الحوار المتمدن - موبايل
في مفهوم الملكية

محمد فيصل يغان

2012 / 4 / 3

مفهوم الملكية لا ينشأ الا في مواجهة الحيوية والندرة (نعلم أنَّ انتفاء صفتي الندرة والحيوية من خلال توافر الثروة الشاسعة وهو شرط لانتفاء الملكية الشخصية في المجتمع الشيوعي), فلا معنى للملكية خارج هذين الشرطين حيث تعكس الحيوية القيمة الاستعمالية والندرة القيمة التبادلية لأي سلعة إنتاجية أو استهلاكية.
وقد اكتمل تجسد مبدأ الحيوية والندرة هذا في اكتمال النظام النقدي الاعتمادي, فمن أشكال السلع النقدية البدائية مثل الفراء والسمك, إلى نظام الذهب والفضة مرورا بالمسكوكات الذهبية والفضية إلى النظام النقدي الذهبي الذي أسلم دوره نهائيا في سبعينيات القرن العشرين للنظام النقدي الاعتمادي (الشيطان الأصفر, أ. أنيكين, دار التقدم موسكو) وأصبح هذا النظام أعلى أشكال التجريد للحيوية والندرة الكامنتين في أية سلعة وانتفت الصفات الذاتية لهذه السلع في عملية المبادلة والبيع والشراء.
هذا التحديد لمفهوم الملكية على أساس مبدأ الحيوية والندرة لا يتضارب بالضرورة مع التعريف الماركسي للملكية والمقتصر على شروط الإنتاج كما ورد في (الأسس لماركس) والقائل بأن الملكية (هي تبني أو حيازة الشروط الموضوعية للنشاطات الفعالة المنتجة للحياة والتي تعيد إنتاجها) بالنسبة للأفراد عموما و(هي السلوك الذي يسلكه الفرد إزاء الشروط الطبيعية للعمل ولإعادة الإنتاج) (تطور أشكال الملكية, حكمت قفلجملي, دار ابن رشد) بالنسبة للفرد العامل وذلك فيما لو اقتصرنا تعريف ماركس على شروط الإنتاج الخاضعة لشرطي الندرة والحيوية. فالملكية تفترض الحصرية, وإذا ما توافر عنصر إنتاج معين للجميع (الهواء مثلا) لا يعود هناك من معنى لإعلان أحدهم تملك جزء منه. والملكية تفترض قيمة للعنصر المملوك, فلا معنى لامتلاك شيء لا قيمة له. والحيوية هي القيمة الأعلى التي يمكن أن تتوفر للسلعة عموما, فالإنسان العاقل إذاً يمارس الملكية على النادر والحيوي لضمان بقائه, وبالأخص في المجتمعات البدائية حيث لا مكان للترف, ومن هنا تظهر أول أشكال الملكية, الملكية الخاصة.
ومن شرطي الندرة والحيوية ينتج ما يسميه علماء الاقتصاد بالريع. فالأرض (أو أيّة وسيلة إنتاج أخرى) تتمتع بريع مطلق نتيجة لشرط الحيوية, فالأرض الجدباء وإن كانت كذلك, فلا بد من زراعتها إن لم تفِ الأراضي الخصبة بالحاجة, لأن منتوجها حيوي ومطلوب بغض النظر عن انتاجيتها الحدية. أمّا شرط الندرة فينتج عنه الريع التفاضلي, إذ كلما زادت ندرة الأرض الخصبة, تحصلت على ريع أفضل بالمقارنة مع الجدباء.
الملكية الخاصة
الملكية الخاصة هي أول أشكال الملكية التي ظهرت في المشاعة البدائية (مرحلة جمع القطاف الطبيعي والصيد), فالسكين الحجرية والفأس الحجري وكذلك قطعة الفراء التي يتدثر بها الإنسان البدائي حيوية ونادرة. حيوية لأنها أدواته لتحصيل الغذاء والدفاع عن حياته أمام مخاطر الطبيعة من حيوانات مفترسة وبرد قارص, ونادرة لتخلف المستوى التقني المنتج لهذه الأدوات. ونطلق على هذا الشكل من أشكال الملكية ملكية الندرة الخاصة ويرافق هذا الشكل من الملكية نمط إنتاج الندرة, وينطبق هذا التعريف للملكية على ما يمتلكه الإنسان نتيجة إنتاج الندرة من شروط إعادة إنتاج نفسه (الغذاء) سواء في مرحلة جمع الثمار أو مرحلة الصيد الفردي وحتى الجماعي المنظم دون أن يكون هناك فائض إنتاج يذكر. هذا النوع من الإنتاج هو لتأمين احتياجات الكفاف بالمعنى التقليدي للكلمة, فلا قدرة تقنية على إنتاج فائض وتخزينه, وقيمة المنتج السائدة في ظل إنتاج الندرة هي بالضرورة القيمة الاستعمالية. أما الأرض التي تنتج النباتات بشكل طبيعي وترعى عليها قطعان الحيوانات البرية, فهي بالنسبة للفرد وفرة, وبالتالي لا ينطبق عليها مفهوم الملكية في هذه المرحلة. من جانب آخر وفيما يخص الملكية الجماعية, فما تزال في مرحلة جنينية وتتمظهر بشكل ملكية (متقلبة) للغذاء المحصل بشكل يومي, فالعمل بالأساس كان فرديا ولم يتم تنظيمه بعد بشكل عمل جماعي على أسس واعية. وهذه المرحلة لا تطور أي شكل من أشكال العمالة, وحتى العبودية للغريب أوالأسير لا تكون واضحة, فإمّا أن يندمج مع الجماعة المشاعية كفرد منها, أو تتم إبادته للاستيلاء على ما قد يكون بحوزته. ويشذ عن هذه القاعدة الجسد البشري كأداة إنتاج حيوية, أي أداة إعادة إنتاج الحياة, فهذا الجسد وإنْ كان ملكية شخصية لصاحبه إلا أنَّه أيضًا ملكية جماعية, وتنطبق عليه ازدواجية الملكية الفردية (المنفعة) والملكية الجماعية (الرقبة) المبينة في الفقرات القادمة. ونشير هنا إلى أنَّ هذه الملكية المزدوجة لجسد الإنسان لا تزال قائمة في المجتمعات الإنسانية وتتجلى بأشكال مختلفة, من مثل ممارسات ختان الذكر والأنثى في بعض المجتمعات وعقوبات قطع الأطراف والسجن الذي يمثل مصادرة الجسد مؤقتا, إلى مصادرته نهائيا من خلال عقوبة الإعدام. هذه الممارسات في النهاية ما هي إلا ممارسات ناجمة عن حق المجتمع في جسد الفرد من خلال الملكية الجماعية, وسوء استخدام الفرد لحق الملكية المنفعة.

الملكية الجماعية
عند الانتقال لمرحلة الرعي والزراعة, تظهر الحقائق الجديدة التالية:
• تصبح الأرض عنصر إنتاج وينطبق عليها مفهوم التملك بأشكاله كونها حققت شرطَي الندرة والحيوية, فليست كل الأراضي الواقعة في منطقة المشاعة البدائية صالحة للرعي أو الزراعة, وبنفس الوقت أصبحت حياة المشاعة تعتمد على هذه الأرض
• يظهر فائض في الإنتاج ويصبح شكل الإنتاج مختلفا, أي إنتاج الوفرة
• تكتسب المنتجات بفائضها صفة قيمة تبادلية إلى جانب القيمة الاستعمالية, إذ يصبح بالإمكان الحصول على سلعة أو منفعة أنتجها الغير من خلال مبادلتها مع فائض إنتاجنا نحن
• تتعدل أشكال الملكية الجماعية من المرحلة الجنينية السابقة بما يتلاءم مع أسلوب الإنتاج الجديد, وتميل لاتخاذ شكل ملكيات جماعية (مستقرة) بقدر استمرارية خصوبة المراعي وخصوبة الأرض المزروعة.
في هذه المرحلة ينضج شكل الملكية الجماعية ويفصح عن نفسه بشكلين: الأول حماية الأرض من جماعات مشاعية أخرى, وثانيا في إدارة الفائض.
وضمن هذا السياق تصبح ملكية الندرة الخاصة ملكية منفعة مقابل الملكية الجماعية المتمظهرة كملكية رقبة. وتترسخ في هذه المرحلة الملكية كانعكاس لعلاقة الفرد والجماعة بعناصر الإنتاج حسب التعريف الماركسي المذكور آنفا. وتنعكس هذا العلاقة أيضا من خلال التنظيم الاجتماعي لمؤسسة الإنتاج الحيوي أي التكاثر, وتظهر أولى تشكيلات الأسرة بدلا من مجتمع الأشقاء والشقيقات المفتوح, وتتطور الأسس التي تقوم عليها الأسرة مع التطورات الكلية التي تمر بها المشاعة.
نجد شكلَي الملكية هذين (المنفعة والرقبة) في كافة المراحل البدائية كما تبين لنا الأمثلة القادمة.
تمارس المشاعة حق الملكية الجماعية والمتمثل في تصريف وإدارة الفائض من خلال إنشائها لمؤسسات مركزية جديدة تتولى هذه الأعمال , وتتبلور هذه المؤسسات في شكل المركز المدني الذي يتولى استيعاب وتصريف الفائض من الإنتاج بالاضافة للفائض البشري للريف, ويكون ظهور دولة المدينة بشقيها السياسي (الحاكم المستبد أو المجلس) المسؤول عن إدارة هذه الممارسة حسب ما تشرعه المشاعة المقدسة الممثلة بالشق الآخر الديني-التشريعي (المعبد والإله), إذ تتحول المشاعة القديمة إلى كائن غيبي مقدس في ذهن أبناء دولة المدينة. فنجد مثلا أن اللوح الذي نقشت عليه قوانين حمورابي في العام 1760 ق.م. يحتوي في أعلاه على نقش للإله مردوخ وهو يستقبل حمورابي الذي صرح أنَّ الآلهة قد كلفته بإصدار القوانين . أي أن أصل الدولة هو لإدارة الفائض نيابة عن وبتكليف من المشاعة المقدسة ككل وبما فيه مصلحة هذه المشاعة, إلى أن تنحرف تدريجيا عن هدفها من خلال سيطرة طبقة معينة عليها وتحويلها إلى دولة الطبقة الأشد بأسا وأداة للقمع الطبقي حسب أنجلز. وعند هذه المرحلة من انحراف الدولة, تبدأ محاولات الإصلاح من الداخل بالأخص في الشق الديني – المرجعي إلى أن تستهلك قدرة المؤسسة الدينية على الإصلاح فيتم استبدالها بمؤسسة جديدة تمثل المشاعة المقدسة وتعكس موازين القوى فيها, فيكون الانتقال من كنيسة إلى برلمان إلى حزب الخ. من خلال صراع طويل ومُضنٍ نتيجة التفاعلات الديناميكية ما بين هذه المؤسسات بالإضافة إلى عوامل خارجية أخرى مثل الحروب والغزو الخارجي والكوارث الطبيعية.
وبتعدد المراكز المدنية الناشئة لإدارة وتصريف شؤون المشاعات المتقاربة, وكبحا للمنافسة التجارية بينها (كون الهدف من إنتاج الفائض في المراحل المبكرة والتي تتمظهر فيها الملكية بشكلها المزدوج منفعة – رقبة هو رفع مستوى الكفاف وليس تراكم الثروة كما سيرد لاحقا) تظهر الدول المركزية الكبرى والمؤسسات الدينية الموحدة لآلهة المشاعات المتعددة, والملوك المكلفون من قبل الإله الأوحد أو الأكبر (والذي عادة ما يكون إله المشاعة الأقوى حسب انعكاس موازين قوى المشاعات المختلفة على المؤسسة الدينية الجديدة) بإدارة أمور تصريف الفائض.
تمارس دولة المدينة مهامها من خلال التجارة الداخلية والخارجية, حماية وسائل الإنتاج وملكيتها, حماية طرق التجارة, والحرب لتوسيع مدى الدولة الحيوي أو الدفاع عنه. وفي هذه المرحلة, مرحلة إنتاج الفائض تظهر وتترسخ العبودية كمصدر للعمل المنتج للفائض.
وفي دولة المدينة هذه تصبح المواطنة وما يترتب عليها من حقوق مبنية على الملكية. فالمواطن مالك للأرض والمالك للأرض مواطن كامل الحقوق, حيث تميز التشريعات القائمة بين الأفراد بناء على الملكية, فنجد مثلا في شرائع حمورابي ثلاث فئات للمواطنة: الأولى طبقة العاميلو وهي طبقة تتمتع بكافة الحقوق المدنية وتتميز بكونها ذات ملكية أرض والثانية طبقة المسكينو وهي طبقة مهمشة وتتشكل بالأساس من الأغراب وتعيش في تجمعات منفصلة داخل المدينة وطابعها العام أنها لا تمتلك الأرض وذات حقوق ناقصة بالمقارنة مع الطبقة الأولى, وتتطابق هذه الطبقة مع ما يدعوه ماركس وأنجلز بطبقة البروليتاريا الرثة حيث نجد مثلا أن أفراد الطبقة الأولى يتمتعون بحق الانتقام من الأذى الجسدي اللاحق بهم من خلال إيقاع أذى جسدي مماثل (العين بالعين) أو التعويض المادي, في حين أن أفراد الطبقة الثانية لا يملكون سوى حق التعويض المادي. أما الطبقة الثالثة الأردو فهم العبيد العاملون في الأرض المملوكة للأحرار من الطبقة الأولى ولهم من الحقوق بمقدار ما يقررها السيد.
أما التجارة فهي جماعية (اشتراكية) تتم من قبل مؤسسات الدولة المدنية باسم الجميع ولصالح الجميع, أي أن الملكية مزدوجة بشكليها الخاصة – المنفعة، والعامة – الرقبة.
واستكمالاً للمثال السابق في دولة حمورابي, نجد أن الأسر المالكة للأرض كانت تمثل في المعبد المسؤول عن الملكية العامة براهب واحد على الأقل, كما كانت تحصل على العوائد والفوائد المتحصلة لهذا الراهب. وفي المقابل كان لمندوب الملك والمسؤول عن الجانب الإداري بتكليف إلهي, كان لهذا المندوب مصادرة أي قطعة أرض من مالكي منفعتها إذا ارتأى مصلحة عامة في ذلك مقابل إصدار صك استملاك رسمي وتؤول ملكيتها للمعبد.
وبالانتقال إلى أوروبا العصور الوسطى, والسابقة للمرحلة الرأسمالية في أوروبا نجد أن الكنيسة والنقابات قد لعبت نفس الدور تقريبا (فالمبدأ الأول الكبير إذن للحياة الاقتصادية في المدن –في العصور الوسطى- م. ي.- هو أن الصناعة كانت تحت رقابة الجماعة, وأن تدخل الجماعة كان له كل ما يبرره. ولم يكن للملكية حقوق مطلقة خارج مصلحة الجماعة وازدهارها. فإذا استثمر فرد من الناس قطعة من الأرض ضمن حدود مصلحة المجموع فقد كان من الطبيعي أن ينظر المجتمع إلى السلع المصنوعة بالنظرة ذاتها . وعلى هذا الاساس الانتفاعي يدافع توما الأقويني عن الملكية الخاصة بالاستناد إلى فكرة الصالح العام. فهي على الإجمال تخفف من الفوضى والخصومة وتؤدي إلى النظام والسلام – فيقول توما الأقويني: "وعلى الإنسان أن يتملك الأشياء الخارجية لا على أنَّها ملكه الخاص ولكن على أنها ملكية عامة وذلك لكي يكون مستعدا لمشاركة الآخرين ضيقهم") (تكوين العقل الحديث, جون هرمان راندال, دار الثقافة بيروت)
وأنطلاقا من مفهوم الملكية المزدوجة هذا (منفعة ورقبة) والهادف أساسا لتوجيه الفائض لرفع مستوى كفاف الأفراد, تمت السيطرة على الأسعار وعلى الأجور بحيث تعكس حجم إضافة العمل بشكل عادل, وكذلك ولكون الربا لا ينتج قيمة مضافة تؤدي لرفع مستوى الكفاف, فقد تمَّ منع الربا في تلك المرحلة السابقة على الرأسمالية.
وما هي إلا مسالة وقت حتى تظهر طبقة من التجار الفرديين من داخل الجهاز الرسمي وتبدأ بممارسة التجارة لصالح أفرادها باستغلالها لموقعها, محققة أرباحا غير مبررة أخلاقيا ضمن المنظومة القيمية السائدة وبالأخص مفهوم الإنتاج والملكية السائدين, ومن هنا نشأة النظرة الدونية للتجارة عموما في المجتمعات الريفية والماقبل الرأسمالية, إذ إنَّ التاجر بالأساس يستغل فائض إنتاج غيره لبناء ثروته, فكان القول المأثور في روما القديمة (ليس رومانيا من حاول أن يعيش حياة تاجر أو حرفي ذليل) وكذلك ورود التجارة في موقع الشبهه في الإسلام حيث تقرن الآية الكريمة  و أحل ألله ألبيع و حرم ألربا  البقرة: ٢٧٥ التجارة بالربا وتبين هشاشة الفرق بينهما وتحذر من الانزلاق إلى ممارسة الربا باسم التجارة.
كما ورد في الحديث الشريف ( إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا الا من اتقى الله ‏ ‏وبر‏ ‏وصدق) فالأصل هو الفجور، والتقوى والبر والصدق استثناء, أي أن الأصل هو الشكّ. وفي حديث آخر (يا معشر التجار إن الشيطان والإثم يحضران البيع فشوبوا بيعكم بالصدقة) .
التجار يشكلون طبقة طفيلية لا تؤمن بضرورة العمل لخلق الثروة, وتفضل (الاستثمار) في الربا على الاستثمار في الإنتاج الزراعي أو الصناعي, فالتجارة قائمة بالأساس على التدوير السريع للمال وقفز رأس المال من نشاط إلى آخر بدون أية التزامات طويلة المدى. وعن هذه الطبقة التجارية – الحرفية يقول اشبنغلر أنها خارج التراتب الاجتماعي ولا تمثل منزلة ممثلة لقيم الأمة العليا, وظهورها في كيان الدولة وخارج تراتب منازل المجتمع هو مبشر للانحطاط والانتقال بالأمة من الحضارة التي تمثل روحها منزلة النبالة إلى المدنية.
هكذا يبدأ شكل جديد من أشكال تراكم الثروة الشخصية وما يرافقه من تنامٍ لنفوذ الطبقة الجديدة في دولة المدينة, وتستخدم هذه الثروة والنفوذ المرافق لها للاستحواذ على الأرض ونزع ملكيات الكفاف من صغار المزارعين وتحويلهم إلى أقنان وعبيد تدريجيا, وتبدأ المؤسسات الربوية بالظهور تدريجيا وتدار من قبل فئات دونية اجتماعيا (اليهود في العصور الوسطى) ثم ومع التبدل التدريجي في القيم السائدة وتحكم قيم طبقة التجار, تنضم هذه الأخيرة إلى تلك الطبقات الدونية في إدارة المؤسسة المالية الربوية.
ومن جهه أخرى, تنتزع طبقة التجار الصاعدة ملكية الرقبة من المشاعة من خلال ألاعيب وحيل تمثيل جماهير الشعب (ديموقراطية أثينا) أو من خلال اختراق المؤسسة الدينية الممثلة للمشاعة (الكنيسة في أوروبا القرون الوسطى), فلا تعود دولة المدينة قادرة على تحديد أوجه الإنتاج التي توظف فيها الأرض لصالح المشاعة, ويبدأ تناقض الريف – المدينة بالظهور مما يستدعي الدور القمعي لدولة المدينة من خلال تشكيل طبقة جديدة إقطاعية في الريف من حاشية الملك وممثليه والذين تطلق يدهم لسلب ملكيات الأفراد مكافأة لهم لدورهم القمعي ضد الفلاحين.
هكذا يسود نمط إنتاج يهدف بالأساس لتحقيق الفائض والتراكم لثروة طبقة على حساب تحقيق مستوى أعلى من الكفاية للقن والعبد وعلى حساب تناغم المشاعة البشرية مما يؤدي لعدم التوازن و(الضياع) حسب التعبير الماركسي, حيث إنّ التناغم والتوازن يتطلبان توظيف الفائض لرفع درجة الكفاف لأفراد المشاعة وتوجيه الإنتاج أيضا لنفس الهدف, وبالتالي أولوية الصبغة الاستعمالية للمنتج على الصبغة السلعية. وفي ظلّ الملكية الشخصية المطلقة, يتم إغفال شرط الحيوية لعناصر الإنتاج وذلك طبقا لما يمليه مبدأ تحقيق الحد الأقصى من الربح, فالأرض الحيوية لإنتاج الغذاء مثلا قد توظف لأغراض ثانوية كالترفيه إذا ما تجاوز الربح (وهو مفهوم يظهر مع ظهور الملكية الخاصة المطلقة) قيمة الريع المطلق المتحصل من حيوية الأرض لإنتاج الغذاء. وهكذا تتم التضحية بمصالح الجماعة لصالح الأقلية المالكة لعناصر الإنتاج. وهذا يذكرنا بوصفات البنك الدولي القائمة على توجيه الزراعة في دول العالم الثالث المدينة إلى إنتاج سلع التصدير بدلاً من السلع الغذائية الحيوية لشعوب هذه الدول.
ينطبق على الصناعات المبكرة ما ينطبق على الزراعة, فمن الإنتاج الصناعي المنزلي في الريف والحرفي النقابي في المدينة الموجه لرفع مستوى الكفاف, إلى الإنتاج الصناعي المنظم في مشاغل (المانيفكتورة) بقصد إنتاج الفائض, وسيطرة الطبقة التجارية لاحقا على هذا الفائض وتوجيه الصناعة على أسس تجارية بهدف تحقيق تراكم الثروة الطبقية بدلا من تعظيم الفائدة الاجتماعية للطبقة المنتجة من خلال رفع مستوى الكفاف لديها.
وكون الرغبة الجامحة لتحقيق تراكم في الثروة تتجاوز المحددات الطبيعية لنسبة نمو الإنتاج في الزراعة والصناعة, تلجأ الطبقة التجارية إلى مراكمة الثروة من خلال رأس المال وفي معزل عن العمل. فتنشأ المؤسسات الربوية من جهه, وتتكثف سرقة المال مباشرة من الآخرين من خلال الغزو العسكري المباشر (الحملات الأسبانية في أمريكا الجنوبية لسرقة الذهب), أو بأساليب الاستعمار المعروفة (شركة الهند الشرقية).
مع هذا الانتقال من الاقتصاد الزراعي والصناعي للكفاف إلى التجاري للفائض, تقع التغييرات المناسبة لهذا الانتقال في منظومة القيم المفروضة على المجتمع الجديد من قبل الطبقة المهيمنة الجديدة, فنجد أن المذاهب التطهيرية التي رافقت عصر النهضة وبتأثير من لوثر وكالفن قد أعلت من قيمة العمل الحرفي الهادف للربح المطلق واعتبرته الطريق الأمثل للتقرب من الله, فيقول أحد رجال هذا المذهب (لك أن تعمل جاهدا في هذا الأمر بما يوصلك إلى أكبر قسط من النجاح والربح المشروع... فإذا أظهر لك الله طريقا تستطيع به أن تؤمن ربحا مشروعا أكثر, ورفضت ذلك الطريق واخترت الطريق التي تؤدي إلى ربح أقل, تكون قد ابتعدت عن غاية قصدت لها, ورفضت أن تكون خادما لله) (تكوين العقل الحديث, جون هرمان راندال, دار الثقافة بيروت). أكدت المذاهب البروتستانتية والتطهيرية على أنَّ طريق الخلاص هو فردي من خلال العمل بما يرضي الله دون الحاجة إلى واسطة مؤسسة الكنيسة, وترجمت ذلك ماديا بتشجيع المبادرة الفردية في الاقتصاد والملكية لعوامل الإنتاج بدلا من هيمنة الدولة-الكنيسة على هذه الوسائل.
وقد لاحظ ماكس فيبر هذه العلاقة ما بين (الأخلاق البروتستانتية والروح الرأسمالية) وذهب بها (تماشيا مع نزعته المثالية المؤمنة بأن كل حقبة تاريخية لها روحها المميزة), إلى حدّ جعل الأولى علة للثانية.
ومن هذا المنطلق أيضا كان منع الثورة الفرنسية للنقابات والجمعيات العمالية تحت شعار المساواة أمام القانون, تلك النقابات والجمعيات التي كانت تهدف بالأساس إلى إدارة الفائض بما يتلاءم وحاجات رفع مستوى الكفاف لأعضائها, ولم يُسمح في تشكيل النقابات في فرنسا حتى عام 1864 أي بعد ثورة الحرية والعدالة والمساواة بنحو خمس وسبعين سنة وبعد صراع مرير خاضته الطبقة العاملة. وكذلك عرّف دستور هذه الثورة المواطنة وحقوقها (الانتخاب) بحيازة الملكية الخاصة تماما كما كانت في زمن حمورابي.
نتيجة للتوسع السريع للتجارة, وضيق الطبقة التجارية بالحدود التي تفرضها المرجعية الدينية عليها (التقشف و الكفاف), والتي تحد من قدرتها على مراكمة الثروة بوتيرة أسرع من خلال توظيف الميزة النسبية للمركز القومي, تلك الميزة الناجمة عن تعمق التخصص وتقسيم العمل, تبدأ الحملة على مركزية المعبد – الكنيسة وأساسها الأممي من خلال رفع شعار القومية وفرض الانتماء القومي كقيمة عليا واستبدال المعبد – الكنيسة الأم بمعابد وأشكال من الآلهة القومية (ظهور المذهب البروتستانتي وانفصاله عن الكنيسة المركزية الكاثوليكية) وتنصيب ملك جديد يستمد شرعيته من التجسد الجديد للاله الا وهو الأمة. وتلتف طبقة التجار حول النظام الجديد وتحشد له الشعب من خلال نشر منظومة قيمية جديدة قائمة على الشعور القومي, فتخرج الممالك من كنف سلطة المعبد – الكنيسة الأممي, ونتيجة لفقدان المرجعية الموحدة لهذه الدول القومية تستعر الحروب فيما بينها في صراعها على الثروة.
نخرج هنا قليلا عن السياق ونعمم هذا المنظور من خلال سحب هذه الظاهرة على العالم العربي, فنجد أن الكيانات القطرية العربية والتي فرضت بداية عنوة من الخارج, قد تغلغلت فيها طبقات التجار المرتبطين بالمراكز التجارية العالمية والتفت حول الحكام, وخلقت لخدمة هذا الوضع المشترك حسا وطنيا إقليميا يوازي الحس القومي الذي ذكرناه سابقا, ونظاما قيميا قائما على الوطنية. ومع مرور الزمن وبحكم الضغوط من الداخل والخارج , ترسخت هذه القيم والمشاعر الوطنية في نفوس الأفراد إلى درجة أصبحت فيها عائقا حقيقيا أمام مشاريع الوحدة الاندماجية والمباشرة وتم توظيفها بطريقة مبرمجة كمانع أساسي أمام أي تحرك قومي وحدوي فعلي خوفا على مصالح هذه الطبقات. إن أي انتقال من المستوى الوطني إلى القومي سيكون مباشرة على حساب طبقة الكومبرادور هذه.
وعودة للتسلسل التاريخي السابق, تصطدم هذه الطبقة التجارية لاحقا بالملك القومي والخلفية القيمية الإقطاعية التي ينطلق منها, الذي يصبح وجوده عبئا آخر وعقبة جديدة في طريق تحقيق تراكم الثروة, تندفع هذه الطبقة مرة أخرى لتصفية الملك وأخذ زمام الأمور هذه المرة بين يديها. فمن خلال استغلالها للرفض الرومانسي للأوضاع السائدة بين الجماهير, وصياغة الأحلام الرومانسية لهذه الجماهير في شعارات براقة ومجموعة قيمية جديدة, ومن خلال مراهنتها على فشل النظام القائم ومؤسساته في تحقيق شعور الجماهير الحدسي بالقيم العليا, تقود هذه الطبقة ثورتها مرة أخرى ضد الملك القومي (الثورة الفرنسية مثلا) وتجمع أخيرا كافة السلطات بين يديها لأول مرة في تاريخها تحت مسمى الديموقراطية التمثيلية.
وعودة للعالم العربي, نجد أن هذه الخطوة الأخيرة في الانتقال إلى الديموقراطية البورجوازية, هي أصعب بمرات في العالم العربي منها في الغرب وذلك لأسباب أهمها داخليا الحضور الضعيف أو المعدوم لبورجوازية وطنية تحظى باحترام وثقة الجماهير في مواجهة البورجوازية التابعة, تجذر الإقطاع القبلي العشائري وتحالفه مع الحاكم, وخارجيا رغبة الغرب في تسويق هذه الديموقراطية البورجوازية لصالح حلفائها التابعين لها في الداخل وليس لصالح البورجوازية الوطنية, مما يدفع الجماهير غريزيا في بعض الأحيان, وبوعي في معظم الأحيان, إلى رفض هذه الديموقراطية ومشاريع الغرب لترويجها.
من هذا الاستعراض السريع لانتقال المجتمعات الإنسانية من المشاعة البدائية إلى أبواب الرأسمالية الحديثة نرى مما سبق أن مفهوم الملكية كقيمة ذاتية قد بدأ بالتبلور مع بداية ممارسة الإنسان لنشاط إنتاجي نوعي (الأدوات)، ومن ثم اتخذت هذه القيمة بُعدا اجتماعيا مع ظهور النشاط المشترك المولد للفائض. ومن خلال مأسسة تحقيق هذه القيمة انفصلت عن أصول تشكلها المادية وانتسبت إلى مصدر مفارق كالآلهة التي أوحت إلى حمورابي بوضع قوانينه لتسيير مجتمع دولة المدينة والتي وجدت أصلا لإدارة فائض الإنتاج وأشكال ملكية هذا الفائض وشروط إنتاجه.
من هنا يتضح أن أصل التناقض ما بين مفهوم الملكية الجماعية كقيمة اجتماعية وبين مفهوم الملكية الخاصة كقيمة مغايرة في عصرنا الحاضر, نشأ عندما ظهرت طبقة التجار على الساحة الاجتماعية وصادرت ملكية المنفعة من الأفراد وملكية الرقبة من الجماعة لتجعل الملكية الخاصة المطلقة لطبقة معينة هي المفهوم القيمي للملكية الذي يجب أن يسود, وكنقيض و رد فعل لهذا المفهوم ظهرت الملكية الجماعية المطلقة لوسائل الإنتاج حصرا كقيمة مضادة, وتجسدت بشكل رأسمالية دولة العمال الاحتكارية, ويقول لينين عشية الاستيلاء على السلطة في أيلول 1917 (إنَّ جدلية التاريخ هي بحيث إن الحرب – التي عجلت بصورة فائقة تحول الرأسمالية الاحتكارية إلى رأسمالية الدولة الاحتكارية- قد قربت بذلك الإنسانية من الاشتراكية حتى درجة كبيرة... أنَّ رأسمالية الدولة الاحتكارية هي التهيئة المادية الأكثر كمالا من أجل الاشتراكية... فليست الاشتراكية سوى أحتكار الدولة الرأسمالي وقد وضع في خدمة الشعب بأسره) (اقتباس وارد في ( في سبيل نموذج وطني للاشتراكية, روجيه غارودي), فهذه الصيغة للملكية, أي الملكية الجماعية المطلقة, تتلاءم مع أسلوب الإنتاج الهادف لتحقيق الفائض أولا وأخيرا بهدف تحقيق تراكم الثروة. وهذا ما أثبتته التحولات العميقة في المجتمع السوفيتي ونسب النمو الهائلة التي شهدها الاقتصاد السوفيتي في المراحل الأولى من الحكم الشيوعي على الرغم من الحروب والحصار. والفرضية الملازمة لهذا الشكل من خلق وإدارة الفائض, أن القائمين على الدولة يمثلون تماما رغبات الشعب وأن اختيارهم سيكون بأسلوب ديموقراطي مباشرة من القاعدة, وأن إدارة الدولة للفائض هو في سبيل رفع مستوى الكفاف, وأن الدولة بالأساس هي مؤسسة انتقالية تنحل بعد تحقيق المجتمع الشيوعي. وفي المرحلة الاشتراكية الانتقالية, نجد (في الاتحاد السوفيتي مثلا) أن الملكية الشخصية كانت تنحصر في السلعة الاستهلاكية فقط, وأن المصدر الوحيد لهذه الملكية هو حصة الفرد عند توزيع فائض الإنتاج الجماعي , أي أن الملكية الشخصية هي ما يلزم لتحقيق الكفاف ورفع مستوى هذا الكفاف بما يمليه حجم الفائض.
ومن أبرز نتائج تطبيق الملكية الجماعية المطلقة كان إلغاء الريع التفاضلي الناجم عن شرط الندرة بحجة تحقيق المساواة بين الأفراد, وبالتالي إلغاء أهم حافز للتنافس بين الأفراد والمجموعات المنتجة وكذلك حرمان الدخل الوطني الإجمالي من أحد عناصره الرئيسة. ومن جهة أخرى, ونتيجة لأسباب عدة أهمها الحصار والعداء الدولي للتجربة السوفياتية, سيطر هاجس النمو بهدف اللحاق بالاقتصاديات الغربية وتأمين القوة الرادعة, وهكذا فعل هاجس النمو في ظل الملكية الجماعية المطلقة ما فعله هاجس الربح في ظل الملكية الخاصة المطلقة من انحراف عن الهدف الأساس للمجتمع الإنساني ألا وهو رفع مستوى الكفاف للجميع.
في ظلّ هذه المعطيات تحولت الملكية الجماعية المطلقة تدريجيا إلى نقيضتها الملكية الخاصة المطلقة, من خلال تبلور طبقة من داخل المؤسسة الحاكمة تحتكر هذه الملكية وتسخرها لصالحها تحت شعار تحقيق النمو, فكان أنْ ضاعت مصالح الجماعة الحيوية بإلغاء شرط الحيوية المرافق للملكية الخاصة المطلقة كما وتقلص الإنتاج الوطني بفقدان الريع التفاضلي نتيجة إلغاء شرط الندرة كما أوضحنا في الفقرة قبل السابقة. والمفارقة هي أنَّ دكتاتورية البروليتاريا التي قضت (أو كادت) على الطبقات المتحكمة بالثروة سابقا, هي نفسها التي حمت الطبقة الجديدة من محاسبة البروليتاريا لها.
و هكذا وقع الانفصام , وتحول الحزب إلى المعبد – الكنيسة والأمين العام للحزب إلى الملك القائم بأعمال الإله, ودارت عجلة التاريخ من جديد فظهرت طبقة البيروقراطيين الشيوعيين الذين احتكروا توظيف الفائض بما يتوافق مع مصالحهم. وكان لينين قد نبه إلى هذا الخطر حين قال (إنّ المجالس السوفياتية التي هي وفقا لبرنامجها هيئات للحكم بواسطة الشغيلة هي في الحقيقة هيئات للحكم من أجل الشغيلة, هذا الحكم الذي تمارسه الفئة الأكثر تقدما من البروليتاريا وليس الجماهير الكادحة) وقد تحولت هذه الفئة على الأقل بعد لينين إلى البيروقراطية التي ذكرناها والتي حذر منها لينين أيضا حين قال (إنّ عدونا الداخلي الأول هو البيروقراطي الشيوعي الذي يحتل في المؤسسات السوفياتية مركزا مرموقا) (اقتباس وارد في ( في سبيل نموذج وطني للاشتراكية, روجيه غارودي)).وقد شهدنا كيف أن كبار هؤلاء البيروقراطيين قد أصبحوا أصحاب المال ووسائل الإنتاج بعد انهيار الأنظمة الشيوعية نهاية عقد الثمانينيات من القرن العشرين. فقد كان ما حدث مماثلا لانقلابات الطبقة البورجوازية ضد الكنيسة (الحزب) وضد الملك (أمين عام الحزب) وممارسة السلطة مباشرة دون عوائق أمام المزيد من تراكم الثروة.
وهنا أيضا, نرى أن هذه الثورة المضادة قد قامت تحت شعارات براقة تعد بتحقيق القيم التي عجز النظام القائم عن تحقيقها, والمدهش أن هذه الثورة المضادة لم تحمل أي برنامج أصيل ليكون بديلا للوضع القائم, فالقائمون عليها يريدون ببساطة النموذج الغربي الذي طوره أقرانهم من الرأسماليين في الغرب, وكانت الجماهير مستعدة لهذا النموذج نتيجة للصورة الخيالية الساذجة عنه والتي تكونت في الأذهان نتيجة سنوات من البروباغاندا الغربية المبرمجة والموجهه في ظلّ حالة فقدان الثقة التي سادت ما بين جماهير الشعب ودولة البيروقراطيين الشيوعيين. وقد تجسد انعدام تصور واضح عند الجماهير للمستقبل حين لم تجد جماهير الانتفاضة الأولى في مدينة تيميشوارا الرومانية في العام 1989 هتافا سوى (الله موجود), فالله دائما يمثل القيم المطلقة التي تعجز النماذج البشرية عن تجسيدها وبالتالي اعتقدوا وبكل سذاجة أنَّ حكم الله هو القادم.
في عصرنا الحاضر تتفاقم المشكلة بعد الإنجازات التقنية الهائلة في مجال الآلة وسيطرة مالكيها على الطبيعة, ذلك من جراء التطور في مجال الاتصالات والإعلام وما يتبع ذلك من سيطرة على الإنسان نفسه, وبالتالي التلاعب في احتياجاته واستبدال حاجات الكفاف (بمعنى حاجات الإنسان الأساسية من تعليم وصحة وثقافة راقية) بحاجات استهلاكية بحت يتم خلقها عبر الماكنة الدعائية الإعلامية لتشبع متطلبات تراكم الثروة أكثر مما تشبع إنسانية الإنسان. وتتوضح هذه الإشكالية أكثر من خلال البحث في جدلية الإنتاج والاستهلاك.

جدلية الإنتاج والاستهلاك
لاستكمال موضوع الملكية, فلا بد من التعرض ولو بإيجاز لجدلية الإنتاج والاستهلاك. في الحالة الأولى, أي في حالة المرحلة التي يسود فيها مبدأ ازدواجية الملكية (خاصة منفعة-عامة رقبة), تكون احتياجات الكفاف (المحددة تاريخيا) للفرد بصفته كمنتج وكمستهلك هي الموجهه للنشاط الإنتاجي. أي أن هدف الإنتاج هو أشباع حاجيات الكفاف الناشئة من خلال تقرير حجم وأشكال الاستثمار في الإنتاج بما يتلاءم مع الطلب الناتج عن الزيادة الطبيعية وعن رفع مستوى الكفاف, وبالتالي تعمل على موازنة العرض والطلب استباقيا من خلال نوع من الاقتصاد المخطط, وليس إشباع رغبة تراكم الثروة لبضعة أفراد أو طبقة مالكة لشروط الإنتاج, والذي يؤدي بالضرورة إلى أزمات عدم التوازن بين العرض والطلب, الأجور والأسعار والادخار والاستثمار . وحاجيات الكفاف هي بالتعريف إنسانية وتنبع من رغبة الأفراد في تحقيق إنسانيتهم للدرجة القصوى من خلال توظيف فائض الإنتاج. وتتميز هذه الحاجيات بطابعها الجماعي ما ينفي الطابع الأناني الفردي عن عملية الاستهلاك.
إذن لا انفصام أو تعارض ما بين الإنتاج والاستهلاك سواء من حيث الهدف الإنساني الفردي أو الطبيعة الجماعية.
أما في الحالة الثانية, حين يسود مفهوم الملكية الخاصة المطلقة, ويكون مبدأ الربح هو الموجه للعملية الإنتاجية بهدف تعظيم تراكم ثروة طبقة معينة, تنفصل عملية الإنتاج عن الاستهلاك , ويصبح الإنتاح من أجل الإنتاج هو الواقع ويتحول الاستهلاك أيضا من أجل الاستهلاك.
وفي ظلّ هذه المعادلة تحل الاحتياجات المفروضة (كمًّا ونوعا) من قبل الطبقة المالكة لشروط الإنتاج محل الاحتياجات المحددة تاريخيا للنمو الإنساني لشروط الكفاف, ويكون مبدأ تعظيم الربح المادي هو المحدد لهذه الاحتياجات المفروضة على أفراد المجتمع ككل, ويؤدي هذا الانفصال ما بين الإنتاج والاستهلاك لظهور الأزمات الدورية المعروفة في الاقنصاديات الرأسمالية.
حين يكتشف مالكو وسائل الإنتاج سلعة جديدة تحقق ربحا عاليًا يبدؤون فورا ومن خلال آلتهم الدعائية بغرس الحاجة لهذه السلعة في عقول الناس, وعادة ما تكون السلع ذات المردود المرتفع موجهة للحاجات الدونية للفرد, فشتان ما بين عوائد الاستثمار في مكتبة مثلا وبين عوائد الاستثمار في نادٍ ليلي.
وبالمقارنة بين الحالتين يتضح أنَّ الرهان الأساس هو على درجة وعي المستهلك وعلى مستواه الثقافي ودرجة خضوعه لتأثير الدعاية, وأيضا على مدى تماسك منظومته القيمية وإنسانيتها. فمخاطبة وتحريك الاحتياجات الدونية للأفراد بهدف إشباعها بالسلع المنتجة يعتمد على تدني مستوى الثقافة (العامة) لدى الأفراد وعلى تدني مستوى حضور القيم لديهم.
أما في الثقافة العامة, فنجد أن الاستثمار المكثف يتوجه نحو ما يمكن أن نسميه الثقافة الدونية, فنجد مثلا أن صناعة الترفيه المدرة للأرباح العالية والتي تتوجه بالعموم لإشباع حاجات غرائزية دونية, نجد هذه الصناعة وقد طغت على ثقافة الفن الرفيع اللازمة لرفع سوية مستوى الكفاف وتحقيق أكبر لإنسانية الإنسان, ولكن بكلفة مالية أعلى ومردود مالي منخفض. والمثال الأسطع في هذا المجال هو صناعة الجنس في دول العالم الرأسمالي (الحر), حيث بدأت صناعة الجنس الحديثة بالتطور المتسارع مع ظهور صناعة السينما في بدايات القرن الماضي واستمرت على استحياء وفي إطار من التكتم الاجتماعي وغض الطرف الرسمي حتى السبعينيات حيث اكتسبت وضعا قانونيا كاملا, ومن ثم انتعشت مرة أخرى مع صناعة الفيديو المنزلي وتضاعفت عوائد هذه الصناعة لتتجاوز حاجز العشرة بلايين دولار في أميركا وحدها (أرقام من فترة الثمانينيات من القرن العشرين), ومن اللافت للنظر أن بعض المراقبين لصناعة أنظمة الفيديو يعيدون خسارة نظام بيتاميكس العائد لشركة سوني السوق العالمية لصالح نظام VHS الأقل جودة, إلى حقيقة أن صناعة الجنس قد تبنت النظام الأخير في عملها.
ولا يقتصر الاستثمار في هذه الصناعة على أفراد أو شركات (غير محترمة) وإنَّما يشمل شركات الاتصالات العملاقة. في المقابل نجد أنَّ صناعة الجنس بأشكالها كانت ممنوعة بحكم القانون في الدول الاشتراكية وحتى الأوروبية منها, وأن المجتمعات في هذه الدول كانت على درجة أعلى من المحافظة قياسا مع نظيراتها في الغرب, فحضور القيم أو غيابها إذن وإن كانت تتأثر بعوامل عدة, فإنَّ العامل الاقتصادي في النهاية له دور محدد.
ومن المؤسف أن النخبة الثقافية في العموم تنفصل عن الجماهير في هذه المعركة وتتخذ موقفا نموذجيا لطبقة البورجوازية الصغيرة, وتقوم بتأجير وتسخير قدراتها الإبداعية لرأس المال في إنتاج هذه الثقافة الغثة. فالالتزام في الفن والأدب وفي الإبداع عموما, هو تحقيق للقيم الإنسانية المثلى إلا أنّه مكلف ماليا وبالتالي وحسب مبدأ تضايف السعادة المقدرة ماليا, يجب حذف هذا الالتزام من دالة السعادة الرياضية.
على ضوء هذه الحقائق, تصبح الثقافة العامة ساحة أساسية من ساحات النضال ضد رجعية ولا إنسانية رأس المال, بهدف رفع مناعة الجماهير لهذا الغزو الثقافي, وهذا الغزو وقد حقق انتصارا ساحقا في الغرب, فقد وجه مقدراته نحو دول العالم الثالث التابعة لاستكمال مهمته بإزالة العوائق أمام نشر الاستهلاك الدوني لتحقيق أعلى الأرباح ضمن ما يسمى الانفتاح الثقافي والعولمة بأشكالها.
ومن المؤسف أن الانفتاح الثقافي وبقيادة رأس المال الدولي وتابعيه المحليين قد اقتصر خدمة لأهدافه المذكورة, على الغث والمتهافت من ما يسمى بثقافة الغرب, ومن المؤسف أيضا أن الطبقة المثقفة في عالمنا لم تغتنم هذه الفرصة للانفتاح على كنوز الثقافة الحقيقية في الغرب ذات المحتوى الإنساني الثمين, وعجزت عن التواصل والتنسيق مع القوى الإنسانية في هذا الغرب والدول الأخرى, فإن لم نستفد من التحليل الماركسي في شيء فأقله أن نستفيد من نتيجته القائلة بأن الصراع ضد الرأسمالية هو صراع في سياق التاريخ العالمي, وبالتالي أنْ نقوم بالتنسيق والتعاون مع قوى التقدم والإنسانية في العالم.
أما ساحة المعركة الثانية فهي ساحة القيم, فدول العالم الثالث عموما وخاصة العربية والإسلامية منها لا تزال تمتلك حضورا فاعلا للقيم بشكل منظومة متماسكة وفعالة متمثلة في الشعور الديني المترسخ بشكل لا يمكن إنكاره. إنَّ توظيف هذه المنظومة من قبل الطبقة المثقفة بشكل تقدمي, وبعد تحريرها من التوظيف الرجعي, ستكون عاملا حاسما في كبح جماح الغزو الثقافي الرأس مالي, وهذه معركة يجب أن تخاض في الداخل وضد قوى الرجعية في الداخل, فالمعتقدات الدينية (أساس وعي الجماهير الفلاحية, وكانت في فترات معينة حادة تغذي النضال ضد الإقطاعية وضد الاستعباد الأجنبي ومن أجل التحرر الوطني... ولا يمكن الآن حذف استخدام المعتقدات التقليدية في تسويغ النضال من أجل محو الاستغلال للإنسان. ومن المفهوم أنَّ ذلك يفترض تفسيرا تقدميا لأسس المعتقدات التقليدية ونضالا مستمرا حاسما ضد سعي الرجعية إلى استخدام مشاعر الجماهير الدينية لمصالحها الطبقية) (الاشتراكية والبلدان المتحررة, ب.أزأوليانوفسكي, دار التقدم, موسكو)وهنا لا بد من الاستفادة من التجربة في الدول الاشتراكية أولاً لتجنب الوقوع في التزمت العقائدي القمعي وهو المنزلق الذي آلت إليه القوى الرجعية في الداخل لدينا (مع اختلاف العقائد من شيوعية إلى إسلامية) حتى دون أن تمتلك خيوط السلطة كاملة, وثانيًا لتجنب الوقوع في مصيدة التنمية دون اعتبار احتياجات الكفاف على أساس النموذج الغربي, فيحل بدلا من هاجس الربح الخاص في دفع مسيرة مجتمعاتنا.
كما نعلم, فإنَّ الأديان تبقى المخزون الموثوق للقيم الحدسية المطلقة عند كل فشل بشري في تطبيق نموذج ما, وأن هذه الوظيفة للأديان عموما وللدين الإسلامي خاصة تؤهلها لدور ثوري في تغيير الواقع الاجتماعي نحو الافضل, فهذه الأديان قد جاءت بالأساس على أنقاض واقع متحلل لا إنساني.
في الخلاصة نقول: إنَّ الأصل هو إعادة ترسيخ قيمة الملكية على أساسها المزدوج وأن تقود العلاقة الجدلية ما بين الملكية الفردية (ملكية المنفعة) وبين الملكية الجماعية (ملكية الرقبة) عملية تطور المجتمع الإنساني بدرجة عالية من التوازن, أما إنكار هذه الجدلية واختزالها بمفهوم غريب للملكية المطلقة لصالح طبقة محدودة سواء الطبقة الرأسمالية أو الطبقة البيروقراطية الشيوعية, فيؤدي وبالضرورة إلى كسر التوازن في الأطوار المتلاحقة وإلى شكل من التطور مأزوم منذ البداية, وأزماته تظهر بشكل دوري متسارع عبر نوبات الكساد والقلاقل الاجتماعية فلا تحل إلا بالقمع وسلب ثروات الآخرين والحروب.