الحوار المتمدن - موبايل



عبد الكريم الأزري: المشكلة والاستعصاء في التاريخ العراقي

عبد الحسين شعبان

2011 / 6 / 20
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


كان عبدالكريم الأزري آخر وزير مالية في حكومة الاتحاد الهاشمي التي أطيح بها عند اندلاع ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958، وقبلها استوزر لعدّة مرات في العراق، وقد اختار طريق الوظيفة العامة وسيلة للعيش والعمل والخدمة، لاسيما بعد أن أنهي دراسته في الاقتصاد والعلوم السياسية في بريطانيا. وقد انخرط في العام 1946 في الحزب الوطني الديمقراطي الذي ترأسه كامل الجادرجي، وأصبح أمينه العام وذلك عند تأسيسه بعد الترخيص للأحزاب في وزارة توفيق السويدي التي تم تأليفها في 23 شباط (فبراير) وقدّمت استقالتها يوم 30 أيار(مايو) 1946، أي أنها لم تدم سوي 97 يوماً، لكنه استقال من الحزب بسبب هيمنة الشيوعيين كما قال.

وقد ذاع صيت تلك الوزارة، التي ساهمت الأجواء الايجابية بعد الحرب العالمية الثانية وانتشار الأفكار الديمقراطية والتحررية في تهيئة مستلزمات مشروع للاصلاح الداخلي، علي الرغم من أنها لم تدم طويلاً، وكان طريق الاصلاح ممكناً، لاسيما بعد خطاب الأمير عبدالاله الوصي علي العرش، فبادر سعد صالح وزير الداخلية آنذاك، الأديب والمثقف، الي اطلاق حرية الصحافة وتبييض السجون والمعتقلات، لاسيما من المعتقلين والمسجونين لأسباب سياسية، واجازة خمسة أحزاب سياسية بينها حزبان يساريان هما حزب الاتحاد الوطني برئاسة عبد الفتاح ابراهيم وحزب الشعب برئاسة عزيز شريف، اضافة الي الحزب الوطني الديمقراطي برئاسة كامل الجادرجي وحزب الاستقلال (العروبي) برئاسة الشيخ محمد مهدي كبّة وحزب الأحرار( الذي أصبح رئيساً له بعد توفيق السويدي وبعد استقالة الوزارة).

في هذه الأجواء بدأ الأزري نشاطه السياسي متدرجاً في عمله الوظيفي. وكان قد ولد في مدينة الكاظمية العام 1908 وأكمل دراسته الثانوية فيها وأُرسل بعثة علي ملاك وزارة الأوقاف الي لندن للحصول علي البكالوريوس. وقد شغل مناصب ووظائف عديدة في الدولة العراقية، حيث عُيّن لأول مرة في وزارة الخارجية معاوناً للقنصل في كرمنشاه العام 1930، ثم انتقل الي وزارة المعارف في خريف العام 1931، وعُيّن مدرّساً في دار المعلمين الابتدائية، وأصبح معاوناً لرئيس الديوان الملكي العام 1934، وعُيّن مديراً للتجارة، ثم استقال من منصبه وعُيّن مرة أخري في نفس المنصب العام 1938، كما انتخب نائباً لأكثر من مرة.
جدير بالذكر أن من أهم مساهمات عبد الكريم الأزري هو دوره البارز في مجلس الاعمار حيث أعطاه من فكره وجهده وخبرته الشيء الكثير، وساهم هذا المجلس في وضع اللبنات الاولي للبنية التحتية للتنمية في العراق، لاسيما في بناء عدد من المشاريع الكبري، التي تعتبر انجازاً للدولة العراقية علي الرغم من شح واردات النفط آنذاك.

واذا عدنا الي التاريخ لنقيّم ما تم انجازه، لاسيما دور عبد الكريم الأزري ومساهمته، فيمكن القول إن مجلس الاعمار، يُعتبر بحق مشروعاً تنموياً حقيقياً بسياقات تلك الأيام، عرفه العراق في الخمسينيات، واستند الي سياسة اقتصادية ناجحة فتحت آفاقاً لبناء سدود وخزانات، لعل أهمها مشروع خزّان الثرثار، الذي كان الأبرز في الشرق الأوسط ومشروع سدّ الرمادي ومشروع سدّ الحلة واصلاح بحيرة الحبانية وغيرها، اضافة الي بعض مشاريع الاسكان، وهو الأمر الذي غاب عن الدولة العراقية في سنوات لاحقة، لاسيما بعد صعود مشكلات "الزعامة" ومشاريع الحروب والمغامرات العسكرية، فضلاً عن ظروف الحصار الاقتصادي الشامل، وما أعقبه من تدمير البني التحتية والهياكل الارتكازية، خلال حرب قوات التحالف في العام 1991 وبعدها واحتلال العراق العام 2003، وتعويم الدولة وسيادتها فضلاً عن استشراء ظاهرة الفساد المالي والاداري الذي لا يزال جاثماً علي الصدور، وعلي الرغم من أن رئيس الوزراء العراقي حاول استباق الأحداث بتحديد فترة 100 يوم مهلة لتحديد معالم الاصلاح، لكن نظام المحاصصة حتي وان كان باسم الشراكة لا يساعد في مساءلة المقصرين، فضلاً عن وجود تحديات خارجية وداخلية من الصعب تجاوزها.
تدريجياً اقترب الأزري من مواقع السلطة وابتعد عن مواقع المعارضة، وهو الأمر الذي يختلف به عن سعد صالح، الذي انحاز الي "معسكر" المعارضة واتّخذ من نقد السلطة، ولاسيما في السنوات الأخيرة من حياته، سياسة ثابتة له، وخصوصاً بعد تراجعها عن الانفتاح والانفراج الذي بدأ خطواته الأولي عندما كان وزيراً للداخلية. كان الأزري يري أن جوهر الاشكالية والمشكلة العراقية، هو تفشي الطائفية وذيولها ويذكر أرقاماً بخصوص عدد الوزراء والنواب والسفراء من الشيعة وتمثيل المحافظات، بما يعتبره خللاً في تركيبة الحكم (وان كان هذا ما يبرزه في كتابه ــ مذكراته لاحقاً) مركّزاً علي الاضطهاد الطائفي، بل انه يُخضع كل تاريخ العراق السياسي لهذه المسألة، منذ تأسيس الدولة العراقية العام 1921، بما فيها في العهد الملكي الذي شارك فيه من موقع مسؤول، علي الرغم من استثنائه الملك فيصل الأول وصولاً الي العهود الجمهورية، حتي أنه يعتبر القرارات الاشتراكية التي اتخذتها حكومة عبد السلام عارف والتيار القومي العربي العام 1964 محاكاة لمصر، انما كانت تستند الي أهداف طائفية، ويصنّف القائمين عليها علي هذا الأساس، ويعتبر ذلك ضرباً للقوة الاقتصادية التي كان يشغلها "الشيعة" في حقل التجارة والاقتصاد، وهو افتراض بحاجة الي دليل.

ولعل مثل هذا الاتجاه في تفسير بعض الاحداث ساد لدي بعض الاوساط التي عزفت لاحقاً علي المسألة الطائفية باعتبارها جوهر مشكلة الحكم في العراق، خصوصاً وقد اتخذت شكلاً متطرفاً وصل الي حد الهستيريا في وسط الثمانينات، والمقصود عشية وخلال الحرب العراقية- الايرانية. واذا كان التهجير الذي شمل عشرات الألوف من المواطنين عملاً لا انسانياً بكل معني الكلمة، فان نار الكراهية والبغضاء كانت قد اشتعلت بين فريقي الحكم في طهران وبغداد، الأول يريد أن يصدّر الثورة والثاني يريد أن يقضي عليها ويشن الحرب ضدها، لكي لا تمتد الي ساحته والآخر يريد مواصلتها حتي يحقق أهدافه، الأمر الذي دفع سكان البلدين ثمنه باهظاً بسبب مغامرات حربية أو أطماع توسعية. أما المسألة الثانية التي يستند اليها الأزري باعتبارها تشكّل الركن الثاني لمشكلة الدولة العراقية، فهي المشكلة الكردية، وفي المسألتين اختلف مع سعد صالح، لاسيما في جوهر "مشكلة الحكم في العراق"، وهو عنوان لكتاب أصدره في مطلع العام 1991، فقد كان سعد صالح يري أن المشكلة عراقية، وهي تتعلق بفساد الحكم، وبسوء الادارة، وبالاجحاف الواقع علي فئات الشعب كافة، أي أن هناك خللاً ونقصاً كبيراً في فكرة المواطنة والمساواة اللتين هما أساسيتان لأية دولة عصرية، وان كان يقرُّ ضمناً بوجود مشاكل أخري اثنية، لاسيما مطالب الحركات الكردية، وخصوصاً البرزانيين ومعالجات الحكومة المُبتسرة لها، اضافة الي مشكلات تمييزية لها جذورها القانونية تلك، التي تتطلب المساواة، وهو ما عبّر عنه بمطالبته للألوية الكردية، مثل مطالباته للألوية العربية.

وفي حوار خاص مع الكاتب اعتبر عبد الكريم الأزري خلافه مع سعد صالح جذرياً وجوهرياً، لأن الأول لا يعترف بوجود مسألة طائفية، أو لا يعطيها ما تستحقه من اهتمام، ويقول انني تقاطعت معه في هذا الموقف في مجلس النواب واجتماعاته المختلفة، وهو ما ذكره في كتابه " تاريخ في ذكريات العراق" الصادر العام 1982، ولكنه بالقدر الذي يعبّر عن خلافه الحضاري الراقي، فانه يستذكر ذلك بشيء من الاحترام والتقدير مواقف سعد صالح ورؤاه .

وأعتقد أن تقييم الأزري للشخصيات السياسية بحكم انتماءاتها الطائفية، جعله لا ينظر الي مشكلة الحكم الاّ من هذه الزاوية التي يسميها " العلة الأم" وهو ما وضعه في خلاف مع العديد منها لاعتبارات طائفية وفي غالبيتها خلافات مسبقة تتعلق بزاوية النظر الي القضايا، فهو لا ينظر اليها أو الي مواقفها وآرائها الاّ ويخضعها لقالب طائفي، وقد جرت الاشارة الي كامل الجادرجي الشخصية الوطنية الديمقراطية البارزة من نفس المنظار، كما ذكر ساطع الحصري وقضية أنيس زكريا النصولي، باعتبارها مسألة طائفية صرفة في حين أن لها ذيولاً أخري، علي الرغم من أن جوهرها طائفي، لاسيما تداعياتها علي الفريقين، وكذلك يقيّم عبد العزيز الدوري المؤرخ الكبير وعبد الرحمن البزاز القانوني اللامع والقسم الأكبر من الكتلة الناصرية القومية العربية، التي اتخذت القرارات الاشتراكية، أيام حكم عبدالسلام عارف، وفق المعيار ذاته، لدرجة أنه يعتبر الطائفية علّة العراق الأساسية.
ويقصد الأزري بذلك تسلّط أقلية صغيرة من الشعب العراقي علي زمام الحكم واستئثارها به وانفرادها بممارسة سلطاته، وحرمان بقية الفئات ولاسيما الأكثرية منها، اضافة الي الأقلية الكردية الكبيرة كما يقول، ولعله يبالغ في اعتبار الأقلية الحاكمة هي أقلية طائفية وليس أقلية سياسية أو فئوية أو اجتماعية، لدرجة أنه يعتبر أن 90% من مشاكل الدولة تكمن في ذلك، مضافاً اليها وجود نظام دكتاتوري ويعود ليؤكد علي تحكم الأقلية (المقصود طائفياً) بالجيش. وهو يعزو ذلك الي تخلّف الشيعة سياسياً ويقصد بهذا الأمر عدم وجود كيانات سياسية باسم الشيعة، وكأن الشيعة كانوا بعيدين عن المساهمة الفعّالة في جميع الأحزاب والقوي السياسية منذ تأسيس الدولة العراقية وحتي اليوم، كما يؤكد علي دور بريطانيا في تثبيت حكم الأقلية (يقصد طائفياً) بسبب معاقبة رجال ثورة العشرين. وقد حاول في التسعينيات العمل علي بناء كيان شيعي غير ديني، لكن المشكلة لن تذهب بعيداً عن الطائفية التي ينبغي وضع حد لها سواء كانت دينية أو غير دينية، وعلي حد تعبير عالم الاجتماع الكبير علي الوردي يوجد طائفيون بلا دين.
اذا كان عدم الاعتراف بالهوية الفرعية سبباً في تفاقم مشكلات المواطنة واشكالياتها فهذا صحيح تماماً، لاسيما وجود هويات خاصة للأقليات القومية أو الدينية أو غيرها، لم تنل حقوقها فضلاً عن التهميش الذي تعرضت له والاضطهاد الذي وقع عليها، وبخاصة الأكراد أو بسبب قوانين الجنسية التمييزية، ولهذا فان اعتماد هوية وطنية جامعة وعراقية، يشكل أساساًً للاعتراف بالهويات الفرعية، علي أساس مواطنة كاملة واحترام حقوق الانسان عابرة للطوائف والاثنيات، وبهذا المعني فان المبالغة في تضخيم دور الهويات الفرعية يؤدي الي اضعاف الهوية الوطنية المشتركة، كما ان نكران الهويات الفرعية يؤدي الي التمييز والاضطهاد واضعاف الهوية الجامعة، ولن تكون هذه الهوية دينامية وحيوية الاّ باحترام وتأمين الهويات الفرعية، ولذلك فان الهوية الوطنية ينبغي أن تكون أكثر رحابة لتفاعل وامتزاج الهويات المتعددة والمختلفة في اطارها الموحد.

لقد اختزل عبد الكريم الأزري مشكلات الحكم بأطرافها الجهوية الطائفية والاثنية، وظلّ يعتقد باخلاص أن الحلّ يكمن في تصحيح هذا المسار، لكن تجربة الحكومات العراقية، التي جاءت بعد صيغة بول بريمر لم توصل العراق حتي الآن الي شاطئ الأمان، بل خيّبت الكثير من الآمال التي بناها البعض، ولهذا فان أي حل لا يستند الي مزاوجة الهويات الفرعية بالهوية الجامعة، سيؤدي الي اضعاف المواطنة المستندة الي فكرة المساواة واحترام حقوق الانسان.

عاش الأزري نحو 100 عام وهجر العمل السياسي بعد العام 1958 وظل في المغترب البيروتي واللندني نحو أربعة عقود من الزمان وتوفي في لندن نظيف اليد وعفيف اللسان وصاحب وجهة نظر اتفقت او اختلفت معه، فهو ينظر الي الآخر باحترام.
باحث ومفكر عربي







اخر الافلام

.. العاهل السعودي والرئيس العراقي يبحثان تعزيز التعاون الثنائي


.. اليوم العالمي للإحتفاء بذكرى ضحايا الحوادث المرورية


.. رعاية الجدين للطفل تزيد المخاطر على صحته




.. الرئيس العراقي يختتم جولته الإقليمية بالرياض


.. معرض للروبوت في الأردن يدعم المبتكرين الشبان