الحوار المتمدن - موبايل



الدولة القومية التي نشأت بالحروب، بالعولمة تتصدع وتفني

جورج طرابيشي

2002 / 3 / 11
العولمة وتطورات العالم المعاصر



Thierry Wolton.
La Fin des Nations.
(نهاية الأمم).
Plon, Paris.
2002.
172 Pages.

لا جدال في أن حركة الفكر ترتبط بحركة الواقع، اتباعاً أو استباقاً.
هذه الحقيقة التقريرية هي أول ما تسوقه إلي الذهن مطالعة هذا الكتاب عن نهاية الأمم .
ففي عصر القوميات، الذي تطاول علي مدي قرنين من الزمن من مطلع القرن التاسع عشر إلي أواخر القرن العشرين، كانت الأمة هي الموضوع الأول للغناء، بل للعبادة، في الشعر والفلسفة كما في علم الاجتماع السياسي. ولكن ما كان موضوعاً للمديح كان لا بد أن ينقلب موضوعاً للنقد، بل حتي للهجاء، مع أفول عصر القوميات واطلالة عصر العولمة في هذا المفصل التاريخي ما بين القرنين العشرين والحادي والعشرين.
ميزة هذا الكتاب تكمن في القوة التي يصفع بها ذهن القارئ وهو ينعي له، أو يبشره بالأحري، بـ نهاية الأمم . وإزاء حمولة هذا الكتاب من النقد والهجاء لمقولة الأمة، فإن قارئه لا يملك أن يدفع عنه شعوراً بأنه أمام فعل متعمد لتحطيم الايقونات وانتهاك القدسيات. والخطير في الأمر أنه حتي لو حاول أن يبدي مقاومة ذهنية، فإنه يجد نفسه، وهو يطالع الكتاب، أمام قوة حجة كافية لانتزاع اقتناعه بالمشروعية النظرية لذلك الفعل التدنيسي.
فتحت عناوين أربعة رئيسية: 1- الأمة يوطوبيا ، 2- الأمة عبودية ، 3- الأمة هي الحرب ، 4- الأمة هي النهاية ، يفلح الكاتب - أو يكاد - في تحميل الأمة مسؤولية قدر كبير من الشرور السياسية التي ابتليت بها البشرية في الأزمنة الحديثة والمعاصرة. فالأمة يوطوبيا، وفي الغالب يوطوبيا قاتلة. فمثلها مثل كل يوطوبيا، فإنها لا توجد إلا بقدر ما يؤمن الإنسان بها. وهي رابطة وهمية ما كان لها وجود في عصر الأديان والامبراطوريات والممالك السلالية، وقد اختلقها الإنسان في زمن انهيار هذه المرجعيات تحت زخم الحداثة ليحرر نفسه من الخوف من الحرية ومن العزلة.
ولا شك أن منظّري مقولة الأمة قد حاولوا أن يوجدوا لهذا الوهم مستنداً من الواقع، فتحدثوا، وأكثروا من الحديث، عن اللغة بوصفها العامل الأول للهوية القومية. ولكن اللغة القومية نفسها لم تكن واقعة فطرية. فحتي مطلع القرن التاسع عشر كان نصف سكان فرنسا لا يتكلمون بالفرنسية، وأكثر من نصف سكان ايطاليا لا يتكلمون بالايطالية. والواقع أن اللغة القومية قد جري تصنيعها وتعليبها في معامل رأسمالية المطبعة . فلولا المطبعة، التي وحّدت اللغة وعممت الثقافة، لكان الفرنسيون والايطاليون والاسبانيون والبرتغاليون لا يزالون يتكلمون إلي اليوم بلهجات محلية مشتقة من اللاتينية. وذلك أيضاً شأن الشعوب التي كانت ناطقة بلهجات مشتقة من الجرمانية أو الانغلو - ساكسونية.
وقد يكون أصدق تعريف للأمة هو ذاك الذي اقترحه ارنست رينان: فهي عنده تعبير، لا عن واقع مادي قائم، بل عن إرادة مشتركة. والحال ان وظيفة الإرادة أن تتدخل لكي تخلق ما هو غير موجود في الواقع. ولهذا أيضاً فإنه كان يطيب لموسوليني أن يقول: لقد اصطنعنا اسطورة، والاسطورة فعل ايمان، إرادة نبيلة، ولا حاجة بها لأن تكون واقعاً قائماً علي الأرض. فهي اندفاع، وهي رجاء، وهي شجاعة وايمان. واسطورتنا هي الأمة .
اسطورة؟ بل يوطوبيا بالأحري، وذلك بقدر ما أن اليوطوبيا نفسها قابلة للتعريف بأنها اسطورة برسم التحقيق. وقد لا تكون يوطوبيا الأمة شراً بحد ذاتها، ولكنها حاملة بالضرورة لبذرته. فمثلها مثل كل يوطوبيا، فإنها ايجابية عندما تعد بالفردوس علي الأرض، ولكنها سلبية عندما تدعي أنها هي السبيل الوحيد للوصول إليه. والمشكل أنها عندما تبشر بالفردوس، فإنها تطالب سلفاً كل المرشحين لدخوله بأن يكونوا عبيد فكرتها، وعند الضرورة شهداءها. فتماماً كما في الأديان التي تعد بالجنة في السماء، فإن قائمة شهداء يوطوبيا الأمة لامتناهية الطول.
فقبل عصر القوميات، كانت الحروب حروباً بين قادة من الأمراء وجيوش من المحترفين والمرتزقة. ولكن في عصر الأمة صارت الحروب شعبية بكل ما في الكلمة من معني. وتحت لواء القومية سيق الملايين وعشرات الملايين إلي ساحة القتال و الاستشهاد . وليس من قبيل الصدفة أن يكون روبسبيير، القائد الأكثر تطرفاً لتلك الثورة القومية المتطرفة التي كانتها الثورة الفرنسية، قد قال في خطابه الموجه إلي الأمة عام 3971 لتعبئة ثلاثمئة ألف مواطن في مواجهة التحالف الأوروبي الملكي المعادي للثورة: إن اعداءنا يشنون حرب جيش، وأنتم تشنون حرب شعب . ولقد كان خير منفذ للوصية القومية للثورة الفرنسية نابليون الذي غزت جيوشه الشعبية القارة الأوروبية من أقصاها إلي أقصاها من أجل أن تنشر فيها أفكار الثورة، وفي مقدمها فكرة الأمة المتجانسة .
ولم يفلح نابليون في محصلة الحساب إلا في أن يستثير في كل مكان من أوروبا شعوراً قومياً مضاداً ومعادياً لفرنسا نفسها. وفي الواقع أنه منذ عهد الثورة الفرنسية والحروب النابليونية، حدث تداخل خطير بالنتائج بين مفهومي الوطنية و القومية . فالوطنية تكاد تعادل شعوراً طبيعياً لدي الإنسان بحبه للأرض ولذويه. ولكن القومية بالمقابل شعور اصطناعي يقوم أساساً علي كراهية الآخرين. وكراهية الآخرين ترجمتها الحرب.
و الأمة هي الحرب ، كما يقول عنوان أطول فصول كتاب نهاية الأمم . فدولة الأمة، أو الدولة القومية بتعبير آخر، ما قامت قائمتها ولا تحددت حدودها، في معظم الحالات، إلا بالحرب. فانكلترا هي بنت الحرب الطويلة الأمد والمتعددة الفصول ضد الاسكتلنديين والولزيين. وفرنسا الحالية هي وريثة حروب الثورة. والولايات المتحدة تولدت من الحرب ضد الانكليز أولاً، والاسبان ثانياً، والهنود الأميركيين ثالثاً. والمانيا الحالية رسمتها خريطة الحروب البسماركية.
ولأن هذه الخريطة لم تشمل جميع الشعوب ذات الأصل الجرماني في هولندا وبلجيكا والنمسا وسويسرا وفرنسا (الالزاس - اللورين) وبولونيا وأوكرانيا، فإن تحقيق هذه اليوطوبيا الجرمانية قد اقتضي، من جهة أولي، قيام المانيا النازية، التي مثلت النموذج الأكثر تطرفاً للدولة القومية، وأولع من جهة ثانية شرارة الحرب العالمية الثانية التي مثلت أكبر مقبرة جماعية للشعوب في تاريخ البشرية: نحو من خمسين مليون قتيل.
وحيث امتدت عدوي فكرة الأمة خارج أوروبا كان مخاض ربيبتها، الدولة القومية، في أتون الحرب. ويتوقف مؤلف نهاية الأمم عند ثلاثة نماذج تاريخية للدولة القومية خارج أوروبا: النموذج التركي والنموذج الباكستاني والنموذج الإسرائيلي.
فتركيا القومية الكمالية ما قامت علي أنقاض الامبراطورية العثمانية المتعددة القوميات فحسب، بل كذلك علي فكرة النقاء القومي، مما استدعي تصفية اقليتين قوميتين كبيرتين، إما عن طريق الإبادة الجماعية، وإما عن طريق التهجير السكاني القسري. وعلي هذا النحو تم تحقيق المجتمع التركي النقي بالتخلص من مليون نسمة من الأرمن وثلاثة ملايين من اليونانيين الذين كانت تركيا موطنهم التقليدي منذ آلاف السنين.
وقد كان المثال القومي الباكستاني أكثر شناعة بعد. فهو لم يتأد إلي تقسيم الهند فحسب، مع أنها كانت موجودة ككيان حضاري منذ أزمنة لا تعيها الذاكرة، بل ان تداخل العامل القومي والعامل الديني تأدي أيضاً إلي مذابح جماعية وعمليات تهجير سكاني مكثفة تمخضت عن أربعة ملايين قتيل وخمسة ملايين مهجر، وهذا كله مع بقاء صفحة الحرب مفتوحة بين الشقيقين العدوين من خلال صراع الحدود علي اقليم كشمير.
لكن النموذج الإسرائيلي للدولة القومية يبقي هو الأكثر تطرفاً في نوعه. فإسرائيل هي نموذج تام ليوطوبيا قاتلة. فحتي مطلع القرن العشرين لم يكن لهذه اليوطوبيا من وجود إلا في أذهان بعض المثقفين من اليهود الأوروبيين الذين اعتنقوا الايديولوجيا الصهيونية، التي هي بدورها نموذج تام لايديولوجيا تخلط ما هو قومي بما هو ديني وتؤسس الدين نفسه في قومية. وقد اقتضي تحقيق هذه اليوطوبيا المتخيلة تشريد مليون فلسطيني ومصادرة أراضيهم ومساكنهم وممتلكاتهم، ثم خوض ثلاث حروب متتالية ضد الدول العربية كسبتها كلها إسرائيل، وأدت في كل مرة إلي توسيع حدودها. واليوم تتواصل الحرب ضد السكان الاصليين من الفلسطينيين الذين يوجد هناك، في أوساط المتطرفين من القوميين والمتدينين اليهود، من يرفع شعار رميهم في البحر مثلما كان العرب أنفسهم قد رفعوا، لسنين طويلة، شعار رمي اليهود في البحر.
خلاصة القول إن الأمة، في نظر مؤلف نهاية الأمم ، قد أدت وظيفتها، وهي لم تكن علي الدوام وظيفة مشرفة. وقد آن الاوان لتغادر مسرح التاريخ. فمع بداية عصر العولمة لم يعد ثمة وجود لا لاقتصاد قومي محض، ولا لثقافة قومية محضة، ولا لقانون قومي محض، ولا لإعلام قومي محض - علماً بأن الإعلام من فضائيات تلفزيونية وشبكات انترنت واتصالات هاتفية عبر الأقمار الاصطناعية، هو عصب عصر العولمة. وحدها ما زالت تحتفظ بطابعها القومي السلطة السياسية الفاعلة في إطار الدولة القومية. وهذه آن الأوان لتجاوزها. فأية شركات كبيرة من الشركات العابرة للقومية تتحكم اليوم برقم أعمال يزيد علي الناتج القومي لدولة صغيرة مثل الدانمرك وقد لا يقل عن الناتج القومي لدولة متوسطة الحجم مثل اسبانيا.
قد يقول هنا اللاعولميون إن الدولة القومية تمثل خط الدفاع الأخير أمام مد العولمة. لكن مؤلف نهاية الأمم يرد سلفاً بالقول: هذا هو الجواب التقليدي والجاهز لدي كل موجود طفيلي يأبي أن يفارق الجسم الحي الذي يقتات منه ويعتاش عليه .

الحياة







اخر الافلام

.. العاهل السعودي والرئيس العراقي يبحثان تعزيز التعاون الثنائي


.. اليوم العالمي للإحتفاء بذكرى ضحايا الحوادث المرورية


.. رعاية الجدين للطفل تزيد المخاطر على صحته




.. الرئيس العراقي يختتم جولته الإقليمية بالرياض


.. معرض للروبوت في الأردن يدعم المبتكرين الشبان