداد ومعهم بعض الضباط الألمان للمداولة في كيفية مواجهة القوات البريطانية ،وسرعان ماظهر الخلاف في الاجتماع إذ انقسم القادة إلى فريقين، فريق يرى بوجوب الصمود والدفاع عن المدينة، وكان يرأسه الوالي العثماني خليل باشا، وفريق ثاني كان يرى بضرورة الانسحاب من المدينة قبل من أن تتمكن القوات البريطانية من تطويقهم ويضيعوا بذلك الخيط والعصفور معا. وكان يرأس هذا الفريق قائد الفيلق 18( كاظم بك). وقد احتدم النقاش بين الفريقين حول هذا الموضوع وبعد شد وجذب وافق خليل باشا على الانسحاب، وأبرق إلى وزير الحربية (أنور باشا) يعلمه بالقرار الذي اتخذ.
وبدأ الأتراك مع انسحابهم من المدينة بنسف كافة مخازن الذخيرة والمنشآت العسكرية والتي يمكن أن يستفيد العدو منها ،وقد عمت بغداد حالة من الفوضى والفلتان الأمني مع الانسحاب التركي وغياب وجود أي سلطة حقيقية في المدينة فأخذ بعض الاشخاص بالقيام بعمليات السلب والنهب في أي مكان ممكن أن تطال ايديهم فيه.. وفي صباح يوم 11 أذار دخلت القوات البريطانية مدينة بغداد وقد تم رفع العلم البريطاني على سطح القلعة القريبة من منطقة,, الباب معظم ,,وبعد مرور 45 دقيقة نقل العلم إلى برج الساعة في ساحة القشلة ورفع هناك لأنه اكثر ارتفاعا، وبدأ الجنود البريطانيون بمطاردة اللصوص وذلك بإطلاق النار عليهم لإرهابهم، وفي الساعة الرابعة والنصف من مساء ذلك اليوم وصلت إلى بغداد سبعة مراكب حربية تحمل الجنرال (ستانلي مود) وحاشيته فنزل الجنرال مود في دار القنصلية البريطانية الواقعة على النهر ..
وبذاك الحدث ، انتهت حقبة الحكم العثماني في العراق ،وبدأعهد جديد . ولازال القادة الاتراك يستذكرون بفخر تلك الفترة المظلمة من حكم اسلافهم للعراق والمنطقة ...

لقد استوفينا المراحل السياسية للعراق ،من اخر والي مملوك على بغداد1816 الى اخر والي عثماني 1917 ولو بشكل موجز، وكانت هذه مرحلة موجعة ايضا من مواجع العراق المزمنة ، والتي اخذت مااخذت منه ،ولازال العراق وعاصمته بغداد محط اطماع الاشرار من كل صوب وناحية ، ولكن لابد لنا المرور على الاوضاع الاقتصادية والثقافية والتعليمة وحياة الناس بتلك المرحلة العصيبة من تاريخ بغداد والعراق ..

شهدت الساحة الاجتماعية العراقية عددا غير قليل من المتغيرات والعوامل الذاتية والموضوعية التي كان لها الاثر الفعال والممهد لدخول العراق عالم الحداثة والتجديد والاصلاح كيما تكون اطلالته ودخوله القرن العشرين من اوسع الابواب ، وعلى الرغم من كون هذه العوامل والمتغيرات من الكثرة بحيث يصعب تغطيتها بالدراسة والبحث وبما يضمن تبيان دورها الحقيقي في احداث نقلة نوعية في الحياة الاجتماعية العراقية ، سواء اكانت في جوانبها السياسية ام الاقتصادية او الفكرية .
على الرغم من الكم الهائل من التحديات والاشكاليات التي كانت تواجه المجتمع في تلك الحقبة ، والتي يكفي ان نعرف من خلال ما متوفر من التخمينات الاحصائية عن العراقيين ، وصور رسمها بعض الكتاب والمستشرقين لطبيعة الحياة الاجتماعية وما كانت تتسم به من هيكلية مختلفة نتيجة الكوارث وامراض اجتماعية من جهل وانحسار حضاري ،وتناقص عدد سكانه على نحو خطير ، حتى قدر عددهم في العقد السابع من القرن التاسع عشر بما لايزيد على 1,280,000 نسمة ، ومعدل نمو لايتجاوز 1,3% ، ومما اوصل عدد السكان في اوائل القرن العشرين الى مليونين وربع المليون .
توزع السكان في منتصف القرن الماضي الى-;- نصف مليون من البدو(35%) ، واكثر من ذلك بقليل من سكان الارياف (41%) ، واقل من ثلث مليون، سكان المدن(24%) ، فالمؤشر الاقتصادي يدلنا على انسحاب الحياة الحضرية من خلال هبوط نسبة السكان فيها بسبب انعدام البنى التحتية ، وبالتالي ضعف الحصول على فرص عمل جيدة .
وكان الاجدر ان يكون دخول العراق اعتاب القرن العشرين افضل حالا مما كان ،وليشهد نهضة فكرية وعلمية وتكنولوجيا اصلاحية وذلك لعدة اسباب،واهمها كالاتي-;-
1ـ ــ ظهور التكنولوجيا الحديثة من مكائن ومعدات ، فضلا عن دخول البواخر الحديثة التي تعمل بالبخار وكانت لها رحلات منتظمة على طول نهري دجلة والفرات ، كما ان الاتصالات الحديثة في تلك الحقبة والمتمثلة بالتلغراف ومراكز البريد كان لها الاثر البالغ في تسهيل الاتصالات بين العراق ومحيطه والعالم ، وهذه الاهمية تتمثل في اخراجه من العزلة التي كان يعيش فيها .
2 ـــ ان افتتاح قناة السويس ، تعد خطوة متقدمة ملاحيا وتجاريا ،وبالتالي انعكاسها على الحالة الاقتصادية ،كما وبشكل مباشر على الوضع الثقافي ، وان لازدهار الحركة الفكرية و انتشار الطباعة في مصر كانت لهما اصداؤهما في العراق ،حيث وصل النتاج الثقافي المصري ليد العراقيين وبالاخص الشباب منهم ،مما ساعد على ظهور العديد من الاقلام والمفكرين والمبدعين المجددين للنهوض بالحركة الفكرية العراقية بالرغم من قلة عددهم لانحسارهم في المناطق الحضرية الاّ ان تاثيرهم كبير وهم كانوا النواة في قيام النهضة الثقافية الكبرى .
3 ـــ بعض المشاريع الاصلاحية التي قادها الوالي مدحت باشا ، والتي كان لها اثر بالغ في وضع الحجر الاساس في بناء اركان( دولة) في ظل الصراعات السياسية والاقتصادية في المنطقة والعالم اجمع.

ولكي نفهم طبيعة حركة الحداثة والاصلاح في المجتمع العراقي من عام 1831 ــــ 1917م وتسليط الضوء على بعض العوامل والمتغيرات التي كان لها الدور الابرز في الانتقالة بالعراق والمجتمع العراقي وتحديدا في فترة الوالي مدحت باشا من حياة هي اقرب في معطياتها الى حياة البداوة الى حالة البروز المظاهر الحضرية بصورة جلية مع التراجع في البداوة لصالح حياة الاستقرار والدعة ، ولعل من بين اهم هذه العوامل -;-
ـــ دور بعض الولاة العثمانيين في الحركة الاصلاحية/ ، وعندما كان العراق مقسما الى ولايات ، وهذه الولايات تابعة من الناحية الادارية والسلطة السياسية للامبراطورية العثمانية ، والتبعية الكاملة لها ،فان المتوقع ان يكون اي اصلاح اداري او سياسي نابعا من السلطة المركزية والمتمثلة بالمستعمر ، الذي يقف على رأس قمة هرم السلطة فيه الوالي العثماني . ولعل من سوء حظ العراق والعراقيين ان يكون بين دولتين ، هي الدولة الايرانية والدولة العثمانية اللتان تمتلكان النفوذ والعد البشري ، وخصوصا وانهما كانتا تتبادلان الادوار في احتلال العراق ، فالدولة الايرانية بكل بثقلها الامبراطوري تعد العراق جزءا من ممتلكاتها ولها الحق التاريخي بان يكون جزءا من ارثها ، والامبراطورية العثمانية وجدت في العراق الأوزة التي تبيض ذهبا . والمشكلة ان العثمانيين لم يكن يعنيهم من العراق غير ما يمكن ان يقدمه من ضرائب ومكوس سنوية لها ،لذا فان العراقيين عانوا من الامرّين من جرّاء كل من كان يحكمه من هذا العثماني او ذاك الفارسي .
وفيما يتعلق بالدولة العثمانية ، فان علاقتها بالولاة الذين كانو يحكمون ولاية العراق كانت متباينة من وقت لاخر بحسب قوة سلطة الدولة والسلطان في اسطنبول ، ولذلك نجد في بعض الفترات ان اهالي بغداد واعيانها هم من كان ينتخب الوالي والذي يعتقد من لديه الكفاءة والقدرة ، ورغبة الاهالي في تولي امرهم ، والسلطان يصادق على فرمان التعيين طالما يرسل اليه الضرائب بانتظام ، اما كيف تجنى هذه الضرائب ، فهناك وسائل وطرق عديدة لجمعها ، والقاسم المشترك بينها ، التعسف والظلم والحيف ، الامر الذي كان يؤدي باستمرار الى حدوث مصادمات من سكان الحواضر والارياف مع السلطات ، اما العشائر فان حالة الصدام بينها وبين الجباة والولاة هي الحالة الاكثر حضورا .
ــــ الحالة الاقتصادية في العراق/
كانت الصناعة في العراق. بدائية تعتمد بصورة كبيرة على اليد العاملة وبعض الآلات البدائية لانتاج مايسد الاستهلاك السوق المحلية.
ولعل من بين اهم الصناعات التي كانت منتشرة في ذلك الوقت هي النسيج، والحياكة والخزف، والفخار، والطابوق، والزجاج وعصر الدهون، والدباغة، وتقطير الكحول.
ولكن حدث تغيير واضح على ذلك الواقع، بفعل تطور التجارة الخارجية الذي كان نتيجة تفاعل بين الطلب الأوروبي المتزايد على المواد الزراعية والمواد الخام الذي تعزز بعد فتح قناة السويس في 1869.
بيد ان هذه الصناعة المحلية قد واجهت خطر المنافسة مع المنتوجات والبضاعة المستوردة، والتي عرفت طريقها الى العراق وصارت تتدفق بشكل كبير جداً بعد افتتاح قناة السويس.خصوصاً ان هذه المنتوجات المستوردة كانت اقل كلفة وافضل من حيث النوعية والكمية وذات مواصفات ممتازة، لكونها مصنعة بطرق ووسائل حديثة.
وتشير إحدى أقدم الإحصاءات العائدة إلى نهاية العهد العثماني والتي يستشف منها إضرار هذا الانفتاح على البضاعة الاجنبية، بالحالة الاقتصادية للمجتمع العراقي الذي زادت فيه نسبة البطالة الى عدد السكان، كما هبطت نسبة السكان في المنطقة الوسطى من العراق هبوطا شديدا من 41% عام 1867م، إلى 15% عام 1905م، من نسبة سكان العراق، كان سببه انقراض الصناعات المحلية اليدوية البغدادية تحت ضغط منافسة الصناعات المستوردة الرخيصة، الامر الذي ادى إلى ارتفاع نسبة البطالة. ومن ثم الهجرة والنزوح الى اماكن أو مناطق اخرى تتوفر فيها فرصة عمل والحصول على رغيف الخبز. الامر الذي يمكن ان نفسره على وجود حالة طردية ما بين هبوط نسبة السكان والبطالة. وما يؤكد ذلك ان ارتفاع نسبة السكان من 1930-1947 في المنطقة الوسطى من 15%-36%، كان مرده إلى التحسن في الوضع الاقتصادي والمعاشي للمواطن العراقي آنذاك، والذي يعود في احد جوانبه إلى اكتشاف النفط في العراق عام 1925 .
كما اننا يمكن كذلك ان نلحظ مسألة في غاية الاهمية هي ان التغيرات في النشاط الاقتصادي، والهجرة الداخلية، اديا بدورهما الى ان تتغير تبعاً لذلك اهمية بعض المدن والمناطق التي كانت عامرة بالحياة والنشاط الاقتصادي، لتكون مراكز ثانوية بعد ان هجرها سكانها الى اماكن اخرى مكونين مدناً واحياء جديدة انتعشت فيها الحياة الاجتماعية من خلال ما تؤديه من ادوار اقتصادية.
ولعل من ابرز هذه المدن التي نمت أو تأسست في هذه المرحلة هي:
العمارة 1861، المحمودية 1864، العزيزية 1865، قلعة صالح 1868، الكوت 1869، الهندية1870، الرمادي 1870، الناصرية1870، شيخ سعد 1871، الصويرة1872،قلعة سكر1873، الشطرة1873 .
وبدخول العراق النظام الاقتصادي الرأسمالي وارتباطه باحتياجات السوق الدولية، ازداد الإقبال على المنتجات الزراعية والحيوانية، كما ازداد التبادل السلعي لتلك المنتجات زيادة واضحة، وبذلك اتسعت المساحات المزروعة بوتائر سريعة .
ومع تطور الحركة التجارية ـــ ازدادت قيمة الصادرات من 150,000 باون سنويا 1864-1871 إلى حوالي ثلاثة ملايين باون عام 1913، كما ظهرت فئة متوسطة (برجوازية) فرضت نفسها على المجتمع وقدر لها أن تؤدي دورا كبيرا في مستقبل العراق من خلال المشاركة الفاعلة في الحياة السياسية فلقد جمعت هذه النخبة بين المال والسياسة وتركت بصمات واضحة على الحياة السياسية والاجتماعية في العراق .

ـــ الأحوال الثقافية والعلمية/
يمكن القول إن الآلات الحديثة الخاصة بالطباعة والمطابع قد برزت منذ العهد الحميدي (السلطان عبد الحميد) ونشط دورها بصورة كبيرة في بدايات القرن العشرين ،إذ شهدت الساحة العراقية حركة لم تكن مسبوقة من إصدار للصحف والمجلات والنشرات والكتب المتعددة، حتى صار وصول المطبوعات إلى يدي القارئ العراقي من الأمور الميسورة ، ومن بين أبرز المطابع التي كان لها حضور هي مطبعة الرياض عام 1910، ونينوى عام 1910، والصنايع عام 1900 ومطبعة عبد الله الزهير عام 1912، والمطبعة المحمودية في البصرة، اضافة إلى عدد غير قليل من المطابع الأخرى .
أما فيما يتعلق بالصحافة، فلقد كان لها دور كبير في نشر الوعي والشعور الوطني، خصوصا إذا عرفنا أن هذه المدة قد حفلت بالعديد من الكتاب والمصلحين الذين تناولوا موضوعات الحرية والاصلاح الاجتماعي. ولقد شهد العراق صدور أول صحيفة رسمية(الزوراء) في عام1869 وأعقبتها العديد من الصحف والمجلات الأهلية والرسمية.
ويكفي أن نعرف أن المدة من 1909 وحتى 1913، بلغ عدد الصحف في بغداد وحدها (44) صحيفة، وفي البصرة (12) صحيفة، وفي الموصل (3) صحف، وفي كربلاء صحيفة واحدة والنجف كذلك. ومن نافلة القول، أن هذه الصحف تحمل أكثر من توجه واتجاه، منها ذو التوجه السياسي، إذ أن (37) من هذه الصحف كانت سياسية، و(10) ذات أبعاد فكاهية، في حين أن (10) صحف كانت رسمية.
وفيما يتعلق باللغة المعتمدة لدى هذه الصحف فإن (32) صحيفة منها كانت تعتمد اللغة العربية، و (25) صحيفة تعتمد اللغة العربية إلى جانب اللغة التركية، في حين أن هناك صحيفتين كانتا تصدران باللغة الفارسية، وصحيفة واحدة باللغتين الفارسية والتركية، وصحيفة واحدة بالكردية والتركية.
وإذا كانت هذه الحال بالنسبة للصحف فإن المجلات كان لها أيضا حضورا لا يستهان به في الساحة الثقافية العراقية، إذ صدر منها من عام 1910-1913، (16) مجلة كانت حصة بغداد منها (14) مجلة، وفي كركوك واحدة وفي النجف مجلة واحدة، وكما تنوع اهتمام الصحف العراقية، تنوعت كذلك المجلات، إذ أن (11) منها كان اهتمامها منصباً على النواحي الأدبية، واثنان كان اهتمامهما على التاريخ، واثنان بالنواحي العلمية، و(11) من هذه المجلات كانت تعتمد اللغة العربية، ومجلتان بالتركية والعربية، ومجلتان بالتركية، ومجلة واحدة بالفارسية .
والكلمة كان لها الدور الكبير في قض مضاجع السلطات، وكانت ردود فعل السلطة انذاك الغاء امتياز معظم الصحف العراقية بموجب قانون ينظم الصحافة والصادر في 15 اذار 1911 ، بحجة انها لم تصدر بانتظام حتى لم يبق غيرالصحف والمجلات التالية-;-
الزوراء، والزهور، والرياض، المصباح، وصدى بابل، النوادر، ولغة العرب. ومع كل ذلك فإن الصحافة العراقية كانت امينة في نقل معاناة وواقع الانسان العراقي في مجمل ما يتعلق بالحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مما اسهم في توسيع افق القارىء العراقي ووضعه في ساحة الاحداث القائمة في العراق آنذاك.
ـــالتعليم في المدارس/
مما لاشك فيه ان الترابط العضوي بين مفردات الحياة الاجتماعية يجعل من اي تغير أو تطور في اي قطاع من قطاعات الحياة الاجتماعية ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على بقية القطاعات. ويبدو ان الحراك الذي شهدته الحياة الاقتصادية والاطلاع على ثقافة الاخر... كان له الاثر الكبير في زيادة اهتمام العراقيين بالجانب العلمي والتعليمي الرسمي، إذ شهد الناس مدى الفائدة أو المكاسب التي يحصل عليها المتعلم من خلال تعيينه في الوظائف الرسمية سواء اكانت هذه المكاسب مادية أم معنوية.
واذا كانت بداية انشاء المدارس في ولاية بغداد على يد الوالي مدحت باشا فإن هذه المدارس استمرت بالانتشار وان كانت بصورة بطيئة.. ومع ذلك فإن هناك اكثر من اتجاه يسير جنباً الى جنب مع المدارس الرسمية، كالمدارس الاهلية أو التبشيرية . وتم تأسيس اول مجلس للمعارف في بغداد سنة 1884، واعقبه تأسيس مجالس مماثلة في الموصل والبصرة وكان في كل ولاية مديرية للمعارف ، وعلى الرغم من ان التدريس في تلك المرحلة كان باللغة التركية ،الا ان تعطش المجتمع العراقي للتعليم لم يكن ليقف حائلا امامه حاجز اللغة كما ان المدارس سرعان ما صارت ترفد نفسها بالمدرسين العراقيين الاكفاء الذين صاروا ينافسون اقرانهم من المدرسين الاتراك.
ويمكن ان نتلمس العديد من الشواهد الدالة على تحمس العراقيين للتعلّيم حتى بات يخطو خطوات كبيرة في ظروف قياسية، فلقد ساد التنظيم في الدوام وطبق في بعض الاحيان حتى الزي الموحد، ويمكن القول ان السياسة التعليمية في نهاية العهد العثماني قد تميزت بالاهتمام بالمدارس الراشدية(المتوسطة) حتى تكون هذه المدارس رافداً مهما في توفير الخريجين الذين يتولون مهام ووظائف ادارية في الدولة العثمانية وولاياتها الكثيرة ..
تمثل سنة 1889 بداية الاهتمام بانشاء المدارس الابتدائية في ولاية بغداد، إذ تم انشاء اربع مدارس ابتدائية هي( الحميدية ، والكرخ، وجديد حسن باشا، والعثمانية)، فضلا عن ستّ مدارس في الاقضية التابعة لولاية بغداد، وظل الامر في حالة تصاعد بطيئة حتى حل عام 1905 فكان هناك عشرون مدرسة في بغداد. اما في الموصل فلقد بلغ عدد المدارس ثلاثين مدرسة عام1905. وفي ولاية البصرة فإن المدارس الابتدائية قد بلغ عددها سبعاً وعشرين مدرسة .
اما فيما يتعلق بالمدارس الراشدية فإن اول مدرسة راشدية تأسست سنة 1870 في بغداد ، وفي الموصل كان تأسيس اول مدرسة راشدية في عام1890، ومما يذكر أنه كانت محاولة الإنشاء مدرسة راشدية في ولاية البصرة الا ان الامر لم ينجح لعدم وجود المدرسين في البصرة عام 1882، وفي حدود عام 1894 تم انشاء اربع مدارس موزعة على كل من الموصل وكركوك وراوندوز والسليمانية. وفي عام 1900 كان هناك مدرسة في كل من البصرة والناصرية والعمارة والحي .
ولقد احتوت مناهج هذه المدارس المواد الدراسية ،كالمثلثات والحساب، مسك الدفاتر، الاقتصاد ، القانون ، الفلك، علم الاحياء، الهندسة، الجبر، الدين، الاداب التركية، اللغة العربية، اللغة التركية، اللغة الفرنسية، اللغة الفارسية، الجغرافية، التاريخ، الكيمياء، المعلومات المدنية، الفيزياء، حفظ الصحة، الميكانيك، الرسم، حسن الخط.
ان هذا العدد من المدارس وهذا التدرج في التعليم الرسمي من الابتدائية ثم الراشدية ثم الاعدادية ، والعدد المتزايد من الطلبة المقبلين على الدراسة ،تطلب استحداث [دار المعلمين] لتزويد الحياة العلمية بالمزيد من المعلمين وذلك لسد الحاجة الملحة لهذه الشريحة المهمة في العملية التربوية، ولقد تم افتتاح اول دار للمعلمين 1899 اعقبها افتتاح دار للمعلمين بقسم مسائي. كما تم افتتاح دور اخرى في كل من البصرة والموصل في عام 1900، اما المدة المقررة للدراسة فكانت اربعة سنوات. كما ان عام 1876 شهد تخرج الوجبة الاولى من طلبة مدرسة الصنايع.
بيد ان هذا الاهتمام بالتعليم كان منصبا على الذكور في حين ان تعليم الاناث لم يكن بنفس القوة، وذلك نظراً إلى الثقافة الاجتماعية المحافظة في ذلك الوقت فيما يتعلق بالمرأة ودورها في الحياة الاجتماعية، والعادات والتقاليد المتمثلة بالعيب والحرام .... ومع ذلك فإن ولاية الموصل كانت رائدة من حيث تاسيس مدارس الاناث ويرجع السبب في ذلك الى وجود الارساليات التبشيرية ، إذ كانت مدرسة( اخوات المحبة) من اولى المدارس الحديثة للبنات والتي اسست عام 1873 ، ويرجع الفضل الكبير في تاسيس اول مدرسة رشدية حديثة للبنات 1899 في بغداد وقد سجلت فيها عند افتتاحها (95) طالبة.
ولعل خطوة تاسيس مدرسة للبنات، غاية في الجرأة والشجاعة وخصوصا وان العراقيين في تلك المرحلة كانوا قد اقامو الدنيا ولم يقعدوها لان الحكومة العثمانية أرادت احصاء الاناث والذكور في الموصل، الامر الذي عده اهل الموصل انتهاكا لحرماتهم وتجاوز على شرف نسائهم، وهذا مما لايمكن السكوت عنه أو تجاهله باي حال من الاحوال ولذلك فإن المظاهرات كانت على قدم وساق، ولم تؤدي الاعتقالات الا الى مزيد من الاحتقان، الأمر الذي ادى في نهاية المطاف الى العدول عن فكرة الاحصاء. فكيف والحال بالذهاب الى المدرسة والتعلم، ولعل الامر لايقل صعوبة لدى الأهل الذين ارسلوا بناتهم لهذه المدارس، فلقد كان الاباء يتهمون بالكفر والزندقة.... لانهم ارسلوا بناتهم للمدارس..
كما ان هناك مشكلة كبيرة واجهت تعليم الإناث، وذلك لقلة الكادر التدريسي النسوي، وصعوبة جلب المدرسات من اسطنبول الى العراق، الأمر الذي استدعى ان تقوم نساء الموظفين الاتراك بوظيفة التدريس وكان التدريس يتم باللغة التركية ،وكذلك تم الاستعانة بزوجات بعض الموظفين الاجانب.
وتعد هذه الجوانب الاقتصادية والثقافية والتعليمية ، هي المؤشرات الاكثر بروزا في تركيبة المجتمع العراقي ، اما قطاعات الصحة، والاعمار، والزراعة، والقضاء، والنقل، والاتصالات ، وكذلك القطاع المصرفي والمالي،.. واخرى ،لم تنل اي اهتمام او رعاية من الوالي العثماني ....


المصادر والمراجع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يوسف عز الدين ـــ داود باشا ونهاية المماليك في العراق ــ1967
د.علي الوردي ـــــ. لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث. الجزء الثاني والثالث والرابع.
سليمان فائق ــــــــ. تاريخ بغداد. بغداد 1962.
جيمس بيلي فريزر ـــــ. رحلة فريزر. ترجمة جعفر الخياط. بغداد 1964
مصطفى نور الدين الواعظ ـــــ.الروض الأزهر في تراجم آل السيد جعفر. الموصل سنة 1948.
عباس العزاوي ــــ تاريخ العراق بين احتلالين. الجزء السابع والثامن.1955
بيير دي فوسيل ـــــ. الحياة في العراق .1814 - 1914.
احمد امين ـــ زعماء الاصلاح في العصر الحديث، المكتبة العصرية ، صيدا ، بيروت،2007.
عبد الرزاق الهلالي ــــ تاريخ التعليم في العراق، بغداد، 1959.
- فليب هاتي ــــ موجز تاريخ الشرق الادنى، ترجمة أنيس فريحة، دار الثقافة، بيروت، 1965.
د. محمد سلمان حسن، دراسات في الاقتصاد العراقي، دار الطليعة، بيروت، ط1، 1966 .
حنا بطاطو ــــ العراق الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية ــــ مؤسسة الابحاث العربية، بيروت، 1990 .
بهنام فضيل عفاص ـــ تاريخ الطباعة العراقية ـــ 1983
عبد الوهاب القيسي ـــ حركة الاصلاح في الدولة العثمانية وتاثيرها في العراق 1839- 1877، مجلة كلية الاداب، جامعة بغداد،1961.
توفيق السويدي ــــ مذكراتي، نصف قرن من تاريخ العراق والقضية العربية ـــ بيروت 1969.







اخر الافلام

.. العاهل السعودي والرئيس العراقي يبحثان تعزيز التعاون الثنائي


.. اليوم العالمي للإحتفاء بذكرى ضحايا الحوادث المرورية


.. رعاية الجدين للطفل تزيد المخاطر على صحته




.. الرئيس العراقي يختتم جولته الإقليمية بالرياض


.. معرض للروبوت في الأردن يدعم المبتكرين الشبان