الحوار المتمدن - موبايل
صورة الجنس الثنائية في المجتمع العراقي

محمد لفته محل

2012 / 11 / 11

الجنس هذه الغريزة التي لها علاقة خاصة حساسة بالنفس، المغلقة بالأسرار و الممنوعات والعقد والرغبات، المجسدة باحتقان الأعضاء وتوترها وتهيجها ثم التأوه والهمهمة وتقلص العضلات والنشوة وانتهاء بالارتخاء والنحول والتعب مع شعور بالاشمئزاز والنفور أو الجوع والنعاس أحيانا، في أجواء من الانزواء والوحدة والسرية والأبواب المغلقة وضوء خافت أحيانا، يكون الحديث فيه مشفرا وصوت منخفض أو إشارات وتلميحات بالوجه كالغمز والنظر المركز وعض الشفاه أو لعقها أو قبلة هوائية أو ملامسة الجسد أو الاحتكاك به، هذه الغريزة ليست بمعزل عن البيئة الطبيعية والاجتماعية للإنسان، إذ تتأثر بالميراث الثقافي للمجتمع، فنرى السلوك الجنسي وصورة الجنس تتغير بتغير الحضارات رغم الهدف التناسلي المشترك في جميعها؟ وهذا ما سأبحثه في صورة الجنس الثنائية بالمجتمع العراقي. وبما أن المجتمع العراقي مجتمع ذكوري أبوي يهمين عليه التفكير السلفي والقدري والسببية الربانية فمفهوم الجنس نتاج كل هذه المهيمنات الاجتماعية، وهذا يعني أن مفهوم الجنس ذكوري بالأساس، فالرجل العراقي يرى الجنس قوة رجولية قبل أن تكون ذكرية، والرجل العنين وحتى العقيم يعتبر ناقص الرجولة ومثير للعيب والسخرية، لهذا يرفض الرجل العراقي الاعتراف بعجزه الجنسي أو ضعفه وليقيه دائما على المرأة أو على السحر!، ويأبى الخضوع للطبيب لفحص قدرته الجنسية بالعلن وربما حتى بالسر؟ لكنه يذهب عن طيب خاطر إلى المشعوذين والسحرة لعلاجه! ويتفاخر بقدرته على تلقيح زوجته وإنجاب أطفال كثيرون، والرجل الذي يكون متعدد الزوجات يكون علامة على قوة رجولته، ويتفاخر حد المبالغة بعدد ممارساته الجنسية في الليلة الواحدة أو اليوم الواحد، ويتفاخر أيضا بطول عضوه وحجمه الذي يشق عضو المرأة ويجعلها تصرخ من الألم المصحوب باللذة من كبر حجمه كما يحب أن يقول الرجل العراقي عادة؟ فهو ينظر بإعجاب وحسد إلى العضو الذكري الضخم ويحب مشاهدة الأفلام الجنسية التي تصور رجل بعضو ضخم يجامع فتاة شابة بعنف، ويحب المرأة التي تظهر إعجابها بعضوه التناسلي الكبير وتتأوه من اللذة وتصرخ أرضاء له، ودائما يشبه عضوه بأدوات الحرب مثل السلاح، السيف، العصا، الحصان، المدفع، الطلقات،(1) وهذا انعكاس لخلفيته البدوية عن الغزو والفخر بالسلاح والقوة؟ وحديثه عن الجنس فيه عنف أيضا، فهو لو جامع امرأة فإنه (أشقها شق) أو (اجعل فرجها احمر) أو (اجعلها تصرخ) أو (اضربها ثم أضاجعها) أو (أموتها) من كثرة الممارسة؟ مصحوبة بعض شفتيه وصك أسنانه وتنهد مع كلمة (أوف) أو (آخ)؟ ويلوح ساعد ذراعه للتشبيه بعضو منتصب أو يبرز الإصبع الوسطى للتحرش بمؤخرات النساء والإيلاج في المهبل للتهييج الجنسي، ويسمي الممارسة الجنسية بأسماء فروسية (ركبها) أو (صعدها) أو (وطئها) أو (ضربها) (باللغة العامية تعني مجامعة) ويسمي المرأة (الفرس) وهو (الخيّال) أو (الفارس)؟ والاعتلاء جنسيا يدل لديه على السمو والتعالي والفخر له مثل اعتلاء الحصان في حين تكون المرأة تحته كالتابع والذليل وهذه قيم بدوية واضحة عن الفروسية؟ وتسمى المرأة أيضا بالأرض أو النخلة أو العتبة والرجل هو المالك لها يزرعها أو يصعدها أو يدخلها، ويفضل الاغتصاب إذا لم تطاوعه المرأة في رغباته خصوصا إذا كانت زوجته لأنه سيكون انتقاص من رجولته إذا لم يستطيع إرغام زوجته على الممارسة الجنسية، والاغتصاب في ليلة الدخلة ظاهرة شائعة في المجتمع العراقي والعربي خصوصا مناطق الريف، والرجل العراقي دائما يتكلم عن ليلة الدخلة كأنه مغتصب أو فارس بافتخار وتباهي حين بفض بكارة المرأة من الليلة الأولى ويكون محط سخرية وعيب إن تأخر في الليلة الثانية أو أكثر؟ والدين والأخلاق تلعن المرأة التي لا تمارس الجنس مع زوجها إذا أراد ذلك بدون أي مبرر للرفض من قبل المرأة! والرجل يعتقد إن مجرد إيلاج عضوه بعضو المرأة ووصوله للذروة بسرعة هو كافي لإشباعها ثم يدير ظهره لها وينام أو ينهض دون علمه أين مناطق تهيج المرأة الأساسية كالبظر أو دون أن يبذل الجهد والوقت الكافي لتهييجها ووصولها لنشوتها التي هي أبطأ من نشوة الرجل، لأنه يتصور أن شهوة المرأة الجنسية تعادله سبعة مرات، وإن لها قذف كالرجل! لهذا حين يتزوج الرجل تضعف قوته البدنية (بعد ما بي حيل وره الزواج)، لكنه من جهة أخرى يصبح عاقلا (يعقل) كما يقال بالتصورات بالعامية!.
والموضوع الذي يشغل أحاديث الرجل العراقي ونكاته ومزاحه وشتائمه(2) وأفلامه وأغانيه هو الجنس والاثاره الجنسية؟ لهذا أغانينا وشعرنا الشعبي كلها تدور بوصف جسد المرأة المغري مع كليب لنساء مثيرات بحركاتهن ولبسهن، وكذلك الأفلام العربية والغربية التي يُفضّلها أن تكون مثيرة جنسيا، بل إن الجنس والأعضاء الجنسية هي المفردات التي لها كثير من المرادفات الشعبية بالتورية والتحريف مثل القفل والمفتاح، الطول والعرض، الأمام والوراء، الركوب، الصعود، الأفعى، الجلوس، الدفع، الأكل، الدخول، المص، الابتلاع، الإعطاء، الضرب، اللعق، الموطة، اللعب، الخض، الرأس الخ كلها ذات دلالات جنسية.
هذا كله من جهة ما أسميه الثقافة الشفهية الظل، أما من جانب الثقافة الرسمية المثالية كالأخلاق والدين فالجنس يأخذ معنى مختلف حيث أن كثرة الممارسات الجنسية تضعف البصر والعقل والعافية؟ ويؤثر على العامود الفقري، وليس دليل قوة رجولية! والزهد بالجنس دلالة على الخلق والأدب، بل أن الجنس مصدر قذارة ونجاسة نفسية وجسدية واشمئزاز خصوصا بعد الوصول إلى الذروة، لذلك له طقوس خاصة بالطهارة سواء الاستمناء أو الاحتلام أو الممارسة الجنسية؟ وشرعية الجنس الأخلاقية والدينية محدده بالزواج وللتكاثر فقط؟ والحديث عن الجنس يكون عيبا ومحرجا ومخجلا ويتم التعوذ به في بعض الأحيان عند لفض اسمه (الجنس والعياذ بالله) كما يتم التعوذ بالشيطان؟، والحديث عنه يتميز باختيار كلمات أكاديمية وليست عامية وبصوت منخفض أحيانا(3)، والتفريغ الجنسي يسمى (بتفريغ السم) في بعض الأحيان، والذي يتابع الأفلام والصور الجنسية يكون ناقص الأخلاق والإيمان لهذا ينكر متابعي هذه الأمور ويخفون هذه الأفلام في أقراص مدمجة أو ملفات خفية أو مشفرة سواء بالهاتف أو الكومبيوتر الشخصي، ويعتبرون المداعبات كمص العضو ولعق الفرج من الأمور المعيبة واللاأخلاقية بالجنس رغم الممارسة السرية لها من اغلبهم سواء مع زوجاتهم أو مع عشيقاتهم و عاهراتهم فقط؟. والمرأة في تصورها عن الجنس لا يخرج عن الدائرة الذكورية الأبوية حيث تعتقد أن بلوغ الرجل لذروته وتلبية رغباته وقت ما شاء هي مواصفات المرأة الصالحة الخلوقة بدون ضرورة حق المطالبة بالوصول لنشوتها أو الحق في عدم الممارسة في حالة انشغالها أو متعبة نفسيا أو جسديا، وهي تتباهى بقدرة زوجها الجنسية وحجم عضوه بين صديقاتها أو المقربين لها حد المبالغة، رغم أنها تدعي باردة تجاه الجنس، وحين يصاب زوجها بالبرود الجنسي تفسره بالسحر، وتحتقر أو تخجل من الرجل العقيم أو العنين وتعتبره ناقص الرجولة ويشار له بالعامية (مو رجّال).
من الواضح إن مفهوم الجنس عند الرجل العراقي هو ذكوري بدوي سادي وهمي، يعيش ثنائيات متوازية متناقضة أو مختلفة، وهو نتاج الانقسام الاجتماعي بين الثقافة الرسمية الزاهدة والمنجسة له، وبين الثقافة الظل المجسدة ببقايا البداوة والكبت والجوع الجنسي، لان هذه الثقافة الرسمية المحقرة للجنس والزاهدة به والمروجة لمخاطره الوهمية، هي من تنتج هذه الثقافة الظل بسبب قمعها ولا واقعيتها، لأن الإنسان العربي يعيش هذه الثنائيات في شخصه ما بين حقيقته بالنسبة للناس وما بين حقيقة نفسه الداخلية، بالتالي انعكست على الجنس بصورة طبيعية بسبب إن هذه الثقافة الرسمية هي ثقافة اغتراب الإنسان عن نفسه وواقعه ما ينتج عنه ثقافة ظل تحقق إشباعا مرضيا فنرى هذا الهوس بالجنس مع اشمئزاز وإحساس بالذنب منه بعد الذروة بسبب التشوه النفسي عن قذارة الجنس ونجاسته وخطورته الصحية، بالوقت الذي تلح وتضغط غرائزه باتجاه الإشباع والتفريغ فيصبح الإنسان يعيش هذه الثنائية الجنسية الجوع والزهد، وهنا تأتي أهمية الثقافة الجنسية في إشاعة وتعليم الناس بالجنس علميا بدون خرافات وأوهام ليتخلصوا من هذه الثنائية الجنسية المريضة.
ـــــــــــــــــــــــــــ
1ـ وحتى اللغة الفصحى فيها شيء من القيم القبلية الذكورية، فالعضو الذكري يسمى (قضيب) دلالة على صلابته وقوته، ونزول السائل المنوي يسمى (القذف) تشبها بإطلاق السلاح كقذائف المدافع، ومجامعة الرجل للمرأة في احد مسمياتها (وطئها) والواطئ الذي يداس ويستخدم للشتيمة.
2ـ ولغة الشتائم بالمجتمع العراقي هي ممارسة الجنس اللفظي مع الخصم كأنه أنثى لأهانته، مثل (انيكك أو انيك عرضك أو أختك أو أمك) (بلاع العير) (كس أختك) (أبو العيورة) وغيرها، وهذه المفردات ذاتها تستخدم للمزاح أيضا بين الأصدقاء؟!.
3ـ يسمي (النيك) الجنس، أو جماع أو نكاح، و (العير) قضيب أو عضو ذكري، و(الكس) فرج، و(الطيز) دبر أو خلفية، و (الجبة) القذف، و(ضرب جلغ) العادة السرية، و(الراسية) حشفة، و (الخلاله) القلفه، و (عنابه) البظر وهكذا بقية المفردات الجنسية العامية بالمجتمع العراقي التي تختلف من دولة إلى دولة باللغة العامية، لأن الطفل أول ما يتعلم من الجنس هو المفردات العامية التي صاحبتها مفردات العيب والخجل والحرام، لهذا تبقى في ذاكرته على أنها معيبة عكس المفردات الفصحى المحصورة بالوسط الأكاديمي التي الغرض منها الدراسة أو الشرح وليس الإثارة، إن هذه الكلمات الصريحة التي تشعرنا بالعيب والخجل تشعرنا بالتهيج والإثارة الجنسية، والأزواج يستخدمون الأسماء الصريحة للأعضاء التناسلية أثناء غزلهم الجنسي ويداعبونها قبل الممارسة ليتهيجوا جنسيا وهذا الحال مع العشيقة والعاهرة. وحتى اللغة العامية العراقية تشفر في بعض الأحيان المفردات الجنسية فمثلا تسمى الأفلام الجنسية ب(أفلام ثقافية أو إباحية أو خلاعية أو سكسية) تلفظ بالانكليزية وليس العربية؟ وفض البكارة تسمى (فتحها، زرفه، كسره) ويرمز لها (انكسرت الشيشه)، والمؤخرة تسمى بالتورية والمرادفات والاستعارة (حلاّنه، كنده، جعبيز) وبعض الأحيان يشار للعضو التناسلي بالعامية في حالة عدم معرفة اسمه الفصيح أو الخجل من لفظه صراحة ب(مالتي) أو (مالتك)، و (مالته) أو (مالتها)، أي بصيغة التملك فقط، له أو لغيره، بدون ذكر اسمه الصريح، واسم الممارسة الجنسية كذلك يُعبر عنها (فعل بي) أو (فعل بها)، والعادة السرية يرمز لها (يلعب الزار) و (يشيش كباب)، بل إن أي جملة فعلية بضمير غائب مذكر، تصبح ذات مدلول جنسي بالتلميح والتورية، فمثلا (راح اقعد عالكرسي) تصبح ذات مدلول جنسي لو استبدل اسم الكرسي بضمير الغائب (راح اكعد عليه) وكل جملة يكون فيها المفعول به ضمير الغائب، تصبح ذات معنى جنسي بالتورية، سواء كانت بضمير المتكلم أو ضمير الآخر، وهكذا بقية ضمير الغائب (شلته، أكلته، حضته، خلصته كله، طلعته، انطيك ياه)، والطفل حين يُعلم أسماء الأعضاء يسمى العضو التناسلي (بلبل) ويلقنوه بأن الطفل يأتي عن طريق القُبل أو طائر لقلق. وإن وضعي للمفردات العامية عن الجنس بالهامش هو أيضا ضمن سياسية العيب!.