الحوار المتمدن - موبايل



ثقافة لوم الضحية

أوسم وصفي

2011 / 12 / 23
الصحة والسلامة الجسدية والنفسية



هي اللي "جابته لنفسها"
إيه اللي نزلها من بيتها
هي المسئولة. ليه مش لابسة قميص داخليّ!
هي اللي شتمت الجيش

اليوم ونحن نستعد لمليونية "رد الشرف" أو "مليونية الحرائر" في "التحرير"، يستعد آخرون لمظاهرة أخرى في "العباسية" (ولعل اختيار مكان هذه المظاهرة يكون له دلالة في الحصيلة اللغوية الشعبية). اليوم ونحن نستعد لهذه المظاهرات وبعد مسيرة النساء يوم الثلاثاء الماضي (20/12/2011) يكاد يكون الشارع المصري منقسم بخصوص "الفتاة المسحولة" فمنهم من يُحييها ويبكيها ويغضب لها ومنهم من يلومها. هذا ذكرني بمحاضرة قديمة قدمتها عن "ثقافة الإيذاء وإيذاء الثقافة" فيها وصفت "الثقافة الخاصة" لمن تعرضوا/تعرضن للإيذاء في الطفولة وأقصد بالثقافة طريقة التفكير واستقبال الأحداث وطريقة عمل العلاقات وهذه أبعاد نفسية. ووصفت أيضاً ما أسميته "بإيذاء الثقافة" وتحت هذا العنوان وصفت بعض الأبعاد الاجتماعية التي تتميز بها ثقافتنا العربية الشرق ـ أوسطية والتي تجعلها ثقافة مُشجّعة للإيذاء. وهي تشجع الإيذاء ربما بطريقة غير مباشرة عن طريق عدة عوامل وديناميكيات لعل أهمها أنها ثقافة تلوم الضحية أكثر مما تلوم الجاني. ها هو ما كتبت وقتها و أوجهه لمن يقودون الشارع المصري في اتجاه: هي اللي جابته لنفسها.




خصائص الثقافة الشرق أوسطية التي تجعلها مشجعة للإيذاء الجنسي
أ . الخصائص المجتمعية Macro social approach
• تأثير الفقر. يتناسب العنف ضد النساء مع درجة الفقر الذي يعاني منه المجتمع وبالتالي يؤثر بدوره على نسبة الوصول لمصادر التعليم والثقافة. لا شك أن المتعلمين والمثقفين يكونون أكثر قدرة على ضبط نوازعهم البدائية وذلك بسبب تدريبهم لملكات أكثر تطوراً مثل التفكير والقدرة على التعبير عن المشاعر بوسائل أقل بدائية من إيذاء الآخر. كما أن الفقر يشكل عبئاً نفسياً يزيد من نسبة الإضطرابات النفسية والسلوكية وبالذات الإدمانيّ منها والتي هي وراء الكثير من أسباب العنف.

• تأثير المعتقدات والمفاهيم المجتمعية التي تبيح الاعتداء الجسدي في بعض الأحيان.
في دراسة أُجريت في بعض المناطق الريفية في مصر، اعترف 80% من العينة أن ضرب الرجال لنسائهن مقبول ومشروع، خاصة إن كان بسبب رفض النساء المعاشرة الجنسية. (فاطمة الزناتي وآخرون 1996) . تاريخياً كانت النساء يُعتَبرن ملكية خاصة لأزواجهن، وكان المجتمع يقرّ العنف تجاه النساء. كما أن الاغتصاب الزوجي كان لوقت قريب يُعتبر كلمة متناقضة حتى في الغرب.

• ثقافة "لوم الضحية"
في ثقافة تتميَّز بالقهر لقرون عديدة، يحمي الإنسان نفسه من الشعور بالألم الذي سوف يشعر به إذا "توحد بالضحية" فيقوم بالتَوَحُّد بالمعتدي ولوم الضحية. ذات مرة حكت لي أم كيف أنها شَكّت أن ابنتها تعرضت لاعتداء جنسي فأمسكت بها وجذبت أُذّنها بقوة قائلة: "أوعي يكون حد عَمَل فيكي حاجة؟!" بالطبع إذا كانت قد تعرضت لشيء أو عندما تتعرض في المستقبل لشيء فإن آخر من ستقول لها هي أمها. وغالباً ما لن تقول لأحد مطلقاً والأسوأ من الاثنين أنها سوف تستمر في لوم أفسها ربما لبقية عمرها.

• ثقافة الخزي
يقسم علماء الاجتماع الثقافات من حيث تعاملها مع "الخطأ" إلى الثقافات المبنية على الشعور بالخزي shame based cultures والثقافات المبنية على الشعور بالذنب guilt based cultures. في الثقافات المبنية على الخزي، يتجنب الفرد الخطأ بسبب افتضاح أمره بين الناس، أما إذا لم يعرف أحد، وانكفأ على الخبر "ماجور"، فلا يشعر مثل هذا الإنسان بوخز الضمير طويلاً، فضميره الفردي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بضمير الجماعة وصورته بينهم، وطالما لم تُكتَشف فعلته، فقد "حصل خير!" أما في المجتمعات المدنية، فالضمير مرتبط بشعور الفرد بالذنب الداخلي لارتكابه ما يتناقض مع قيمه الأخلاقية الداخلية وقيم المجتمع المنتمي إليه سواء اكتشف ذلك أم لم يكتشف.
" إن البشر وكذلك المجتمعات التي لا تطلب إلا الستر" تحتوي في أجسادها على الكثير والعديد من الأمراض الحضارية المتوطنة، والجروح السياسية المتقيحة، والأورام الأخلاقية المنتفخة، والدمامل الثقافية الصديدية. ولذلك فهي تخاف "الكشف" وترتعب من "الفضح" ولا شيء يربكها ويلخبط كيانها ويزعج منامها قدر "الوضوح" و"الصدق" و "الفضيحة" . إن الرجل الذي لديه الكثير من الفساد الأخلاقي والخوف من الناس نجده دائماُ في حاجة إلى "الستر". وأفضل أنواع "الستر" أو التخفي التي تضحك على العقول بجدارة هو "الستر" باسم الأديان. و"التخفي" باسم شرع ربنا، أو كلام الله، أو حكمته." غناء القلم. د. منى حلمي – روز اليوسف العدد 4090
• الإنكار
مرتبط بثفافة الخزي القبلية أيضاً ثقافة الإنكار وهذا مبني على فكرة أن المهم هو ظهور الأشياء أو عدم ظهورها وليس وجودها ذاته. الأعتداء الجنسي والجسدي وكل أنواع الاعتداءات موجودة في كل الثقافات لكن في الثقافات المدنية هناك مواجهة صريحة لعيوب وأمراض المجتمع أما في الثقافات القبلية التي تنتمي إليها ثقافتنا، فيميل المجتمع إلى عدم الكلام وعدم المواجهة لكل ما يسيء إليه.
في دراسة عن العنف الأسري أُجريت في مصر على إناث من سن 15-49 سنة، وعلى مدار
سنة (1995- 1996)، ثبت أن 34% منهن تعرضن للعنف الشديد من أحد أفراد الأسرة. هذه النسبة ليست بعيدة كثيراً عن نسب في بلدان العالم الأخرى (21 % في الولايات المتحدة و20 % في سويسرا). ولكن المثير للاهتمام في مصر هو أن 47% من الحالات لم يخبرن أحداً بهذا الأمر، و44% أخبرن فرداً من أفراد الأسرة. و3 % فقط أخبرن صديقة ولم تخبر أحدهن الشرطة أو السلطات مطلقاً. هذا يعني أن النساء في مصر (وغالباً في غيرها من البلاد العربية والشرق أوسطية) يتألمن ولا يتكلمن. وإذا تكلمن ربما لا يتكلمن إلا للأهل.

ب‌. الخصائص الأُسرية Micro social approach
من الأسباب الأسرية التي تتيح حدوث أو التستر على الإيذاء الجنسي
• الذكر أهم من الأنثى
• الكبير أهم من الصغير (الكبير يمكن أن يكون الذكر أو الأب أو الأخ الأكبر. أو "الجيش" في هذا المثال الذي نحن بصدده اليوم.
• ما تفعله أو لا تفعله أهم من الحالة التي أنت فيها (التربية هي فعل الصواب وعدم فعل الخطأ وليس تشجيع النمو والتطوُّر)
• أفضل شيء تفعله الأنثى هي أن تحتمل وتصبر
• ما يحدث داخل الأسرة ينبغي أن يبقى داخل الأسرة. مهما كان. الملوم هو من يفضح الفعل أكثر مما يفعله.
• ارتفاع فارق السن بين الزوجين وزواج الإناث القاصرات. لا تستطيع الزوجة حماية نفسها من الإيذاء أو حماية بنتها التي تتعرض للاعتداء من جانب أبيها.
• الصراعات الزوجية (بصورة عامة، أغلب أسباب العنف تجاه النساء من جانب الرجال تدور حول قضيتي الجنس والسيطرة)
• ضعف مستوى صحة الأسرة (فيما يتعلق بالتواصل الوجداني ونوعية العلاقات والحدود الصحية والتعامل مع الضغوط والخسارة وغيرها من محاور صحة الأسرة).


• لكل هذه الأسباب المجتمعية والأسرية لا تتعاطف مجتمعاتنا (وبخاصة الجانب "البدائي" منها) مع الضحية وإنما تتعاطف مع الجاني باعتباره الأهم. الأب والذكر والجيش. أهم من الصغير والأنثى و.. الشعب. لذاك فإن "المسحولة" إذا سُاِلَت بأي ذنب انتُهِكت؟ فإننا سوف نرد بالنيابة عنها ونقول: "أنا اللي جبته لنفسي. ..... ما الذي أخرجني من بيتي لأطالب بحُلم الحُرِيَّة؟







اخر الافلام

.. العاهل السعودي والرئيس العراقي يبحثان تعزيز التعاون الثنائي


.. اليوم العالمي للإحتفاء بذكرى ضحايا الحوادث المرورية


.. رعاية الجدين للطفل تزيد المخاطر على صحته




.. الرئيس العراقي يختتم جولته الإقليمية بالرياض


.. معرض للروبوت في الأردن يدعم المبتكرين الشبان