الحوار المتمدن - موبايل
ماهو سر أرتفاع نسبة الانتحار بين الملحدين؟

بسام البغدادي

2013 / 2 / 13

هي ليست المرة الاولى وبالتأكيد لن تكون الاخيرة التي نجد فيها على صفحات الانترنت المختلفة والمنتديات الدينية أحصائيات مؤلمة (البعض ينشرها بروح من التشفي) عن أعداد المنتحرين في العالم. أحصائيات مختلفة تؤكد بأن النسبة العظمى من المنتحرين في العالم هم من الملحدين. أو تأتي بعبارة أخرى مثل أن دولة مثل السويد فيها أعلى نسبة أنتحار في العالم بسبب أنتشار الالحاد فيها مقارنة بالبلدان الاسلامية التي لاتعرف هذه الظاهرة مطلقاً. فهل هذه هي الحقيقة؟ هل للإيمان تأثير وقائي ضد الانتحار وهل الالحاد يرفع هذا النظام الوقائي الذي ياتي بهِ الإيمان؟ أجد أنهُ من العبث أستخدام مأساة إنسانية للترويج لفكرة معينة على حساب أخرى. لكن, ولأن الفكر الديني لايوفر مأساة إنسانية الا يمثل فيها دور البطولة, ليس لأنقاذها, بل للتظاهر فقط بأنهُ يمتلك الحل الافتراضي لها, لهذا كان من الظروري تناول هذا السؤآل المتكرر كي نضع النقاط فوق الحروف مرة واحدة للأبد.

ماهو سبب أرتفاع نسبة الانتحار في الدول المتحضرة, مثل شرق أوربا و الولايات المتحدة الامريكية؟ أولاً هذه الدول تمتلك نظم صحية وأحصائية دقيقة مهمتها الرئيسية متابعة كل الحالات المرضية ورصدها وحساب درجات أستفحال أي شكل من أشكال الامراض الجسدية والنفسية في المجتمع لأيجاد الآليات المناسبة لعلاجها. لذلك فأن الشفافية شرط أساسي من شروط نجاح هذا النظام الذي أثبت فعلاً نجاحهُ بتوفير بيئة صحية جسدياً وفكرياً لأفراده. على سبيل المثال لا الحصر لايجوز أخفاء أسباب الوفاء, أو دفن الميت بحجة أكرامه دون تشخيص سبب الوفاة الحقيقي وبحضور طبيب شرعي. غياب هذه الشفافية في الدول المتخلفة كبلدان الشرق الاوسط, يؤدي بالنتيجة الى أستفحال الامراض دون أدراك حقيقي لحجمها, وغياب الوعي بحجم المشكلة يؤدي بالنتيجة الى عمى أجتماعي لهذه الظاهرة أو تلك, ومنها ظاهرة الانتحار التي تنتشر بين شباب العراق مثلاً دون أن يدق ناقوس الخطر لدى الحكومات العراقية المتعاقبة.

من جهة أخرى, فأنهُ لايوجد في كل بلدان العالم أي أحصائية حقيقية تستطيع أن تشير إذا ماكان الشخص المنتحر ملحداً أو مؤمناً على سبيل المثال, وكيف يستطيع أن يكتشف الطبيب ذلك؟ هل سيفحص عدد كريات الدم الحمراء أو البيضاء ودرجة أختلافها بين الانسان المؤمن والملحد مثلاً؟ فقط كون الشخص المُنتحر مولود في عائلة مسيحية لايعني أنهُ مسيحي, كذلك فأن المنتحر في مجتمع لاينتشر فيه الايمان بالآلهة لايعني بأنهُ ملحد. قد يكون الشخص قد ولد في عائلة لاتؤمن بالله لكنهُ أكتشف الله آخر أيام حياته عن طريق أحد الاديان الابراهيمية. خلاصة الكلام أنهُ يستحيل معرفة ماذا كان يدور في عقل الانسان المنتحر قبل أنتحاره, لذلك الصاق يافطة الالحاد بهِ ليس أكثر من ضرب من ضروب العبث الذي يمارسهُ المتشفون بموت إنسان من ممارسي الدعوة والتبشير من أتباع الاديان. لكن من ناحية أخرى نستطيع أن نقول بثقة لاتتزعزع بأن كل المنتحرين الذين فجروا أنفسهم في فلسطين والعراق وأفغانستان والسعودية وتونس والجزائر وفي كل مكان في العالم, هم كانوا حقيقة مؤمنين, والدين كان سبباً رئيسياً من أسباب أنتحارهم وليس الالحاد.

في الحقيقة, نعرف اليوم وبشكل مؤكد ورغم غياب أو أخفاء الاحصائيات الحقيقية في بعض البلدان, الا أن وجود منظمات مثل منظمة الصحة العالمية و الهلال الاحمر العالمي الذين يقومون برصد هذه الحالات بأن الدول التي ينتشر فيها الفقر والجهل والتدين تتصدر قائمة الدول التي تنتشر فيها هذه الظاهرة المؤسفة. ففي أحصائيات عام 2011 لمعدل حالات الانتحار في بلدان العام نقرأ بأن معدل حالات الانتحار في بلد مثل السويد التي طالما يضرب بها كان لايتجاوز 8 حالات أنتحار لكل 100 الف مواطن مقارنة بالبوسنة البلد (المسلم) الذي كان يتصدر القائمة بـ99 حالة انتحار لنفس العدد. أما بلد عربي مسلم مثل سوريا فكانت عدد حالات الانتحار فيه مرتفعة حتى 85 حالة لكل 100 الف مواطن لنفس العام ولو أنتقلنا لإيران الدينية لوجدنا العدد يرتفع الى 91 حالة. لنتخيل الآن, ماذا لو كانت بلدان مثل العراق أو أفغانستان أو السعودية تمتلك نظام أحصائي صريح, وقامت بحساب أعداد المنتحرين الابرياء أو الانتحارين, كم كانت ستكون الاعداد؟ أتذكر بأن العراق عام 2006 وقبل أنقضاء ستة أشهر من عام 2006 كان قد وصل عدد الانتحاريين فيه الى أكثر من 500 أنتحاري.

ربط الانتحار بالالحاد أو عدم الايمان بالله ليس أكثر من محاولة هابطة من إنسان مفلس فكرياً, لايجد مايدافع بهِ عن معتقده سوى التشفي بمأساة إنسانية مثل الانتحار. بنفس الطريقة نستطيع أن نربط أرتفاع معدلات الانتحار في بلد مثل السويد بالرخاء الاقتصادي, أو التقدم العلمي أو الحرية أو الديمقراطية؟ وهنا يتضح لنا مدى زيف هذا الربط الغير منطقي. خلاصة الكلام, فأن الانتحار هو عمل مأساوي يقوم بهِ إنسان فقد كل أمل بالحياة وفقد القدرة على التواصل مع المحيطين بهِ على أرض الواقع. ربما يرغب البعض أن يسميه فشلاً شخصياً لكنني كنت ولازلت أؤكد بأنهُ فشل المجتمع في علاج مشاكل الإنسان فيه. إذا كنت تعرف أو تشعر بوجود شخص يفكر بالانتحار من حولك, حاول التواصل معهُ ومساعدته, سواء كان ملحداً أو مؤمناً, فقبل وبعد كل شئ... جميعناً بشر ومن حقنا جميعاً أن نعيش هذه الحياة بسعادة.

مصدر: معدل حالات الانتحار في العام وفق أحصائيات منظمة الصحة العالمة.
http://www.who.int/mental_health/prevention/suicide_rates/en/


بسام البغدادي




التعليقات


1 - الارهاب والانتحار
سركون البابلي ( 2013 / 2 / 13 - 20:08 )
على اي طرف يحسب الانتحاريين , هل هم من الملحديين ام من المؤمنين وبالنظر لرغبتم الوصول الى الحور العين


2 - إنهاء الحياة طواعيا !
حميد كركوكي ( 2013 / 2 / 14 - 14:09 )
في المجتمعات المتقدمة فكريا هنالك حالة إنتحارية لاتحسب في قائمة الأنتحار!
يوثنيژيا{Euthanasia} هذه العملية الأنتحارية طوعية وغير مؤلمة ،يرغب الأنسان المثقف إنهاء العيش مريضا ويكون عالة و مشقة على الأخرين، وكذلك عدم التمتع بالحياة الأعتيادية. كالسير والأكل تكون حياة بلا جدوى أو هدف مقبول.
أنا شخصيا أعتقد بهذه العملية و كتبتها في وصيتي الشخصية.


3 - الخوف من الإنتحار
الباشت ( 2013 / 2 / 15 - 14:46 )
لو لم يكن الإنتحار محرما ونتيجته الباربيكيو الإلهي لرأيت أعداداً كبيرة من المؤمنين ينتحرون جماعات و وحدانا


4 - نرجو التدقيق في الارقام
اشرف محمود ( 2013 / 2 / 16 - 10:57 )
اشكرك علي المقال والموضوع الهام لكن انت قمت بتدوين ارقام الاعوام وليس عدد المنتحرين طبقا للجدول الموجود علي موقع منظمة الصحة العالمية ارجوا ان تصححه


5 - جدول منظمة الصحة العالمية
بسام البغدادي ( 2013 / 2 / 19 - 06:46 )
شكراً أستاذ أشرف محمود على التنبيه, لا أعرف كيف فاتني مثل هذا الشئ, سيتم تصحيح الامر والعودة له في المقال القادم. شكراً جزيلاً.