الحوار المتمدن - موبايل



حوار مع الباحث الدكتور أحمد أسماعيل عبود

سعدون هليل

2013 / 5 / 8
الادب والفن


في حوار مع الباحث الدكتور أحمد أسماعيل عبود
الاتجاه الاجتماعي في الأفلام العراقية

أجرى الحوار : سعدون هليل
لعل السينما من أهم وسائل الاتصال بالجماهير وأخطرها، ووجه الاهمية يكمن بسعة جمهور السينما بالنسبة الى جمهور الكلمة المكتوبة. أما وجه الخطورة فيكمن في أن السينما لا تتطلب من مشاهدها مستوى ثقافياً أو فكرياً معيناً مثلما يتطلبه الكتاب من قارئه. ومن هنا يمكن أن نعد السينما من أكثر وسائل الاتصال تأثيراً في جمهورها عن طريق الصورة والصوت والكلمة "المهموسة احياناً" التي تجد طريقها الى نفس المشاهد من دون جهد يبذله، بل من دون وعي خاص بأنه تلقاها وتأثر بها.
ولقد أستطاعت السينما العراقية خلال عقود مضت أن تنتج أفلاماً روائية فضلاً عن مئات الافلام التسجيلية والقصيرة أسهم فيها فنانون كانوا وراء صناعة هذا العدد الكبير من الافلام الطويلة والقصيرة. وبغض النظر عن نظرتنا وتقويمنا لهم كفنانين، وسواء عملوا في شركات خاصة أو في مؤسسات الدولة فإنهم بذلوا جهوداً مشكورة في ذلك، وضحّوا بأموال هم بحاجة اليها وعوائلهم من أجل إرساء أسس ثابتة لصناعة السينما في العراق .
وعن تلك الرحلة للسينما العراقية ورغبة في التعرف على توجهاتها وسماتها، إلتقينا الأكاديمي أحمد اسماعيل عبود أستاذ علم النفس الأجتماعي المساعد بجامعة بغداد وأحد المهتمين بتاريخ السينما العراقية، فكان معه هذا الحوار:

* ما هو الاتجاه الغالب في السينما العراقية ؟
- من الواضح أن الأتجاه الأجتماعي للأفلام هو الأتجاه الغالب وتختلف داخله مستويات الأفلام، ابتداء من الميلودراما الاجتماعية على غرار "من المسؤول" الذي أخرجه عبد الجبار ولي 1956 الذي تتوالى على شخصيته الرئيسة العديد من النكبات والفواجع ما يجبرها على السقوط؛ وفيلم "سعيد أفندي" إخراج كاميران حسني 1957؛ الى أفلام التحليل الاجتماعي السياسي مثل فلم "التجربة" لفؤاد التهامي 1977 و"بيوت في ذلك الزقاق" الذي أخرجه قاسم حول 1977. ويبقى فلم "الظامئون" الذي كتب قصته عبد الرزاق المطلبي ووضع السيناريو له ثامر مهدي وأخرجه محمد شكري جميل 1972 أفضل الأفلام في هذا الاتجاه الاجتماعي ذي النزعة الإنسانية التراجيدية، إذ يمثل هذا الفيلم داخل السينما العراقية ما يمثله فلم "العزيمة" في السينما المصرية.

* في مقابل الاتجاه الإجتماعي السائد في السينما العراقية، برز الاتجاه التاريخي بشكل ملحوظ في السينما المصرية، فهل هناك تجربة سينمائية عراقية ذات طابع تاريخي؟
- لعل بداية هذا النوع من الأفلام تمثل في فيلم "نبوخذنصر" الذي أخرجه كامل العزاوي 1962 ولعب بطولته الفنان الدكتور سامي عبد الحميد إذ يعد هذا الفيلم أول فلم عراقي يتم تصويره بالألوان، إلا انه لم يكتب له النجاح على أي مستوى من المستويات. أما الفيلم الثاني فهو "الرأس" لفيصل الياسري 1976 والذي يبدأ بمقدمة تاريخية عن عصر الملك سنطروق الذي لقب نفسه بملك العرب قبل ظهور الاسلام بأربعمائة سنة تقريباً، لكن تدور أحداث الفيلم في العصر الحديث عن سرقة رأس تمثال هذا الملك ومطاردة اللصوص الأجانب حتى يتم استرجاع هذا الأثر، ولم يستطع الفيلم أن يوحي بقيمة تتجاوز ما تقدمه أفلام المطاردة المعهودة فضلاً عن أن معالجته جاءت مملة وغير مقنعة في كثير من أجزائها.

* من المعروف إن التجارب السينمائية العربية كالمصرية مثلاً استعانت بطاقات فنية من دول عربية وأجنبية أخرى، فهل انسحب هذا أيضاً على السينما العراقية؟

- إن أهم مظهر للتعاون العراقي – العربي في مجال السينما هو الاستعانة بالفنانين العرب وكان أولهم أحمد كامل مرسي من مصر الذي اخرج فيلم "ليلى في العراق" 1949، ومثل فيه المطرب محمد سلمان من لبنان. أما أول انتاج مشترك مع مصر كان فيلمي "القاهرة/ بغداد" إخراج أحمد بدرخان و"ابن الشرق" إخراج نيازي مصطفي، وتم تصوير الفيلمين في استوديوهات مصر والأهرام 1946. وتكرر الإنتاج المشترك بين العراق ولبنان في فيلمي "غرفة رقم 7" إخراج كاميران حسني 1946 و "وداعاً يا لبنان" 1967 إخراج حكمت لبيب. كذلك تم تصوير بعض الأفلام العراقية في أكثر من بلد عربي كما حدث بالنسبة لفيلمي "الرأس" 1976 و "القناص" 1979، والأثنان من إخراج فيصل الياسري، إذ تم تصوير الأحداث فيهما بين بغداد وبيروت ودمشق، وشارك في الفيلم الأخير ممثلون من العراق وسوريا ولبنان مثل روجيه عساف وآمال عفيش. ومع دفعة الانتاج المهمة التي حدثت بعد العام 1975 نجد فؤاد التهامي في "التجربة" 1977 وإبراهيم عبد الجليل في "فائق يتزوج" 1984، كذلك نجد أسماء اخرى مثل إبراهيم الصحن وصلاح أبو سيف، وفي مجال الموسيقى التصويرية للأفلام نجد صلحي الوادي ووليد غلمية وفي مجال المونتاج نجد أحمد متولي.

* هناك مقولة تتردد في أوساط المهتمين بالسينما العراقية من أن هناك فلماً عراقياً لكن لا توجد سينما عراقية. ما مدى صحة هذه المقولة؟ وهل يمكن القول أن إنتاج القطاع الخاص كان منافساً لانتاج القطاع العام؟
- المقصود بكلمة سينما عراقية هو صناعة السينما، واذا كان الأمر كذلك فهي صحيحة الى حد ما، فقد بدأ القطاع السينمائي في العراق بإنشاء مصلحة السينما والمسرح عام 1959، وفي عام 1970 أدمجت المصلحة مع مؤسسة التلفاز، وفي عام 1973 استقلت مرة أخرى تحت تسمية "المؤسسة العامة للسينما والمسرح". وقد امتلكت هذه المؤسسة لفترة محدودة بعض دور العرض إذ كانت تديرها أيضاً، كما احتكرت الاستيراد والتوزيع والانتاج أيضا. وقد اهتمت بالصراع الطبقي حيث أخذت جانب الفقراء من صناع الحياة ضد المستغلين مثل فيلم "بيوت في ذلك الزقاق" لقاسم حول الذي يتابع محاولة سكان أحد الازقة الذين يعملون في بعض الحرف الصغيرة داخل بيوتهم القديمة الآيلة للسقوط لكي ينتزعوا شيئاً من حقوقهم التي يبتلعها أصحاب البيوت الذين يشترون منتجاتهم بأسعار بخسة. ويمكن القول أن مؤسسة السينما الحكومية أو ما يصطلح عليها بسينما القطاع العام لم تعانِ من ضغوط أو من منافسة من القطاع الخاص كما هو الحال في مصر بالرغم من محاولات فردية عراقيه لصناعة سينما عراقية كشركة أفلام دنيا الفن التي أسسها كل من الفنان ياس علي الناصر وصلاح الدين البدري 1955 والتي انتجت فيلمها الاول "فتنة وحسن" الذي اخرجه حيدر العمر. كما أنتجت هذه الشركة أيضاً فيلم "الدكتور حسن" إخراج محمد منير آل ياسين ولعب أدواره ياس علي الناصر وخلود وهبي وقدري الرومي. كما تم تأسيس شركة أفلام عبد الهادي الحداد والذي بدأت انتاجها بفلم "إرحموني" والذي جسد أدواره بدري حسون فريد والمطربة هيفاء حسين والمطرب الراحل رضا علي، وعمل مونتاج الفيلم محمد شكري جميل. ومن إنتاج شركة أفلام اليوم حقق خليل شوقي تجربته الأولى في إخراج فيلم "الحارس" 1967 عن قصة من تأليف قاسم حول وتصوير نهاد علي وموسيقى حميد البصري، واضطلع بأدواره مكي البدري والفنانة زينب وكريم عواد، إذ حصد هذا الفيلم الجائزة الثانية "الفضية" في مهرجان قرطاج لعام 1968 وكان هذا اول فوز لفلم عراقي .
كما تم تأسيس شركة سينمائية أخرى تحمل اسم شركة "سومر" أنتجت أول افلامها الروائية "من المسؤول" الذي أخرجه عبد الجبار ولي 1956، وأدت أدواره الفنانة ناهدة الرماح وخليل شوقي وإبراهيم الهنداوي ووضع موسيقاه التصويرية منير بشير .
عموماً لا يمكن القول أن هناك صناعة سينما عراقية حقيقية فهذه الصناعة تتطلب وجود استوديوهات ضخمه وآلات تصوير مرئية ومستويات في التقنيات تضاهي على الأقل الإمكانات الموجودة في مصر مثلاً. فالسينما بحكم تنوع خواصها ووظائفها ومكوناتها ربما أكثر من غيرها تحتاج الى تضافر جهود الدولة بأجهزتها التشريعية والاقتصادية والثقافية مع جهود مؤسسات مختلفة هذا فضلاً عن الشرط الذي لابد من تكراره في كل زمان ومكان والقاضي بإفساح المجال أمام السينما للتعبير عن أفكارها بحرية وضمن جو ديمقراطي عام.

* هناك افلام سينمائية أنتجها التلفاز العراقي في سبعينيات القرن الماضي. ما مدى حدود هذه التجربة؟
- لقد بدأ هذه الخطوة المخرج السينمائي كارلو هارتيون بفلمين هما "اللوحة" 1978 عن قصة لمعاذ يوسف، وقد نال هذا الفلم جائزة تشجيعية في مهرجان الأفلام العراقية الثالث وجائزة نقابة الفنانين العراقيين؛ ثم عزز المخرج نفسه تجربته هذه بفيلم روائي تلفزيوني آخر هو "البندول" 1979 عن قصة لمعاذ يوسف أيضاً، وقد أفسح المجال بذلك لمخرجين آخرين بينهم منذر جميل الذي أنجز عام 1979 فيلمة الروائي الأول "تحت سماء واحدة".

* هل يمكن أن نعتبر أن الإنتاج السينمائي العراقي بدأ متأخراً؟
- بالطبع فمن حيث التأريخ الزمني تأخر عشرين عاماً عن بداياته في كل من مصر "1927" وسوريا "1928" ولبنان "1929" إذا اعتبرنا فيلم "عليا وعصام" الذي أنتج عام 1948 هو البداية. كما يمكن أن نعتبر عام 1953 بداية الإنتاج المحلي الفعلي، إذ أن مبادرة إنتاج فيلم "فتنة وحسن" شجعت عدداً من السينمائيين الشبان على خوض هذه التجربة وكانت أفلام مثل "تسواهن"، "ارحموني"، "الدكتور حسن"، "سعيد أفندي" وغيرها. ويمكن أن نقول أن تلك الفترة أيضاً لاحت فيها تباشير أعمال جادة يمكن أن نقول عنها أنها حاولت – إلى حد ما – تلمس الواقع الإجتماعي من خلال عرض بعض مشكلاته.

* هل هناك ما يسمى بتجربة الفيلم السياسي في السينما العراقية ؟
- الفيلم السياسي هو الفيلم الذي يجعل من مشكلة الحرية والنظام السياسي موضوعه الأساسي ولعل نجاح فيلم "زد" الواسع هو الذي فتح الطريق لتلك النوعية من الأفلام، وقد حظي الفيلم السياسي في السينما العربية أبتداء من "زائر الفجر" الذي أخرجه ممدوح شكري 1975 وعرض بعد فترة من المصادرة . أما في العراق فيمكن أن نعد فلم الأسوار لمحمد شكري جميل 1979 أول أفلام هذا الأتجاه . تدور أحداث الفلم عام 1956 وسلط الضوء على محاولة ربط العراق بالأحلاف العسكرية والغربية وردود فعل الشعب العراقي واستجابة لما يدور من خلال أحداث عربية ملتهبة مثل تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي . كما يكشف الفيلم من خلال أحداثه عن أعوان السلطة من التجار المستغلين وغيرهم من المرتشين . يصل الفلم إلى ذروة قوته في التعبير السينمائي المؤثر في مشهد جنازة الطالب الذي قتل أثناء المتاهرة . غير أن الفيلم في أعتماده على أستعمال المونتاج المتقاطع للأحداث بين الحاضر والماضي بشكل شديد التداخل وبإيقاع حاد يجعل المتابعة غير ميسرة دائماً . عموماً أمتد عرض فيلم الأسوار خمسة أسابيع في سينما بابل ببغداد وحصل في نفس العام على سيف دمشق الذهبي في مهرجان دمشق السينمائي الأول الذي أقيم خلال 20 – 29 تشرين الأول وأشار قرار لجنة التحكيم أن الأسوار يسلط الضوء على مرحلة من نضال الشعب العراقي حيث أستطاع أن يوصل هذا المضمون بلمحات شاعرية وأن يبشر بولادة سينما عربية جديدة . لذلك يمكن القول أن حجم الفلم السياسي في السينما العراقية لم تكن واسعة بفعل عوامل الرقابة أو السياسة التي كانت في الغالب تقوم بتوجيه هذا النوع من الأفلام .
* بعد الانفتاح الثقافي والسياسي الذي شهده العراق بعد العام 2003 : هل انعكس ذلك على تطور السينما العراقية ؟
- بالرغم من الصعوبات التي واجهت المشهد السينمائي العراقي بعد التغيير الذي حصل في العام 2003 بسبب الظروف الأمنية وإتلاف وتدمير معظم البنى الثقافية وخصوصاً دور السينما . تعطلت حركة الأنتاج السينمائي لفترة ويمكن أن نقول أن فيلم "فجر العالم" الذي اخرجه عباس فاضل 2009 يعد الولادة الحقيقية لسينما ما بعد التغيير بالرغم من تصويره خارج العراق بسبب الظروف الأمنية الصعبة وتم عرضه في صالات السينما في ما يقارب عشرين بلداً وحصد عدة جوائز منها جائزة لجنة التحكيم الكبرى في مهرجان الرباط الدولي وجائزة لجنة التحكيم الكبرى في مهرجان قاميك للسينما العربية وجائزة أفضل سيناريو في مهرجان بيروت السينمائي الدولي . وهذا الفلم يحكي معاناة آلاف العراقيين أبان عام 1991 الذين وجدوا في أهوار العراق ملاذاً آمناً لهم . وجسد أدوار الفلم حفصيه حرزي والفنانة الفلسطينية هيام عباس والممثل اللبناني كريم صالح مع نخبة من الفنانين العراقيين .

* بمناسبة اختيار بغداد عاصمة للثقافة العربية : هل سيكون للسينما العراقية مساهمة في ذلك ؟
- بالتأكيد ستكون السينما العراقية أحد الفضاءات المهمة في احتفالات بغداد عاصمة الثقافة العربية من خلال انتاج عدد من الافلام منها وحسب ما اعلن من المنظمين للأحتفالية أن هناك عدة افلام منها "المسرات والأوجاع" للمخرج محمد شكري جميل عن رواية لفؤاد التكرلي ثيمة العمل أدانة الحرب وتعرية الفساد والكشف عن مواطن الخلل المادي والأجتماعي والأخلاقي في الواقع العراقي . والعمل جار لإنجاز أربعة أفلام وثائقية اخرى لمخرجين شباب بينهم هادي ماهود وعلي هاشم وايمان خضير . وهناك عدة افلام اخرى مثل "احلام اليقظة" لصلاح كرم وتدور احداثه في العام 2006 وهو يحكي قصة طبيب عراقي هاجر خارج الوطن بسبب التداعيات الأمنية . يجسد ادواره كريم محسن وكاظم القريشي والفنانة بشرى اسماعيل . ومن انتاج دائرة السينما والمسرح يشارك فلم "قاع المدينة" اخراج جمال عبد جاسم في احتفالية بغداد عاصمة الثقافة العربية وتدور احداثه في مناطق بغداد الشعبية خصوصاً في منطقة الشواكة التي لا تزال محتفظة بطابعها الشعبي . ويشترك فيه عدد من الممثلين مثل عبد الستار البصري وطه علوان وخلف ضيدان . وأحداثه تدور في فترة ما بعد التغيير عام 2003، كل ذلك يبشر بولادة سينما عراقية جديدة وأن عجلة هذه السينما آخذة في الدوران .

* تعرضت المرأة العراقية بفعل التقاليد الأجتماعية والأعراف إلى كثير من ألوان الظلم الأجتماعي : هل حاولت السينما العراقية تناول هذا الموضوع وتسليط الضوء عليه ؟
- تأريخياً يعد فيلم "عروس الفرات" الذي أخرجه الراحل عبد الهادي مبارك 1956 أول أفلام هذا الأتجاه والذي أنتجته شركة أفلام النسر. يحكي قصة فتاة من الريف العراقي أضطرت إلى مغادرة قريتها الجنوبية رغم العادات الصارمة التي كانت تحكم المرأة العراقية آنذاك لتواصل رحلتها الدراسية في العاصمة بعيداً عن قسوة التقاليد وظلم الحياة. لكن مع الأسف فقدت النسخة الأصلية لهذا الفيلم من أرشيف دائرة السينما والمسرح والذي يضم أكثر من 90 فلماً سينمائياً عراقياً .
* هناك اتجاه في بعض الأفلام العربية وخصوصاً المصرية يسمى "اتجاه أفلام الشخصيات الرائدة" : هل تناولت السينما العراقية هذا النوع من الأفلام ؟
- أفلام الشخصيات الرائدة هي الأفلام التي تتناول إحدى الشخصيات البارزة التي أثرت المجتمع وقامت بدور واضح في تطوير ذلك المجتمع وعلى أي مستوى من المستويات السياسية أو الأقتصادية أو الأجتماعية أو الثقافية أو الفنية وإذا كانت أفلام التراث الشعبي تقدم لنا الشخصيات التي تمثل قاعدة المجتمع فإن هذه الأفلام تقدم لنا شخصيات الذروة التي أفرزها هذا المجتمع والتي تثير بقوة مشاعر الأنتماء والأعتزاز ورغم أن الشعب العراقي أفرز العشرات من هذه الشخصيات على مختلف الصعد إلا أن السينما العراقية لم تتجه إلى هذا النوع من الأفلام ربما لأسباب تتعلق بالوضع السياسي القائم آنذاك أو بعدم إيمان المنتج العراقي بأهمية هذا النوع من الأفلام على عكس اتجاه السينما المصرية الذي يمتلك سجلاً حافلاً لهذا النوع من الأفلام مثل فيلم "مصطفى كامل" 1952 و "سيد درويش" 1966 وكلاهما من أخراج أحمد بدرخان و "قاهر الظلام" 1979 الذي يحكي سيرة عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين والذي أخرجه عاطف سالم و "ناصر 56" الذي أخرجه محمد فاضل عام 1995 .
* بالرغم من أن الفيلم التسجيلي شكل حضوراً متميزاً في السينما العراقية إلا أنه لم يستطع منافسة الفيلم الروائي لماذا برأيكم ؟
- الفيلم التسجيلي هو الفيلم الذي يعالج الأحداث الواقعية الجارية بأسلوب فيه خلق فني وهو نشاط سينمائي يتمثل في أستعمال الأفلام للتحليل الأجتماعي وهذا النوع من الأفلام قادر في الأساس على خلق علاقة مباشرة وغنية بالواقع بكل إيقاعه وطاقاته الشعرية الأصيلة دون أن يستعين السينمائي بصور مصطنعة عن الواقع ذاته والفيلم التسجيلي يستطيع وبجدارة أن يعوض عن بحث من مئات الصفحات ويقول المخرج ميخائيل روم "أن الحدود بين السينما التسجيلية والروائية في الوقت الحاضر تسير نحو الأنمحاء" . ومع ذلك تواجه السينما التسجيلية في العراق العديد من المشاكل منها ما هو مادي حيث صعوبة أيجاد الجهات الممولة وما هو أعلامي حيث إنكفاء وسائل الأعلام المرئية والمكتوبة والمسموعة عن تغطية ومتابعة هذا النوع من الأفلام بحجة إنها مادة غير جماهيرية .

* ما زلنا بصدد الحديث عن السينما التسجيلية : كيف كانت بدايات هذا النوع من السينما في العراق ؟
- خلال ثلاثينيات القرن الماضي تولت عدة شركات سينمائية أجنبية إعداد أفلام سياحية وأعلامية لحساب المؤسسات العراقية وفي مطلع الأربعينيات قامت السفارة البريطانية ببغداد بتكوين وحدة خاصة بالتصوير والعرض . أنتجت هذه الوحدة فيلماً يوثق نشاطات طلاب الدورة الصيفية وقد عرض هذا الفيلم في تشرين الأول عام 1942 وظهر فيه طلاب الدورة المذكورة وهم جميعهم فوق جبل صلاح الدين، بعد ذلك وخلال عقد الأربعينيات أمتلكت وزارة الدفاع وحدة سينمائية خاصة تولت تصوير أبرز النشاطات السياسية والأجتماعية في العراق. وفي الخمسينيات تاسست وحدة الأفلام في شركة نفط العراق وقد أنضم إلى هذه الوحدة عدد من السينمائيين والمصورين العراقيين الذين أكتسبوا فيها خبرة حديثة كان من أبرزهم المخرج محمد شكري جميل الذي عمل مساعد مصور في هذه الوحدة وتدرج فيها مصوراً ومونتيراً ومخرجاً أنتجت هذه الوحدة عدداً من الأفلام التسجيلية مثل "جيلنا الرياضي" وبعد ثورة الرابع عشر من تموز 1958 تأسست مصلحة السينما والمسرح التي حلت بديلاً لكل الوحدات السينمائية التي كانت قائمة قبل الثورة وبخاصة الأجنبية الملغاة وباتت هي الجهة الرئيسة التي تقوم بأنتاج الأفلام الوثائقية بعد أن جذبت إليها معظم الكفاءات التي كانت تعمل في المؤسسات السابقة وقد أنتجت المصلحة خلال سنواتها العشر الأولى مجموعة من الأفلام التسجيلية منها :
1- "جواد سليم" إخراج فكتور حداد وتم عرضه في مهرجان كارلو فيغاري عام 1962 .
2- "دواليبنا الدائرة" عن عمال النسيج وأحوالهم قبل ثورة 14 تموز 1958 وهو من أخراج فكتور حداد أيضاً .
3- "توزيع المكائن والآلات على الفلاحين" أخراج عبد الهادي الراوي، أنتاج تلفاز بغداد .
4- "الأهوار" أخراج قاسم حول والذي صور بكاميرا رفعت عبد الحميد وكشف فيه بالألوان القيم الجمالية لعالم الأهوار في جنوب العراق الذي يتميز بخصائص طبيعية نادرة وحصل هذا الفيلم على الجائزة الأولى في الأخراج في مهرجان الأفلام العراقية الأولى عام 1976 كما نال الجائزة الأولى في التصوير في المهرجان نفسه .
5- "البدلة الزرقاء" أخراج محمد شكري جميل وتصوير حاتم حسين .
كما تأسست في مؤسسة السكك الحديدية أوائل الخمسينيات وحدة للأفلام السينمائية فيها أدارها الفنان خليل شوقي منذ عام 1959 وحتى عام 1964 وقد أخرج للوحدة عدة أفلام وثائقية وأخبارية عرضت من على شاشة تلفاز بغداد .
* بالرغم من الكم الهائل الذي يتم عرضه من الأفلام في الفضائيات العربية أو العراقية نلاحظ أن المشاهد العراقي وخصوصاً الشباب منهم لا يعرفون شيئاً عن السينما العراقية او بمعنى أدق انهم لم يشاهدوا يوماً فلماً عراقياً واحداً . ما مدى صحة هذا الرأي ؟
- هذا صحيح وذلك بسبب غياب دور السينما أولاً وعدم عرض الأفلام العراقية في الفضائيات المحلية على الأقل بأستثناء ما تقدمه قناة العراقية الفضائية من أفلام روائية عراقية وقبل عدة اسابيع تم تقديم أهم الأفلام العراقية وهو الظامئون من على شاشة هذه الفضائية. ولنشر الثقافة السينمائية عن الفيلم العراقي هناك خطوات مهمة يجب أن تتخذ مثل عودة أسبوع الفيلم العراقي في دائرة السينما والمسرح يتم استضافة المختصين فيه او العاملين في هذه الأفلام من ممثلين ومخرجين وكتاب سيناريو او يصار الى انشاء نادي السينما او جمعية تتفق على موعد دوري لعرض نماذج مختارة من الأفلام العراقية وقد تكون العضوية سنوية دون تذاكر وقد تكون بأسعار مخفضة الى جانب قيمة العضوية .
* كانت علاقة المرأة العراقية بالسينما مقتصرة على الوقوف أمام الكاميرا كممثلة ولم تشهد السينما العراقية ظهور مخرجات متميزات كما شهدت ظهور مخرجين متميزين برأيكم ما هو السبب ؟
- هذا صحيح الى حد ما بسبب قصر عمر السينما العراقية وقلة عدد أفلامها مقارنة بمصر مثلاً وحتى في مصر التي تعد رائدة في هذا المجال و يمكن القول إنها اعرق سينما عربية كان عدد المخرجات فيها قليل جداً نسبياً الى عدد المخرجين فقد بدأت التجربة الأخراجية النسوية في مصر على ايدي عزيزة امير وبهيجة حافظ و فاطمة رشدي والممثلة المعروفة ماجدة الصباحي التي اخرجت عام 1966 فيلم "من أحب" المقتبس من الفيلم الأمريكي "ذهب مع الريح" . ويمكن القول ايضاً ان الآقسام العلمية التي تدرس مادة الأخراج السينمائي لم تكن موجودة أنذاك فأغلب المخرجين العراقيين مثلاً تعلموا فن الأخراج اما من خلال سفرهم الى الخارج ودراستهم في معاهد مختصة او من خلال عملهم الطويل في المؤسسات السينمائية المختلفة وهذه فرصة لم تتح للمرأة العراقية أنذاك ورغم ذلك تعد الخرجة خيرية المنصور اولى المخرجات العراقيات في عالم السينما الروائية وهي اول من خطا نحو خلق سينما المؤلف في العراق ويعد فيلمها "6/6" الكوميدي بطولة قاسم الملاك نقلة نوعية في السينما الكوميدية العراقية . ويبدو ان للتدريب الذي تلقته هذه المخرجة على يد المخرج الراحل يوسف شاهين اثراً في ذلك حيث عملت كمساعدة مخرج له في عدة افلام مثل "حدوتة مصرية" و "اسكندرية كمان وكمان" و "المصير"، كما عملت مساعدة للمخرج صلاح ابو سيف ومحمد راضي في حائط البطولات ومنذ عام 1980 حتى عام 2003 اخرجت خيرية المنصور فيلمين روائيين هما "6/6" عام 1988 و "100/100" عام 1992 وكلاهما كتبت لهما السيناريو، كما اخرجت اثنين واربعين فلماً تسجيلياً .
* لو قمنا بعملية تحليل لمحتوى الأفلام السينمائية العراقية . ما هي أهم الشرائح الأجتماعية التي تناولت هذه الأفلام مشكلاتها ؟
- الأفلام العراقية رصدت جانباً مهماً من حياة الناس الكادحين وتحديداً اوائل الأربعينيات وحتى ثمانينيات القرن الماضي في ظل علاقاتهم الأجتماعية والأقتصادية الشائكة . هذه الفترة من تاريخ العراق المعاصر التي شهدت انتفاضات وثورات واحداث سياسية كبرى وبروز احزاب اثرت في الشارع العراقي فالظامئون قدم ولأول مره شخصيات تواجه صراعاً مضاعفاً فهي تقاوم الواقع الأجتماعي المتخلف ضمن حدود القرية متمثلاً بالشخصيات السلبية في هروبها من الخطر القادم والمأساة التي ستتبعه دليلاً آخر بأستمرار وجودها، القلق ضمن واقع جديد غريب ومزيف هو واقع العاصمة والفراغ الآخر الذي تواجهه هذه الشخصيات هو الطبيعة القاسية التي اعتادت ان تعطي وتمنح لكنها تعطلت بسبب الجفاف الذي لم يبق سوى الموت والزوال .
أما "بيوت في ذلك الزقاق" فيطرح فترة الصراع والاستغلال بين الذين يملكون والذين لا يملكون وهم مجموعه أشخاص من الفقراء الذين يعملون في أعمال يدوية بسيطة كلف الحلويات وملء زجاجات العطر ويعطي الفلم انطباعاً ان هذه السلع لا تحتاج الى معامل كبيرة ولا الى تكاليف باهظة من قبل صاحب رأس المال لهذا تحولت هذه البيوت الآيلة للسقوط في الأزقة الفقيرة الى مصانع يجني من ورائها الرأسماليون اموالاً طائلة تؤهلهم لان يعيشوا حياة مترفة ولا تربط هذه العلاقة اي روابط قانونية . مقابل ذلك يتخذ عامل الجلود "ابو هنية" الذي ادى دوره بحرفية الفنان مكي البدري موقفاً متصلباً فهو يرفض ان تعمل عائلته لحساب "مجدي" الذي أدى دوره الفنان الراحل عبد الجبار كاظم لأنه "واعٍ" للواقع الذي يحيطه .
أما في "يوم آخر" فقد استطاع صاحب حداد أن يسرد لنا الأحداث برؤية فنية عبر لغة سينمائية واضحة خالية من الحشو والتقريرية ليقدم عملاً فنياً تجسدت به عناصر انسانية فكان الصراع الدائر بين الاقطاعي و السلطة من جهة وبين الفلاحين البسطاء المنهكين بالديون من جهة اخرى ويعد هذا الفيلم من اكثر الأفلام العراقية التصاقاً بقضايا انسان الريف الكادح في صراعه المرير الذي عاشه تحت سيطرة الإقطاع بين الممثلين في هذا الفيلم اقف مع الفنان خليل شوقي الذي لعب دور "أبو سعيد" فعلى الرغم من إنني رأيته أكثر عطاء وتميزاً في فيلم "الظامئون" إلا أنه يظل فناناً عملاقاً له حضور رائع وأداء يندر أن تجده لدى غيره .









اخر الافلام

.. حوار خاص مع الممثلة اللبنانية ستيفاني صليبا


.. دورة تدريبة لفنون العمل المؤسساتي في ريف حماة


.. 21 طلقة وموسيقى عسكرية في وداع العميد ساطع النعماني




.. -كتاب مصر- يكرم كبار مبدعى السينما والتليفزيون


.. الغناء الجماعي يساعد على التنفس